آخرها “السياحة الدينية”.. مطامع إيرانية في الأردن

بينما يدور حديث في الأوساط الإعلامية الأردنية، حول مساع إيرانية للتقرب من المملكة، ينقسم الشارع الأردني بين مؤيد ومعارض لفكرة فتح السياحة الدينية أمام الإيرانيين.

ويرى مراقبون أن السماح للسياح الإيرانيين بدخول المملكة ينعش اقتصادها المتعثر، مشددين على ضرورة التخلي عن “الأوهام والهواجس والفوبيا” غير المبررة تجاه السياحة الدينية الإيرانية للأردن، فيما يرفض آخرون من جعل الجنوب بوابة لطهران للدخول إلى المملكة محذرين من مد شيعي محتمل، ومشيرين إلى وقائع أقدمت عليها طهران تجاه الأردن مست الأمن القومي للمملكة وكادت تعرضها للخطر.

مطالبات بفتح السياحة الدينية

بعد زيارة الملك عبد الله الثاني في حزيران/ يونيو الماضي لمقامات الصحابة في المزار الجنوبي، ومن بينها مقام “جعفر بن أبي طالب”، عاد الحديث عن احتمالية فتح تلك المقامات أمام السياح الإيرانيين، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.

عضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، “زيد النابلسي”، أثار الجدل في المملكة من خلال مقال “سياحة دينية.. أين المشكلة؟”، وطالب خلاله بفتح السياحة الدينية أمام الإيرانيين، مشيرا في مقال له إلى مستوى الانتعاش الاقتصادي “الفوري” الذي يمكن أن يتحقق لو أصبح هذا الجنوب الحزين مزارا لملايين السياح الذين يجلبون معهم العملة الصعبة والحركة الاقتصادية ويبعثون الحياة في مدنٍ قست عليها سنوات التهميش والإهمال، معتبرا أن الموضوع هنا يجب أن يٌنظر إليه من ناحية مصلحة وطنية أردنية بحتة، لأن الاقتصاد الأردني في “غرفة الإنعاش” بحسب تعبيره.

نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق، “ممدوح العبادي”، أكد في تصريحات صحفية أنه يتفق مع ما جاء به النابلسي، مؤكدا أن “مصلحة الأردن الاقتصادية أولا، لأن المملكة بحاجة إلى مخرج اقتصادي والسياحة هي الحل. كما يعتبر “العبادي”، أن من لا يوافق على السياحة الدينية والعلاجية والترفيهية في الأردن، أعداء المملكة ويريدون القضاء على اقتصادها.

صدمة في الشارع الأردني

مطالبة “النابلسي” وتأييد “العبادي”، صدمت الأردنيين حسبما يقول محللون بينهم الكاتب “عمار الهندي”، الذي يبدي استغرابه من دعوة “النابلسي” لضرورة التخلي عما أسماها “الأوهام والهواجس والفوبيا غير المبررة” تجاه السياحة الدينية الإيرانية للأردن”، مشيرا إلى هذه ليست المحاولة الأولى للتسويق للفوائد المادية في فتح باب السياحة الدينية أمام الحجيج الإيرانيين لأضرحة الصحابة جنوب الأردن وخصوصاً “الكرك”.

ويؤكد “الهندي” أن النظام الإيراني تعهد في عرض أهملته الدولة الأردنية بأن يمد المملكة لثلاثين عاماً بالنفط بأسعار لا تذكر مقابل هذه السياحة، منوها إلى أن التواجد العسكري الإيراني في سوريا والعراق بدأ بحجة السياحة الدينية للمقامات والعتبات المقدسة.

ويقول “الهندي” إن قائد فيلق القدس السابق في “الحرس الثوري” الإيراني “قاسم سليماني” لم يخفِ في آذار ٢٠١٦ أطماعه في الأردن بل قالها صراحة واعتبرها من بين الدول التي تتوافر فيها شروط تصدير “الثورة الإيرانية” وأن على طهران أن تسرع في السيطرة على الأردن، ولم يكن يقصد بالشروط سوى المقامات المقدسة لديهم وخصوصاً مقام الصحابي الجليل “جعفر الطيار”، كواجهة لمطامع أكبر إحداها الموقع الاستراتيجي للأردن في المنطقة.

ويضيف، سليماني نفسه وقبل مقتله، وقف في حزيران ٢٠١٧ على الحدود الأردنية السورية ومن خلفه عناصر الحشد الشعبي وأشار بيده إلى نقاط المراقبة للجيش الأردني وكأنه أراد القول بأنه إما أن نأتي من بوابة “السياحة الدينية” أو من خلال المناظير العسكرية التي كان يحمل إحداها في يده حينها.

بوابات دبلوماسية مغلقة

صحيفة “الفاينانشال تايمز”، نقلت عن مصادر مطلعة، في وقت سابق، قولها أنّ اجتماعات عُقدت في التاسع من أبريل/نيسان الحالي في بغداد جمعت مسؤولين أردنيين مع آخرين إيرانيين بهدف إحداث تقارب مع إيران والأردن، دون أن تشير بشكل كامل الملفات التي نُوقشت خلال الاجتماعات، في حين بدى تحفّظ وتكتّم كبير من المسؤولين الأردنيين والإيرانيين والعراقيين.

في محاولة للتقليل من أهمية الاجتماع، يقول المحلل السياسي “منذر الدهون” إنّ الأردن غير قادر على التعاطي وفتح خطوط مع إيران، لدواع سياسية عديدة، إلى جانب عدم توفر الرغبة والقدرات في عمّان لإنجاح هذا التقارب، معتبرا أن هذا التقارب قد تكون مُتطلباً إجبارياً بالنسبة للأردن، لأنّ العلاقة بين المملكة والعراق يجب أن تمر بالبوابة الإيرانية دون أي ضرر بالمصالح.

كما “يشير الدهون” إلى أنّ الداخل الإيراني نفسه اليوم لا يُساعد وقد لا يقبل وجود توافقات بين إيران وكل من الأردن، مرجحا أن يبقى هذا الربط أو فتح الاتصالات ضمن محاذير، لا سيّما مع وجود التصعيد الإسرائيلي الذي أثار قلق طهران.

في هذا السياق، يرى “الهندي” أن النظام الإيراني يأس في عبور الأردن من بوابة الدبلوماسية، لوجود عدة معوقات، مشيرا إلى أن طهران كانت عرضت على السفير الأردني السابق لديها بسام “العموش”، بناء مطار في الكرك يستقبل كل يوم ألف إيراني ورد عليهم بضرورة توقيع اتفاقية أمنية تضع النقاط على الحروف قبل أي شيء، كانت إجابة طهران عليه بأنهم “ذهبوا ولم يرجعوا” على حد تعبيره.

وبعدما تيقنت طهران أن بوابة الدبلوماسية للحصول على “السياحة الدينية” للتغلغل في الأردن مغلقة ولا تنفع فيها الصيانة، فكرت بخيار آخر يتمثل بزرع عملاء لها مدربين من الحرس الثوري الإيراني للتجسس، لا بل وعلى صنع المتفجرات الفتاكة، حسبما يقول “الهندي” الذي يضيف أن “ثغرة عصفور” شمال الأردن كانت شاهداً في نيسان 2015 حينما عثرت الأجهزة الأمنية على 45 كيلوغراماً من مادة شديدة الانفجار بحوزة العراقي النرويجي ” خالد الربيعي” الذي أقر في التحقيقات بأنه عميل لطهران ومجند من المخابرات الإيرانية وعمل في محطات التنصت للحرس الثوري بهدف التجسس على الجيش الأردني.

يشار إلى أن الأردن تزخر بأضرحة الصحابة والأماكن الدينية للديانات الثلاث، من أبرزها مغطس السيد المسيح ومعبد النبي هارون، إلى جانب مقامات في الشمال وفي مدينة الكرك جنوب الأردن للصحابة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة الذين استشهدوا في معركة مؤتة، وتسمح السلطات لجميع أتباع الديانات بزيارة هذه الأماكن، وتستثني المذهب الشيعي، لأسباب أمنية وسياسية، حسبما يؤكد مراقبون.

يشار إلى أن رئيس الحكومة الأردنية الأسبق “فايز الطراونة”، كان قال مطلع العام الجاري، إن إيران حاولت تصدير ثورتها إلى الأردن، عن طريق محاولات لاختراق الصف الأردني، مشيرا إلى أنه “تم العثور على دولارات ومنشورات عن ولاية الفقيه، مع أشخاص تم ضبطهم”.

وأضاف أن “من ضبط معهم الدولارات كانوا يريدون تجنيد أردنيين، كونه لا يوجد شيعة في الأردن”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.