آثار سوريا ومتاحفها؛ بين مطرقة التدمير وسندان النهب

وحدة الرصد والمتابعة في المرصد

في 25 كانون الثاني/ يناير 2018، أهدى سفير النظام السوري في الأمم المتحدة “بشار الجعفري” إلى المبعوث الدولي “دي مستورا” خلال اجتماع ضمّ الأخيرين، لوحاً طينياً (رقيماً)، ادّعى الجعفري أن الحروف المسمارية المنقوشة عليه تحكي قصة أقدم “مصالحة تاريخية” حصلت في التاريخ.

وبعيداً من زيف المعلومة التي ذكرها الجعفري وخدع بها دي مستورا، حين قال له: “هذا الرقيم من أصل 17000 رقيم آخر حجبت قراءتها حتى الآن منذ سنة 1974، موجودة في متاحف غربية وممنوعة من الترجمة، لأن ترجمتها ستقلب تاريخ العالم، وتناقض كل ما درسناه من نظريات تاريخية مطروحة في الساحة، بعد مضي 50 سنة على اكتشافها، يسعدني أن أهديك إياها سيد دي مستورا”. أهدى الجعفري المبعوث الدولي قطعة تاريخية حضارية سوريّة وكأنه يناوله شيئاً من مقتنيات منزله وملك يمينه؛ أما المُهدى إليه فقد قبل الهديّة من دون تسليمها إلى المنظمات العالمية لحمايتها، وربما صَمَدها أيضاً داخل صندوق زجاجي في صالون منزله.

إهداء ذلك الرقيم، بتلك البساطة، من قبل ممثل النظام السوري، يؤكّد بما لا يدع مجالاً للشك، أن الآثار السورية تُنتَهك كما يُنتَهك البشر والشجر والحجر.

تعرّضت المواقع الأثرية والمتاحف السورية لأعتى أنواع التدمير والتخريب، إضافة إلى السرقة والإتجار بمقتنياتها الفريدة العائدة إلى آلاف السنين الماضية؛ ولعل من أكثر الأمور التي غابت عن مشهد الخراب السوري كان مصير تلك المواقع والمتاحف المنتشرة بين مناطق سيطرة نظام الأسد ومناطق المعارضة، وتنظيم داعش، وقسد.

وإذا ما ألقينا نظرة على خريطة سيطرة الأطراف خلال السنوات السبع السابقة إلى هذا اليوم، فإن أكثر ما يتبادر إلى ذهننا حال آثار كل من درعا، ودير الزور، وتدمر، وإدلب، والرقة ومتاحفها؛ عدا المواقع والمتاحف الفرعية الموزّعة ضمن قرى الريف وبلداته في المحافظات السورية الأخرى كافة.

مصير الآثار والمتاحف في محافظات سوريا المنكوبة

  • درعا؛ نبش كنوز حوران الرومانية

لعل أول الأماكن التاريخية التي تعرضت للتشويه والتنكيل كان “الجامع العمري” الذي انطلقت منه التظاهرات الأولى، ليقوم النظام باقتحامه بحجّة إيوائه (الإرهابيين) بعد أقل من أسبوع من انطلاق الاحتجاجات؛ فأطلق نيران رشاشاته داخل الحرم ما تسبّب في تشويه جدرانه ومحرابه وأعمدته. ولاحقاً، بعد سيطرة فصائل المعارضة على المدينة، قُصف المسجد لتنهار مئذنته بشكل شبه كامل مع تعرّض السقف والقبة والجدران إلى تجاويف واسعة أدّت إلى خروج الجامع من الخدمة و”تعليق الصلوات فيه منذ ما يقارب 3 سنوات[1]“.

ولم تقف تداعيات الخراب عند المسجد العمري، بل قام النظام وحلفاؤه الإيرانيين بأعمال تنقيب على نطاق واسع في مدينة بُصرى الأثرية، إبان سيطرتهما عليها، شملت القلعة التاريخية والمواقع الأثرية الأخرى المحيطة بها.

كانت مدينة بصرى تشكّل متحفاً أثرياً مفتوحاً، وتعج بعشرات المواقع وآلاف الكنوز، وكانت تُعرض فيها مئات القطع الأثرية منذ ما قبل اندلاع الثورة؛ إلا أن هذا المتحف المفتوح ومعه “متحف درعا”، أصبحا الآن فارغين؛ بعدما نهبتهما قوات النظام ونقلت محتوياتهما إلى مناطق سيطرتها بحجة حفظها هناك.

اتخذت قوات النظام والمليشيات الإيرانية من قلعة بصرى ومسرحها الروماني القديم قواعد عسكرية يُمنع الاقتراب منها خلال سيطرتهم الأولى على المنطقة.

ويصرّح أهالي بصرى أنهم كانوا يسمعون أصوات معدات حفر ثقيلة تعمل في المكان، وهو ما يؤكد أن تلك القوات -بإشراف ضباط محسوبين على النظام- كانت تنبش أرض القلعة؛ بحثاً عن الآثار، أُثبِت هذا الأمر ووُثِّق بعد خسارة تلك القوات وانسحابها؛ حيث شوهدت حُفَرعدّة في القلعة وتخومها[2].

ولم يقتصر التنقيب والسرقة على النظام وحلفائه، بل أصبحت عشرات المواقع الأثرية، منها: تلّ الأشعري، وتل شهاب، ومدينة بصرى، ومدينة درعا الأثرية، والمزيريب، والخرب الأثرية، هدفاً للصوص الآثار وللمنقبين الجوعى خارج مناطق سيطرة النظام، حيث بات التنقيب عن الآثار مهنة كثير من السكان نتيجة الحصار وانعدام الأمن.

تعود مواقع وآثار درعا المنهوبة معظمها إلى المرحلة الرومانية الممتدة بين القرن الأول الميلادي والقرن السادس بعد الميلاد، وهي غنيّة باللقى الثمينة المصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة، والمنحوتات المتقنة. أما في المرحلة الإسلامية التي أعقبت الرومان، فيعتبر المسجد العمري من أهم آثاره، و”قد ارتبط اسمه باسم الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب الذي أمر ببنائه في أثناء زيارته إلى المدينة بعد فتحها، وكان ذلك عام 14 للهجرة[3]“.

بقي أن نشير إلى أن الآثار التي تعرّضت للسرقة، كاللوحات الفسيفسائية والأواني الفخارية والعملات المعدنية، معظمها جرى نقلها وتهريبها عن طريق حدود المملكة الأردنية، والإتجار بها داخل المملكة، مع نقل جزء منها إلى البلدان العربية المتاخمة ولاحقاً إلى دول الغرب.

  • دير الزور؛ وسرقة درّة آثار الشرق السوري

بالنسبة إلى ما يتعلّق بدايةً بمتحف دير الزور، فالمعروف لدى أهل المدينة أن تموضع المتحف يقع ضمن الأحياء التي بقي النظام يسيطر عليها منذ بداية الثورة نظراً إلى قربه من المربع الأمني في المدينة؛ ومع مرور الوقت تحوّلت زواياه وأسطحه، منذ بدايات عام 2012، إلى مقرّ لمتاريس جيش النظام وقنّاصيه.

 ومنذ ذلك الحين لم يعد بالإمكان معرفة مصير آلاف القطع واللقى الأثرية التي ضمّها المتحف التي تعود إلى العصور الحجرية الأولى، إضافة إلى ممالك العصور البرونزية التي تتربع على عرشها مملكة “ماري- تل الحريري” 2100 ق.م القريبة من مدينة البوكمال التي عُثِر في قصرها الملكي على أكثر من 20 ألف لوح طيني “رُقم” مخطوط بالكتابة المسمارية، إضافة إلى ممالك “ترقا- العشارة” و”دور كاتليمو- تل الشيخ حمد” وآثار “بقرص”، مروراً بالعصور الهلنستية اليونانية والرومانية التي تعتبر مدينة “دورا أوروبوس- الصالحية” التي أنشأها سلوقس الأول نيكاتور من أهم مواقعها في مستوى سوريا والعالم، نظراً إلى العثور فيها على أهم المعابد القديمة، ومنها الكنيس اليهودي وأقدم الكنائس المسيحية في التاريخ، إضافة إلى مدينة “قرقيسيا- البصيرة” و”حلبية وزلبية”، وآثار “الطريف” التي نهب لُقاها معظمها رؤساء فروع المخابرات في المحافظة منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم؛ وصولاً إلى العصور العربية والإسلامية التي تجسّدت في عدد من المواقع الموزّعة في المدينة وريف المحافظة، من قلعة “رحبة مالك بن طوق” قرب مدينة الميادين إلى المسجد “العمري” داخل المدينة.

كل اللقى الأثرية العائدة إلى تلك الحقب التاريخية التي كانت معروضة ضمن قاعات متحف ديرالزور، أو محفوظة ومخزّنة ضمن القسم الفني (المستودع) فيه، اختفت بشكل كامل عن الوجود، ولم يجرِ حتى العثور عليها في متحف دمشق أو باقي المتاحف الخاضعة لسيطرة النظام، عدا تلك التي نُقِلت مباشرة ساعة اكتشافها في المواقع الأثرية، كاللوحات الجدارية “الفريسكات” العائدة إلى الكنيس اليهودي من دورا أوروبوس، والتمثال المشهور لـ”أورنينا مغنية المعبد” من موقع ماري الذي اختفى أيضاً من متحف دمشق منذ ما قبل اندلاع الثورة؛ إضافة إلى تماثيل تعود إلى آلهة ماري وملوكها كتمثالي “إيكوشاماغان” و”زيمريليم”، وجزء يسير من الرُّقم المسمارية؛ إلا أن اللقى الأثرية المهمة الأخرى ومن بينها مئات الرقم المسمارية، اختفت تماماً[4].

وقد تعرّض موقع مملكة ماري وأوابده للنهب والتعدي من قبل عصابات سرقة الآثار، وبخاصة بعد سيطرة تنظيم “داعش” على المنطقة، كما حصل لكثير من المواقع الأثرية السورية؛ وتركز النهب والتخريب على القصر الملكي والحمامات ومعبد “عشتار” ومعبد “داجان” ومعبد ربة الينبوع، بحسب شهود من أبناء المنطقة[5].

أما بالنسبة إلى “دورا أوروبوس” فيذكر تقرير صدر عن منظمة اليونسكو، تناول أعمال النهب والتخريب الأخيرة، أن عدد الثقوب الناتجة عن أعمال الحفر والتنقيب غير القانونية بلغ حوالى 300 في مختلف أنحاء الموقع. وتسبّبت هذه الأعمال في الموقع الأثري في تخريب ما يفوق ثمانين في المئة من التل الأثري، وانتزعت بعض الأحجار من المعابد وهُرّبت إلى خارج الموقع[6]

وتضم محافظة دير الزور عشرات المواقع الأثرية المهمّة في مستوى العالم، وتعود إلى حقب تاريخية موغلة في القدم، تبدأ منذ مرحلة القرى الزراعية الأولى (الألف السادسة ق.م) مروراً بالمرحلة السومرية فالأكادية فالبابلية والأشورية والهلنستية والرومانية، وصولاً إلى العصور الإسلامية المتأخرة. وتتجسّد تلك الحقب في مواقع بالغة الأهمية مسجّلة في لائحة التراث العائدة إلى اليونسكو، ويبلغ عددها 240 موقعاً بحسب المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية[7]، بعض منها جرى التنقيب فيه، وبعض آخر اكتُشِف لكن لم تجرِ أعمال التنقيب فيه من قبل بعثات الآثار قبيل اندلاع الثورة، ما دفع بكثيرين من أبناء تلك الأماكن إلى إجراء عمليات النبش والتنقيب العشوائي بغرض السرقة والإتجار بلقاها الأثرية؛ وقد سرت بين الأهالي تفاصيل مرتبطة بأسماء شخصيات شاركت بعمليات التهريب والإتجار بغرض جمع الأموال والهرب بها، وأغلب تلك الشخصيات كانت من قادة الفصائل الذين انضمّ قسم منها إلى تنظيم (داعش) بعد سيطرته على المحافظة، والقسم الآخر استطاع العبور إلى الدولة التركية التي تمكنت من القبض على فئة منهم ويجري التحقيق معهم حتى اللحظة[8].

ونشير إلى أن الآثار المنهوبة والمهرّبة من مواقع دير الزور أغلبها جرت عن طريق الحدود التركية والعراقية وأراضيهما، بعضها بِيعَ إلى مقتني آثار أوروبيين بأسعار زهيدة لا تساوي 1 في المئة من قيمتها التاريخية والأثرية والحضارية.

وعمليات التنقيب العشوائي ما تزال مستمرة حتى اليوم ضمن ريف المدينة الخاضِع لسيطرة النظام وحلفائه من شيوخ العشائر ومجنّديها، ولقوات “قسد” في الريف الغربي وشرق الفرات في الجزيرة السورية[9].

  • الرقّة؛ متحف فارغ، ونبشٌ مواقع، وتفجير أضرحة، وتدمير بقايا بني العباس

أما الرقّة، المدينة التي انتقلت السيطرة عليها بين يوم وليلة من سلطة النظام إلى جبهة النصرة وبعض الفصائل الأخرى عام 2013، ثم سيطرة “داعش” عليها لاحقاً، فما يزال مصير محتويات متحفها مجهولاً أيضاً، ذلك المتحف الذي ضم لقى تلال “المريبط” و”حبوبة” و”أبو هريرة” التي شهدت انطلاقة القرى الزراعية الأولى في العالم ما بين الألفين الحادي عشر والتاسع قبل الميلاد واستمرت حتى بزوغ الحضارات المدنية منذ الألف الرابعة، تلك التلال التي غمرتها مياه بحيرة سد الفرات في أثناء إنشائه في بدايات سبعينيات القرن المنصرم. كذلك مواقع الممالك الأولى في عصر البرونز والكتابة المسمارية، كموقع “توتول- تل البيعة” الذي ارتبط اسمه باسم الرقة، المذكور في الرقم المسمارية معظمها المكتشفة في ماري وإيبلا و”آكاد”، وكذلك تل “الصبي أبيض” الذي شهد مرحلتي القرى الزراعية الأولى ومرحلة الكتابة المسمارية في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد؛ وليس هنالك أهم من آثار الرقة في العصور اللاحقة، لا سيما الإسلامية منها، منذ أن بناها الخليفة العباسي هارون الرشيد وجعلها عاصمة ثانية للخلافة العباسية، حيث ضم متحفها آلاف اللقى الأثرية العائدة إلى تلك الحقبة بجمالياتها كلها وبديع صنعها.

وكذلك الأمر، لم يتبقّ شيء من تلك اللقى جميعها، ولم يأت أحدٌ على ذكرها منذ ما قبل انسحاب النظام منها؛ لكن أهالي الرقة معظمهم يجمعون على تفريغ محتويات المتحف من معروضاته منذ أيام النظام وقبل سيطرة الفصائل عليها؛ أما التماثيل الأشورية الضخمة التي لم يكن بإمكان النظام نقلها، فقد “قام تنظيم داعش بتدميرها من دون تعليق أحد على ذلك الفعل[10]“؛ وما تبقّى من أضرحة ومزارات إسلامية فقد قام داعش أيضاً بتفجيرها بحجّة مخالفتها للشريعة، كمقامي “أويس القرني” والصحابي “عمار بن ياسر”.

ومن أهم المعالم المنتشرة في قلب مدينة الرقة “باب بغداد” وسور المدينة القديم و”قصر البنات” وقلعة “هرقلة”، وقد تعرّض جزء كبير من الباب والسور والقصر للتدمير نتيجة غارات التحالف التي سبقت انسحاب داعش وسيطرة قوات “قسد” على المدينة، بحسب شهادة أهلها.

وكإحصاء عام، يوجد 48 متحفًا وموقعًا كان يستقبل الزيارات في ما مضى، تعرض قسم كبير منها للضرر من جراء الحرب، أهمها متحف الرقة، إذ جرت سرقة حوالى ألف قطعة أثرية، إضافة إلى سرقة مستودعات “هرقلة”، الموجودة بجانب المدينة، وهي مستودعات كانت تحفظ فيها نتائج تنقيبات البعثات الأثرية التي تعمل في المحافظة[11]. ومن بينها قطع أثرية جرى تجميعها خلال 25 عامًا من منطقة تل أبيض[12]. وقد تناوب على سرقة المستودعات كلّ من عناصر النظام والنصرة وداعش، أمّا الدمار الذي حلّ بالأبنية التاريخية داخل المدينة فيعود إلى قصف النظام والتحالف الدولي.

وأيضاً، فإن أغلب الآثار المسروقة يجري تهريبها عن طريق العراق، لا سيما خلال مرحلة سيطرة داعش، وعن طريق تركيا خلال سيطرة باقي الأطراف، ومن بينهم أفراد مدنيون.

وما تزال أعمال النبش جارية في أرياف المحافظة، وعلى الأخص في موقع “توتول- تل البيعة” الأشهر والأهم في المنطقة، المتاخم لحدود المدينة، لا سيما أنه يقع ضمن منطقة المقبرة المخصصة لدفن موتى أبناء مدينة الرقّة.

  • إدلب؛ مسح ذاكرة “المدن المنسيّة” وألواح أقدم إمبراطورية

أما بالنسبة إلى محافظة إدلب التي يضمّ متحفها لقى أهم وأقدم إمبراطورية سوريّة، “إيبلا- تل مرديخ”، تلك المملكة التي ضمّت أقدم مكتبة للرقم المسمارية على وجه الأرض، تعود إلى القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد التي دوّنت الآداب والفنون والاقتصاد والقانون والموسيقى، وفيها جرى العثور على أقدم قاموس للكلمات “سومري- إيبلائي- أكادي”؛ كذلك الأمر، لم يبقَ من ألواحها أو كسرات منها إلا ما ذكرته صفحات كتب التاريخ القديم.

تضم المحافظة جزءاً كبيراً من آثار سوريا، وتعتبر من أكثر المناطق الحافلة بالأحداث التاريخية الممتدة على مسيرة الحضارات المتعاقبة منذ الألف الرابعة قبل الميلاد وحتى العصور الإسلامية المتأخرة، ويظهر ذلك جلياً في أوابدها التاريخية المهمة المنتشرة في المحافظة، والبالغ عددها 760 موقعاً أثرياً مسجّلاً. إلا أنّ هذه الأوابد تتعرّض لمخاطر وأضرار كبيرة، بسبب القصف العنيف والمتواصل من قبل الطيران الحربي التابع للنظام السوري وحلفائه، عدا عن الحركة المتزايدة من عمليات التنقيب والتخريب من قبل السكان المحليين في بعض المناطق، نظراً إلى غياب الرقابة والقوانين الرادعة، فضلاً عن تحوّل المناطق الأثرية إلى ساحات للمعارك والاشتباكات اليومية، بل الأمرّ من ذلك أن تلك المواقع التاريخية معظمها  تحوّل إلى مأوى وملاذ للاجئين[13] نتيجة استمرار القصف على المناطق السكنية؛ فلجأ أغلبهم إلى الاحتماء داخل أطلال ومغاور المواقع المسماة بـ”المدن المنسية” أو “المدن الميتة”، وهي مدن قديمة تمتد بين ريفي حلب وإدلب، “هجرها أصحابها منذ أكثر من ألف عام، ويعود تاريخها إلى المرحلة الرومانية- البيزنطية، وازدهرت بين عامي (64 ق.م- 634م)، ويبلغ عددها ما يقارب 800 مدينة[14]“، إلا أن معظمها غير مسجّل ضمن أعمال دائرة الآثار السورية.

تضمّ تلك المدن المنسية كنيسة “قلب لوزة” التي تعتبر من أجمل كنائس الأرض. وهناك مواقع منها ما تزال مأهولة بالسكان، مثل قرى “سرمدا” و”ترمانين” و”الدانا” و”تل عقبرين” و”تلعادة” و”الأتارب”.

وقد تعرّضت تلك المدن لعمليات التخريب والنهب منذ ما قبل انطلاقة الثورة، نتيجة عدم الاهتمام الزائد بمعظمها من قبل حكومة النظام، لتستمر تلك العمليات خلال المدّة اللاحقة.

وتعتبر قلعة “خربة الكسيجبة” وآثارها الواقعة في جبال سرمدا القريبة من الحدود السورية التركية، من أكثر الأماكن الأثرية التي تعرضت للنهب من قبل تجار الآثار الذين قاموا بتخريب كثير من أجزائها بحثًا عن الأشياء الثمينة فيها[15].

وبالعودة إلى الحديث عن متحف إدلب، فمع بداية سيطرة المعارضة على المدينة، في آذار/ مارس 2015، قام العاملون في متحف إدلب الوطني بإغلاق أجنحته، وجمع القطع الأثرية المتبقية مع الوثائق الخاصة بها في مستودعات مغلقة تحت الأرض، إلا أن برميلاً متفجراً ألقته إحدى طائرات النظام، أحدث فتحة في سقف أحد المستودعات وكشف محتوياته، وتعرض المتحف لغارات عدة في نهاية عام 2015، ما أدى إلى تهشيم عدد من القطع الأثرية. وترددت شائعات تفيد بأن القطع الأثرية سرقت ونهبت قبل وضعها في المستودعات المغلقة، واتُّهم النظام بسرقة قسم كبير من تلك القطع من المستودعات التي بقيت من دون حراسة أو مراقبة، إضافة إلى مشاركة فئة من السكان في عمليات النهب[16] كما حصل في بقية المناطق التي ذكرناها.

إضافة إلى متحف المدينة، فقد طال القصف والتدمير متاحف عدة في ريف إدلب، كمتحف معرة النعمان، ومتحف “شنشراح- خربة حاس”، وآثار “خربة الخطيب”.

وبذلك تعتبر محافظة إدلب من أكثر المناطق التي تعرّضت مواقعها التاريخية والأثرية للتدمير والنهب، وما تزال كذلك، نظراً إلى استمرار الاشتباكات وغياب المؤسسات المختّصة على الرغم من المحاولات الحثيثة لحمايتها، فكانت مبادرة تأسيس “مركز آثار إدلب” في منتصف عام 2012، بجهد عدد من الأكاديميين والمحامين والمختصين بعلم الآثار داخل سوريا وخارجها هي الأولى من نوعها، واتخذ المركز من مدينة “كفرنبل” مقراً له.

لكن، من الواضح أن المحاولات والمبادرات جميعها سيكون مصيرها الفشل نتيجة الفوضى التي تشهدها المحافظة مقارنة بباقي المحافظات، ما ينذر بكوارث محتملة ستطال المواقع الأثرية المتبقية في حال استمرار حالة الفوضى والتخبّط السياسي والعسكري، لا سيما في ظلّ سيطرة جبهة النصرة وهيئتها “تحرير الشام”.

  • تدمر؛ عروس الصحراء التي خلعت أساورها

لا شيء يحزن بقدر الحديث عن خراب الآثار ونهبها في مدينة الملكة “زنوبيا”، تدمر التي قام النظام بـ “تعفيش” معروضات متحفها قبيل تسليمه عارياً إلى تنظيم داعش إلا من المنحوتات الحجرية التي يدرك تماماً بأن الأخير سيحطمها كما حطّم التماثيل الأثرية في الموصل والرقة قبل ذلك، وهذا ما حصل بالضبط.

فبعد أن جمع نظام الأسد مقتنيات المتحف الأثرية ولقاه من داخله، قام بشحنها، بحسب ادّعائه، إلى العاصمة دمشق، ما يؤكّد من دون أدنى شكّ أنه عمل على تسليم المدينة إلى التنظيم؛ وأوعز للأخير بإكمال الخراب والنهب.

وأول ما قام به التنظيم بعد سيطرته على المدينة أن شوّه التماثيل والنواويس الحجريّة (التوابيت) التي صَعُبَ نقلها إلى مكان آخر بسبب حجمها، وحطم بعضها ودمر رؤوسها[17].

 ثم أكمل التنظيم خطته التدميرية حين فجّر “قوس النصر” و”معبد بَعل شمين” الذي جرى تحطيمه بالكامل؛ إضافة إلى قلعة تدمر، المعروفة بـقلعة “فخر الدين المعني” التي تعرّضت هي الأخرى لأضرار جسيمة.

وتعتبر تلك المعالم الثلاثة من أهم معالم المدينة الأثرية في تدمر، ولو تمكّن التنظيم من تفجير المسرح الروماني لما توانى لحظة عن ذلك، إلا أنه استغلّه لتمثيل مشاهد الذبح الحيّة التي طبّقها على الأهالي وأسرى الجنود الذين تركهم النظام من دون إخطارهم بتسليمه المدينة إلى قاتلهم.

وبدرجة الانتهاك الذي مارسه على تلك المعالم نفسها، بل يتخطاها وحشية، أقدم التنظيم على إعدام مدير الآثار والمتاحف في تدمر الدكتور “خالد الأسعد” بحجّة تواصله مع قريب له يعمل في مؤسسة النظام العسكرية، إلا أن السبب المباشر لإعدامه كان علمه بحقيقة نهب النظام جزءاً كبيراً من آثار المتحف وطمس معلوماتها عن المنظمات الدولية بحجة اتّهام التنظيم بسرقتها بعد تسليمه المدينة[18].

قبل إفراغه، كان المتحف يضمّ لقى أثرية غاية في الأهمية والقدم، ابتداءً من آثار لأدوات حجرية صنعت من “الصوّان”، عثر عليها في منخفض “الملاحة” وغيره من المواقع، تعود إلى حقبة الإنسان الحجري (العصر الموستيري 75 ألف سنة)، وصولاً إلى المرحلة الرومانية الأغزر إنتاجاً وازدهاراً في المدينة، بنيت خلال تلك المرحلة المدينة الأثرية المشهورة بجميع معالمها وأبنيتها العملاقة، وشملت أغلب مقتنيات المتحف مكتشفات ولقى أثرية تعود إلى تلك المرحلة، منها منحوتات حجرية لآلهة وشخصيات تدمرية، رجال وسيدات، عربية ورومانية غاية في الدقة، إضافة إلى عدد من الحليّ الذهبية والتماثيل المعدنية متفاوتة الأحجام؛ ومن بين المقتنيات أيضاً كان جسد رجل محنّط يشبه تلك المنتشرة في الحضارة المصرية القديمة، جرى حفظها داخل قفص زجاجي[19].

تلك الآثار معظمها اختفت عن الوجود منذ انسحاب النظام الأول من المدينة في أيار/ مايو 2015 وحتى هذه اللحظة، على الرغم من عودة النظام وسيطرته على المدينة بشكل كامل.

  • خرابٌ متفّرق يجتاح آثار المدن الأخرى

لا ننسى ما تعرّضت له آثار مدينة حلب من دمار وتخريب طال جامعها الأموي وأكثر من ألف محل في سوق حلب القديم نتيجة قصف النظام المتواصل مع الطيران الروسي في أثناء سيطرة الفصائل على حلب الشرقية.

وكذلك الدمار الذي طال مباني ومعالم أثرية متفرقة في دمشق وغوطتها، منها على سبيل المثال كنيس “إلياهو هالامي” اليهودي داخل حيّ “جوبر” الذي تعرّض لأضرار جسيمة، إضافة إلى سرقة محتوياته من قبل بعض عناصر الفصائل التي سيطرت عليه في السابق؛ ومن بين المحتويات كانت ثريات ذهبية ومخطوطات تاريخية وعشرات الكتب القديمة المكتوبة بالعبرية، وأهمها نسخة قديمة للكتاب المقدّس “التوراة” التي عثرت عليها الحكومة التركية في جعبة خمسة أشخاص سوريين خرجوا حديثاً من الغوطة، وذلك قبل تهريبها إلى أوروبا في أيار/ مايو 2018.

أضف إلى ذلك تدمير ضريح الصحابي “حجر بن عدي” في “عدرا”؛ فضلاً عن عشرات وربما مئات من الأبنية والمواقع الأخرى التي لا يسعنا ذكر جميعها في هذه الورقة.

 هذا وقد قدّرت الأمم المتحدة عدد المواقع التي تعرضت للأضرار والنهب خلال سنوات النزاع السوري بأكثر من 300 موقع ذي قيمة إنسانية بناء على صور ملتقطة من الأقمار الاصطناعية[20].

ختاماً

حين تعرّض المتحف الوطني العراقي في بغداد للنهب عام 2003 عقب الغزو الأمريكي، ظننّا أن تلك الكارثة الإنسانية ستكون الأسوأ والأكبر في تاريخ المنطقة الحضاري والإنساني. ولم يخطر في بال أحد منا بأن تلك الكارثة ستمتدّ وتتضاعف إلى الدرجة التي يشهدها التاريخ الإنساني المتمثّل في آثار سوريا وحضارتها التي انتشرت لتشمل أصقاع الأرض.

ولزاماً على السوريين اليوم لفت انتباه المنظمات الأممية والأهلية إلى ما تتعرض له الآثار السورية من انتهاكات جسيمة، لن تطال المنطقة السورية فحسب بل ستهدد التاريخ الإنساني للعالم أجمع نظراً إلى ما يربطه بالنتاج الحضاري الذي أفرزته الأجيال المتعاقبة على التاريخ السوري.

فسوريا التي أدرجتها منظمة اليونسكو دولة تحتوي على أقدم مستوطنة بشرية موجودة حاليًا في العالم، وواحدة من أكبر المراكز الدينية في العالم القديم، يجب على المنظمة الوقوف أمام مسؤولياتها في حماية تلك الأماكن وملاحقة منتهكيها ومحاسبة كل من تسبب في دمارها وسرقة محتوياتها مستقبلاً.

ويجب على الأطراف المحلية والدولية كافة العمل على توثيق التفاصيل كافة المتعلّقة بالآثار السورية المتضرّرة والمنهوبة للعمل على إصلاح المخرّب منها وترميمه، وإعادة ما يمكن من المسروقات، أو ضمّها على الأقل إلى بقية الآثار المعروضة داخل متاحف الغرب التي أثبتت خلال العقود الماضية قدرتها –على الرغم من الحروب التي شهدتها- على حماية آثار الشرق ضمن أجنحتها الموزّعة في “اللوفر” أو “برلين” أو “لندن” أو المتاحف الأوروبية والأمريكية، أكثر من قدرة متاحف الشرق على حماية آثارها في أوقات السلم.


المراجع:

[1] – وكالة سمارت الإعلامية، مهد الثورة السورية الجامع العمري شاهد على قصف قوات النظام:  http://soo.gd/7cWl

[2] – الخليج أونلاين، آثار درعا السورية بين سندان التدمير ومطرقة التنقيب السري: http://soo.gd/EwT7

[3] – موقع إسلام ستوري، المسجد العمري في درعا: http://soo.gd/NkwV

[4] – جميع المعلومات الواردة في هذه الفقرة هي من متابعة الكاتب عن كثب كونه ابن المنطقة وضمن اختصاصه الأكاديمي في قسم التاريخ.

[5] – من دراسة سابقة للكاتب في مرصد (مينا) بعنوان “دير الزور حضارة إنسانية وتاريخ مطموس”: https://mena-monitor.org/research/7937/.

[6] – حضارات تنهب من دير الزور وتاريخ يباع بأبخس الأثمان- تقرير مصور لقناة العربية- 6 حزيران/ يونيو 2014: http://soo.gd/Yx5S

[7] – موقع اكتشف سورية التابع لوزارة الثقافة (مديرية الآثار والمتاحف) السورية: http://soo.gd/zrhk

[8] – ليس بالإمكان ذكر الأسماء بالشكل الصريح نظراً إلى عدم انتهاء التحقيقات مع من جرى القبض عليهم، ولدواعٍ أمنية بالنسبة إلى الشخصيات التي ما تزال تقيم داخل تركيا.

[9] – من خلال التواصل مع أحد أبناء مدينة “البصيرة” التاريخية، أكّد لنا بأن عمليات النبش لم تتوقف حتى اللحظة داخل المنطقة الأثرية التي كانت مسوّرة في ما مضى، وبإشراف الشخصيات العشائرية المتحالفة مع قوات “قسد” اليوم التي كانت متحالفة مع تنظيم “داعش” سابقاً، وتوسّعت الحفريات إلى خارج المنطقة المسوّرة.

[10] – الشرق الأوسط، متخصصة في تعقّب الآثار المسروقة: نهب المواقع السورية: http://soo.gd/Dh9K

[11] – عنب بلدي، آثار الرقة تحكي قصة أهلها مع الأمل: http://soo.gd/DyIa

[12] – الجزيرة نت، سوريون يجاهدون لحفظ الآثار: http://soo.gd/cpqr

[13] – موقع (سيريان تود)، آثار إدلب بين نهب وتخريب: http://soo.gd/KjT5

[14] – العربي الجديد، مدن منسية في سوريا: http://soo.gd/FMGd

[15] – العربي الجديد: http://soo.gd/F79Z

[16] – موقع سوريتنا، “15% من آثار إدلب مدمّرة..”: http://soo.gd/9UUA)

[17] – موقع أخبار الأمم المتحدة، بحسب تقرير لوفد منظمة اليونسكو الذي زار مدينة تدمر في نيسان/ أبريل 2016: http://soo.gd/pcRy

[18] – أحد أبناء تدمر الذين اعتقلهم التنظيم كان يشارك خالد الأسعد زنزانته، وأطلق سراحه بعد انسحاب داعش الأول من المدينة ودخول النظام؛ أكّد لنا بأن الأسعد كان ينكر مسؤولية التنظيم بسرقة محتويات المتحف قائلاً لهم في أثناء التحقيق بأنه يعلم تماماً من خلال موقعه الوظيفي بأن النظام هو المسؤول وهو السارق. وكان الأسعد يظنّ أن التنظيم سيطلق سراحه استناداً إلى تلك المعلومات المؤكدة. إلا أن المعتقل صدم حين علم بإعدام الأسعد، ما جعله متيقناً من اختراق النظام المباشر لقيادات التنظيم.

[19] – جميع تلك التفاصيل يعرفها الكاتب من خلال زياراته المتكررة إلى المتحف خلال الدراسة الأكاديمية في التاريخ قبل 2011.

[20] – الشرق الأوسط، المرجع السابق.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.