آليات الربط بين ملف الانتقال السياسي والسلة الدستورية في نطاق تطبيق القرار 2254

The Syrian Constitution

 

  • أولاً – السلة الدستورية ودورها في الانتقال السياسي.
  • ثانياً- ماهية الانتقال السياسي استناداً للقرار 2254.
  • ثالثاً- ديناميات بناء الدستور، ودورها في الانتقال السياسي.
  • رابعاً- التحديات التي تواجه عمليات الربط.
  • خامساً- أهمية التمييز بين عملية بناء الدستور ومضمون الدستور الجديد.
  • نماذج تاريخية.
  • خاتمة

مقدمة

لعل من أهم محددات سبل الربط بين ملف الانتقال السياسي والسلة الدستورية أن هذه العملية برمتها، تنطلق من كونها عملية بإشراف الأمم المتحدة، وفي نطاق تطبيق القرار 2254، الذي يشكل سكة الحل السياسي في سوريا. إذ نصت المادة 2 من هذا القرار: (يُطلب إلى الأمين العام من خلال مساعيه الحميدة وجهد مبعوثه الخاص، بدعوة ممثلي الحكومة السورية والمعارضة إلى الدخول على وجه السرعة في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي). وكذلك المادة 3 من القرار ذاته التي أقرت بـ (دور الفريق الدولي باعتباره المنبر الرئيس لتسيير الجهد الذي تبذله الأمم المتحدة لتحقيق تسوية سياسية دائمة في سوريا)(1).

وبناء عليه، تخضع الآليات التنفيذية والأطر الإجرائية للسلة الدستورية، لعمليات ما يعرف في فقه القانون الدولي العام بـ(بناء الدساتير) في معرض صراع عنيف، كمهمة اضطلعت بها الأمم المتحدة في كثير من الصراعات الداخلية، خصوصاً في مراحل ما بعد الحرب انتهاء الحرب الباردة، إذ تمكنت الأمم المتحدة من القيام بأدوار دفعت من خلالها القوى المتصارعة نحو عملية سياسية، ساعدت في إنجاز ما يمكن إنجازه من عمليات دستورية، اشتغلت على وقف الصراع وعدم العودة إليه، وذلك بتقديم الأمم المتحدة، الدعم اللازم للعمليات الإجرائية والتقنية، بما يُعرف بعملية بناء الدستور، وليس التدخل في مضمونه أو كتابته أو إقراره الذي يبقى شأناً وطنياً محضاً.

أولاً- السلة الدستورية ودورها في الانتقال السياسي

يشكل الدستور القانون الأسمى, أو القانون الأساسي, أو قانون القوانين، هو الذي يحدد الشكل العام الذي تكون عليه الدولة وينظم قواعد الحكم فيها، ويوزع السلطات ويحدد اختصاص كل منها، ويبين واجبات مواطنيها وحقوقهم. ويُعرف الدستور أيضاً، بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تبين وضع الدولة وتنظم السلطات فيها من حيث التكوين والاختصاص وتحديد العلاقة بينهما، إضافة إلى تقرير ما للفرد من حقوق وواجبات، أي تلك القواعد المتعلقة بالضمانات الأساسية للحقوق والحريات العامة في المجتمع(2).

ويقابل كلمة دستور في الإنكليزية والفرنسية كلمة Constitution التي تعني مجموعة القوانين التي تبين النظام السياسي(3). إذ لا تشكل عملية صوغ الدستور، الاتفاق على المبادئ العامة وحسب، بل إيجاد الضوابط التي تحافظ على تلك المبادئ، لتكون أكثر صموداً في وجه المتغيرات الاجتماعية والسياسية والتوازنات الدولية، وما يطرأ على الدولة من تبدلات، سواء في علاقتها مع الدول أم مع الأفراد(4).

لمتغيرات تاريخية، ظلت المنطقة العربية -حتى هذه اللحظة- بعيدة البعد كله من فكرة الانتقال السياسي بمفهومه العام، في نأي واضح لأهم ضابطين دستوريين، وهما (مبدأ تداول السلطة)، و(مبدأ الفصل بين السلطات)، ويعود ذلك إلى غياب ثقافة التفريق بين ماهية الحق وماهية السلطة(5)، إذ بقيت فكرة السلطة مفهوماً يدور في فلك القابض عليها، وبعيدة البعد كله من الفهم الحقيقي لماهيتها. فالسلطة في الفقه القانوني ليست ملكاً للقائم عليها، بقدر ما هي أحد إمكاناته، التي لا يجوز له التصرف بها إلا في حدود المصلحة العامة.

1- تداعيات ربط الانتقال السياسي بسلة الحكم

عكست المفاوضات السورية تركيزاً ربطَ العملية السياسية برمتها بسلة الحكم كأساس للانتقال السياسي، وذلك بطرح فكرة تغيير رأس النظام بشكل عمودي التي اشتهرت في التفاوض بعبارة (رحيل الأسد قبل بداية المرحلة الانتقالية)، بما في ذلك من صعوبات فرضتها التجاذبات الإقليمية والدولية، أفرزت تحولات جذرية مفاجئة في المواقف جعلت المتصارعين لسنوات على الأرض السورية حلفاء وضامنين. الأمر الذي أفرز نوعاً من العلاقات بين هذه القوى، لم تتمكن المعارضة الرسمية من مجاراته في العلن، أو مجاراة مواقف الدول، التي يفترض أن تعكس مواقفها. ما أظهر المعارضة السورية من دون أي غطاء دولي أو إقليمي، فتحولت العملية التفاوضية إلى ما هو أقرب إلى منصات إعلامية أوصلت الحل السياسي إلى حالة من الاستعصاء وانسداد الأفق، الذي أسس لحالة من الاستعصاء، وإطالة أمد الصراع أكثر فأكثر.

لقد عانت فكرة الانتقال السياسي كثيراً من العقبات، في مقدمتها وجود قوى فاعلة ومؤثرة في الأرض (جبهة النصرة وداعش)، المصنفتان جماعات إرهابية، استناداً إلى القرار 2254، الذي طالب الأطراف جميعها بمحاربتها تحقيقاً للسير في العملية السياسية، إذ ظلت هذه القوى الراديكالية متأهبة للانقضاض على شكل الدولة السورية المنشودة في الانتقال السياسي، يؤهلها في ذلك أنها القوة الثانية على الأرض بعد النظام، والوارث الوحيد له، وقد ظلت منذ بداية الصراع، لا ترى في سوريا المستقبلية سوى إمارة أو خلافة إسلامية، وهو ما يتعارض مع نص القرار 2254، الذي دعا في البند 8 إلى (منع الأعمال الإرهابية وقمعها، تلك التي يرتكبها على وجه التحديد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) المعروف أيضاً باسم داعش)، وجبهة النصرة.. والقضاء على الملاذ الآمن الذي أقامته تلك الجماعات الإرهابية.

من هذه النقطة بالذات ارتبطت سلة الحكم ارتباطاً وثيقاً بمحاربة الجماعات الإرهابية، وهي الحالة ذاتها التي أفرزت التجاذب الحاد بين القوى المتصارعة، بين قوى ربطت سلة الحكم بالقضاء على الإرهاب، وأخرى كانت ترى في هذه الجماعات مقدمة لإسقاط النظام تارة، وتارة أخرى ضماناً لإطالة أمد الصراع، بما يؤمن الوقت الكافي لتصفية الحسابات في ما بينها على الأرض السورية. وفي الحالتين كلتيهما كان النظام الرابح الوحيد سواء على صعيد التفاوض، أم على صعيد الإبقاء على حالة الحرب، عاملاً وحيداً يبقيه ويطيل من عمره. لذلك ظلت سلة الحكم مسألة مستعصية وفي غاية الصعوبة. ولعل تسع جولات من العقم التفاوضي كانت دليلاً على الاستقطاب الحاد بين القوى الدولية والإقليمية المتصارعة في سوريا.

أمام ذلك، ظهرت السلة الدستورية، كحالة توافقية قلبت آليات فكرة الانتقال السياسي –في أحد جوانبه- من التغيير العمودي إلى إيجاد مخارج موضوعية، عبر عملية تدريجية تبدأ من الأسفل إلى الأعلى، بما يضمن معادلة عدم انهيار الدولة السورية وتحقيق الانتقال السياسي المنشود، وعلى هذا الأساس تحدث القرار 2254 في البند 5 عما أسماه بـ(الصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وعملية سياسية موازية The close linkage between a ceasefire and parallel political process)(6).

بهذا المعنى، تصبح أهم محددات ربط ملف الانتقال السياسي بالسلة الدستورية، هو فهم ماهية هذا الانتقال بحسب القرار 2254، والتفسير القانوني لهذا القرار كقراءة قانونية لا قراءة سياسية دفع ثمنها السوريون أثماناً باهظة خلال عامين من التفاوض؛ أظهرت انسداداً في الأفق التفاوضي، واستعصاءً كان يؤسس لمفاوضات إلى ما لا نهاية.

لقد مرت العملية التفاوضية في معرض التركيز على سلة الحكم من دون غيرها من السلال، بمراحل أدت إلى تعارض العملية السياسية مع مندرجات القرار 2254، كما هو الحال في سلة محاربة الإرهاب بأشكاله كلها، ومنع استهداف المدنيين، وفك الحصار ووصول المساعدات الإنسانية، فلقد استعمل النظام السوري أشكال الأسلحة كلها في استهداف المدنيين، وعاثت المليشيات التابعة له فساداً في المناطق التي دخلوها، وتصدرت الجماعات المصنفة إرهابياً بحسب القرار 2254 –كجبهة النصرة- المشهد المعارض (كما حصل في معارك حلب)، بل أصبحت محل ترحيب من مكونات المعارضة الرسمية. وفي الوقت الذي كانت فيه آليات التفاوض تتركز على سلة الحكم، كانت الجماعات الإرهابية تشكل القوة الثانية على الأرض بعد النظام، وتسيطر على مساحات واسعة من البلاد، ما حال دون أي رغبة دولية في الضغط على النظام، أو الدفع بشكل جاد في العملية السياسية.

2-  اللجنة الدستورية والاتفاق على المبادئ الأساسية لصوغ الدستور

لسنوات طويلة من عمر الحالة السورية، ظلت المعارضة السورية تعاني الانقسام الحاد الذي حال دون تحقيق أي تقدم يذكر في المفاوضات. في الوقت الذي كان فيه النظام السوري يرى في هذا الانقسام فرصة للتهرب من أي خطوة مهما صَغُرت. فإلى جانب انقسام المعارضة، ظل النظام ومن وراؤه مؤمناً بالحل العسكري، محققاً في ذلك مكسبين، أحدهما تكتيكي وهو إيمانه العميق أنه باقٍ ما بقيت الحرب، كبقائه ما بقيت الجماعات الإرهابية. أما في المدى الاستراتيجي، فقد ظل النظام متوهماً بالانتصار العسكري في حالة معقدة كالحالة السورية، لا يبدو فيها أنّ هناك طرفاً منتصراً بعد ما حلّ في الدولة السورية من تداعيات انعكست على البنى جميعها المكونة للدولة والمجتمع السوريين، علاوة على الحالة السورية أصبحت في معرض عملية سياسية مرعية باتفاقيات وقرارات دولية، ضمنتْ هذا الانتقال طال الزمن أم قصر.

بعد عامين من تحقيق النظام السوري أكبر مكاسبه الاستراتيجية على الأرض في الاستحواذ على حلب، بدأت آليات التفكير داخل الهيئة العليا للمفاوضات تجنح نحو آليات جديدة، وفي مقدمتها الركون إلى فكرة توسيع الهيئة العليا، علماً أن هذا التوسيع كان قد تضمنه القرار 2254 قبل تأسيس الهيئة، إذ تضمن القرار صراحة إحاطته (بالاجتماعات التي عقدت في موسكو والقاهرة وما اتخذ من مبادرات وقرارات تحقيقاً لهذه الغاية(7).

اضطلع مؤتمر الرياض2 بوضع اللمسات الأخيرة على هذا الجهد بعد عامين من المفاوضات الصعبة. ونجحت الهيئة العليا للمفاوضات في توحيد المعارضة شكلياً، لا توحدها. لا سيما أنّ بيان مؤتمر الرياض2، ظل يربط مسألة الانتقال السياسي بسلة الحكم التي تعني التغيير من الأعلى والبدء برحيل رأس النظام قبل بدء المرحلة الانتقالية مقدمة للانتقال السياسي.

 وأمام الاختلافات البنيوية بين مكونات الهيئة العليا للمفاوضات ذاتها، ظلّ النظام يرفض أي عملية سياسية فعلية، اتسق ذلك مع تغير جذري في الأساس القانوني الذي تشكلت من أجله الهيئة العليا الذي بدأ بالتراجع رويداً رويداً، فتوقفت الجولات التفاوضية ضمن جدول زمني، وتحولت إلى دعوات يقوم بها المبعوث الأممي، إلى أشخاص وجماعات، من دون أي رؤية فعلية لماهية الانتقال السياسي ومحدداته، وأمام ذلك برزت السلة الدستورية، وبدأ الحديث عن (اللجنة الدستورية)، ومدى قدرة هذه السلة في تحقيق اختراق عملي في عملية الانتقال السياسي.

بعد مؤتمر سوتشي 29-30 يناير، أصبحت اللجنة الدستورية واقعاً في سيرورة الانتقال السياسي، وما يجري الآن هو الاختلاف حول آليات ونسب التمثيل في هذه اللجنة. علماً أن التحدي الأكبر أمام المعارضة السورية اليوم، هو قدرتها على الاتفاق على محددات الدستور السوري الجديد ومضمونه، بوصفها مقدمه ضرورية لعمل اللجنة الدستورية ومن ثم دور السلة الدستورية في الانتقال السياسي.

وعلى هذا الأساس، وريثما يجري التواصل بين الأطراف الخارجية المتصارعة الداعمة لأطراف النزاع في سوريا؛ يمكن للأمم المتحدة أن تنتقل إلى عمليات بناء الدستور، مع الأخذ بالحسبان أنّ بعضاً من نقاط الاتفاق بين أعضاء اللجنة الدستورية المشكلة من الحكومة السورية والمعارضة، قد تشكل مقدمه لتذليل كثير من التجاذبات الحادة بين الدول الخارجية لمصلحة التوافق السوري السوري، لا سيما في بعض المواد التي تشكل مبادئ عامة في صوغ الدساتير.

وفى هذا الخصوص يصبح تشكيل اللجنة الدستورية بإشراف الأمم المتحدة عاملاً دافعاً ومساعداً لعملية بناء الدستور السوري والانتقال السياسي، مع التركيز على البدء بالتغيرات العملية والملموسة في المؤسسات، سواء لجهة تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، أم لجهة البدء بالتشاركية في إدارة هذه المؤسسات، وبما يؤمن مسألة (الحكم ذي الصدقية، الشامل وغير الطائفي) استناداً إلى القرار 2254. الأمر الذي يمهد لدينامية تساعد في تهيئة بيئة آمنة يمكن من خلالها الانتقال إلى سلة الانتخابات استناداً إلى المادة 5 من القرار 2254 التي تضمنت الصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية وهذا يحتاج إلى مشاركة الأطراف السورية جميعها في عملية بناء الدستور، من خلال تحديد فكرة الحكم المشترك، وفي مقدمتها تطبيق مبدأ اللامركزية في المستوى الوطني.

ثانياً- ماهية الانتقال السياسي استناداً إلى القرار 2254

تبدو مسألة فهم ماهية الانتقال السياسي عبر عملية بناء الدستور، مقدمة لتحقيق اختراق فعلي وواقعي ليس في السلة الدستورية وحسب، بل على صعيد سلة الحكم ككل، إذ تبدو هذه العملية أرضية صلبة يمكن البناء عليها للسير في عملية التسوية، بدءاً من إصلاح المؤسسات الدستورية الناظمة للحكم، وتقاسمها بين الطرفين، من خلال ما تضطلع به اللجنة الدستورية من تفاهمات في ما بينها، من خلال الولوج في تعديل النصوص الدستورية تدريجياً عبر عملية أشبه بالتفاوض المقونن بمعايير دولية في بناء الدساتير؛ وبما يضمن تقاسم المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ما يشكل ضابطاً ومقدمة لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، وفي إطار التعاون والرقابة في ما بينها، عبر عملية تنفيذية على أرض الواقع، تؤسس لجملة من المبادئ العامة أو الوثيقة التي تؤسس لعقد اجتماعي، يؤمن في نهاية المطاف القدرة على كتابة دستور سوري جديد، كما يؤمن بيئة آمنة لطرح هذا الدستور وإجراء الانتخابات، بوصفها مقدمات تنفيذية، تضمن السير في تحقيق اختراق في سلة الحكم التي تضمنها القرار 2254 في البند 4، الذي تضمن (حكماً ذا صدقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولاً زمنياً وعملية لصوغ دستور جديد (8)). (establishes credible inclusive and non-sectarian government). مع ملاحظة أنّ النصين العربي والإنكليزي تضمنا كلمة (حكم) Governance، وليس (حكومة) Government. الأمر الذي يشير إلى دور السلة الدستورية في مسألة الحكم تحقيقاً لعملية الانتقال السياسي المنشود. ولعل ما يؤكد ذلك هو تأكيد القرار 2254 على عبارة (عملية سياسية موازية) بحسب البند 4 آنف الذكر، الذي عطف مسألة الحكم ذي المصداقية، من خلال ربطه بجدول زمني وعملية لصوغ دستور جديد.

وفي هذا الخصوص، يمكن للجنة الدستورية أن تبدأ بالخطوات التنفيذية، وفي مقدمتها تحقيق المصالح المشتركة بين الطرفين، والاتفاق عليها بوصفها مبادئ في الدستور الذي يُصار إلى صوغه، وبما يؤمن حلول آنية لكثير من المعضلات التي تعوق مستقبل العملية السياسية، بالتوازي مع إدخال الإصلاحات الدستورية التي تتسق وفكرة الحكم المشترك استناداً إلى القرار 2254. والمقصود هنا الشروع بتقاسم الحكم في معرض عملية موازية لمراحل العملية السياسية كلها، فمن الصعوبة بمكان أن يجري التأسيس للدستور السوري الجديد دفعة واحدة، من دون مناقشات يجري الاتفاق عليها في إطار العملية السياسية التي تضمنها القرار 2254. وبذلك يصبح عمل اللجنة الدستورية، مرعياً بالتفاوض الذي يشرف عليه المبعوث الأممي، ومن دون ذلك لا يمكن تحقيق أي تقدم في السلة الدستورية التي تسعى لغايتها الأخيرة في كتابة دستور جديد.

لقد أيد القرار 2254 في البند 1 بيان جنيف 30 يونيو 2012، أساساً لانتقال سياسي، لكنه في الوقت ذاته أيد أيضاً بياني فيينا، إذ تضمن بيان فيينا1(30 أكتوبر 2015)، تشكيل حكومة ذات صدقية وشاملة وغير طائفية، على أن يعقب تشكيلها وضع دستور جديد وانتخابات.

يمكننا القول إن بياني فيينا شكلا ما هو أشبه بتمهيد لصدور القرار 2254، الحال ذاته انعكس في ما بعد البنود الـ 12 التي قدمها المبعوث الأممي، وكذا الحال لما سمي بـ (اللا ورقة) التي طرحتها الدول الخمس (الولايات المتحدة، بريطانية، فرنسا، الأردن، السعودية) قبل مؤتمر سوتشي، التي أظهرت خلافاً سياسياً وليس اختلافاً بماهية الانتقال السياسي في سوريا، الذي أصبح يقوم على انتقال تدريجي عبر الدستور والانتخابات، لا سيما بعد أن أصبحت مخرجات سوتشي في عهدة المبعوث الأممي السيد ستيفان ديمستورا، وهذا ما يجب أن تدركه أطراف الحكومة السورية والمعارضة.

وعلى هذا الأساس، لا تعني عملية مناقشة السلة الدستورية وآلياتها بحسب الوثائق والبيانات وضع الدستور دفعة واحدة، بقدر ما تجنح هذه السلة إلى الحديث عن عمليات بناء الدستور السوري، التي لا تعني صوغ الدستور، بقدر ما هي عملية طويلة وشاقة، تبدأ من الأسفل إلى الأعلى، أي إنشاء المؤسسات والإجراءات والقواعد التي يقوم عليها وضع الدستور. أي إن عملية بناء الدستور هي الضابط الأساس لخلق البيئة الملائمة لوضع الدستور، ودراسة الخيارات المتاحة لفرص التمثيل الأوسع لأطياف المجتمع كلها.

إن تطبيق روح النص القانوني للقرار 2254 يدفعنا إلى التفريق بين الدستور القانوني والدستور السياسي، فالأول هو من يتطلع إليه المتخصصون والأكاديميون، ويعمل على منع الطرف المنتصر في الصراع من تغيير المبادئ الرئيسة للدستور المنشود، بينما الثاني (الدستور السياسي) فهو الذي يركز على تسوية القضايا العملية من خلال العملية السياسية في مراحل ما بعد الصراع، إذ تضطلع الأمم المتحدة وأطراف دولية أخرى في عملية بناء الدستور(9)، التي تُعنى بتقديم الدعم اللازم للعمليات الإجرائية والتقنية، من دون التدخل في مضمونه الذي هو في نهاية المطاف شأن وطني داخلي، تحدده التوافقات بين القوى المحلية.

وفي هذا الخصوص، نظن أن عملية بناء الدستور السوري استناداً إلى القرار 2254 تجنح في المراحل الأولى من عملية التسوية إلى فكرة الدستور السياسي، الذي يعمل على فرضيات مبدئية تؤكد دستورية العمل الحكومي، والتركيز على فكرة السيادة، وإدراج مبادئ عامة متفق عليها كهيكل أساسي، بدلاً من التفاصيل التي قد توقع الطرفين في الخلاف، وحل المشكلات العالقة عن طريق الديمقراطية المباشرة والمبادرات الشعبية، وهنا تنفتح الشهية للحديث عن اللامركزية الإدارية في المناطق التي تحقق مصالح الطرفين في إطار السيادة ووحدة أراضي البلاد، مع الأخذ بالحسبان قوة المركز واستمرار نظام الحكم، بوصفه أحد تجليات الحكومة المشتركة.

وفي هذه الحالة يمكن العمل على بناء جيش وطني، وإدماج القادة في السلطة التنفيذية في المركز، مع الأخذ بعين الاعتبار الحيلولة دون التداعيات السلبية التي قد تُضعف المركز أو تهدد وحدة البلاد، كمبادئ تعتبر فوق الدستورية، يقابلها الاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كمكمل للحقوق السياسية، وتأكيد دور حقوق الإنسان، وإقرار التنوع، إذ لا يمكن إعداد دستور فعلي في ظل مجتمع متنوع ومنقسم ومن دون ضم المجموعات المتصارعة كلها في البلاد(10).

ثالثاَ- ديناميات بناء الدستور، ودورها في الانتقال السياسي

نظن أن أهم خطوة في عملية بناء أي دستور بعد صراع عنيف، هي بحث الأسباب التي أدت إلى هذا الصراع، وذلك بالوقوف عند الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أدت إلى الهزة العنيفة في المجتمع الذي عانى الصراع، في محاولة لصوغ دستور عصري، لا يتوقف عند حل هذا الصراع، بل يتعداه إلى حماية الأجيال القادمة من الوقوع في هزات عنيفة أخرى، وبما يشكل ضماناً لعدم عودة هذا الصراع. وردم الثغرات جميعها التي كانت سبباً ومولداً لهذا الصراع، وتحقيق المسائل التي تحقق مصالح الطرفين وتأكيد المعايير الدولية، ومراعاة القرارات والاتفاقيات ذات الصلة.

1ـ دراسة الأسباب التي أدت إلى الصراع العنيف في سوريا، والحيلولة دون عودتها

في عودة سريعة إلى التاريخ المعاصر، تبدو ما تمخضت عنه أغالب الدساتير العربية عموماً، والدستور السوري خصوصاً، تنام في ماضوية تاريخية تدور في فلك الاستئثار بالسلطة، والتوقف عند حالتها البدائية المرتبطة بمرجعية الحق الإلهي، بخلاف التطورات التي مرت بها أوروبا، عبر مراحل التطور التاريخي لتداول السلطة وبناء العقد الاجتماعي، إذ نجحت منذ عصر الثورة الصناعية ومراحل الإصلاح الديني في تعزيز فكرة الفصل بين الدين والدولة بعد صراع طويل مع الكنيسة، ومن ثم تحييدها.

إبان تلك المرحلة لم تستطع المنطقة العربية التأثر بالتحولات البنيوية التي حدثت في فهم ماهية الحكم في أوروبا، بل الخروج من السلطة الدينية التي كرست فكرة الحكم المطلق. فعلى العكس من ذلك فقد رزحت المنطقة العربية خلال هذه المرحلة تحت حكم الخلافة العثمانية، وخلال أربعمئة عام عانت المنطقة العربية قطيعة تاريخية حالت دون التأثر بعصور الإصلاح الديني (القرن الخامس)، وعصر النهضة (القرن السادس عشر)، وعصر العقلانية (القرن السابع عشر)، وعصر التنوير (القرن الثامن عشر) (11).

وما إن خرجت البلدان العربية من بوتقة الحكم العثماني، حتى خضعت للانتداب الفرنسي والإنكليزي، وعلى الرغم من الممارسة الخجولة لفكرة تداول السلطة بشكلانية ديمقراطية تقوم على جمع الأصوات؛ إلا أن الدول العربية ومنها سوريا، مارست هامشاً من تداول السلطة، لكنها عادت في مراحل ما بعد الاستقلال لتسقط من جديد في أتون الحكم الشمولي بعد بروز الصراع العربي الإسرائيلي، الذي انعكس انعكاساً كبيراً في مجمل الدساتير العربية، وعلى وجه الخصوص في سوريا، التي شكلت في مراحل لاحقة أحد مناطق نفوذ المعسكر الاشتراكي خلال الحرب الباردة، ما صبغ الدساتير اللاحقة جميعها (حتى دستور 2012)، بفكرة النظام الاشتراكي الذي يعطي الأهمية للبنى التحتية، ومبدأ مركزية السلطة، وملكية وسائل الإنتاج، في نأي واضح عن التطورات التي طرأت على الدساتير الغربية، كما التحولات التي طرأت على حقوق الفرد وحرياته العامة المتعلقة بإعلان المبادئ العامة لحقوق الإنسان. لذلك ظلت الدساتير السورية كلها غير متضمنة الالتزام بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين للحقوق السياسية والاقتصادية.

لقد ظلت الدساتير السورية منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، منعكساً لحالة الصراع العربي الإسرائيلي التي سبغتها بالحالة الثورية، التي فتحت الباب على مصراعيه للانقلابات العسكرية، التي ألغت الحالة السياسية، وهمشت الفرد بحجة الأمن القومي. ما جعلها دساتير ذات طابع شمولي، أفرزت دكتاتوريات جعلت الدساتير محض حبر على ورق.

فمنذ هزيمة حرب فلسطين 1948 التي أدت إلى استقالة وزير الدفاع السوري أحمد الشرباتي التي أظهرت ضعف الجيش السوري، واستقالة حكومة مردم بك 2 ديسمبر 1948 التي خلفتها حكومة خالد العظم 20 مارس 1949 التي أعلنت أنها ستشارك في مباحثات لعقد الهدنة مع إسرائيل إلى جانب مصر والأردن ولبنان. الأمر الذي أعطى الحجة للضابط حسني الزعيم ليقوم بانقلابه بعد عشر أيام من الإعلان، ولتبدأ سوريا عصراً جديداً من الانقلابات، انعكست على الصعيدين السياسي والعسكري.

  • فعلى الصعيد السياسي: تصاعد الفكر الشمولي، وقويت شوكة التيارات والأحزاب التي ترفع شعارات القومية وتحرير فلسطين.
  • أما الصعيد العسكري: فقد ازداد نفوذ العسكر في الحياة السياسية، وأصبح لديها الحجة للقيام بالانقلابات، والتنكيل بحقوق الأفراد وحرياتهم العامة بحجة الأمن القومي والصراع مع إسرائيل(12).

ومع وصول حزب البعث إلى السلطة، تصاعدت أكثر وتيرة النزعات الشيفونية والإثنية بسبب تصاعد الفكر القومي، وانشغال الجيش بالسياسة الداخلية، وتبني الأفكار الاشتراكية وربطها بالقومية، وتبني فكرة الحزب الواحد، فغاب عن الدساتير السورية أي ذكر عن الأكراد أو أي مكون آخر، وأصبح الفرد السوري هو الفرد العامل من أجل الوحدة العربية من دون سواه(13)، ما حال دون أي تكريس لفكرة المواطنة والتعددية، وغاب مبدأ الفصل بين السلطات بوصفه أساساً لفكرة السيادة الشعبية وتداول السلطة.

صحيح أن شرائع الشرق القديم كانت أول شرائع مكتوبة في تاريخ البشرية، إلا أنها كانت تجنح لتنظيم علاقات الأفراد، في نأي واضح عن التطرق إلى فكرة الحكم. فعلى الرغم من الدور التاريخي للديانات في تكوين الدولة، إلا أنّ مجتمعات المنطقة العربية، لم تواكب –لأوضاع تاريخية- التطورات التاريخية لظهور الدولة الحديثة وآليات ممارسة الحكم فيها، ما ساعد في تكريس المرجعية الإلهية للسلطة حتى يومنا هذا.

انعكس ذلك بوضوح وجلاء في شكلانية دساتير المنطقة، التي ظلت محض حبر على ورق، وانعكس ذلك في فهم معنى الدستور ودوره في الانتقال السياسي وتداول السلطة.

1ـ المسائل التي تحقق مصالح الطرفين: في هذا الخصوص، نستحضر نموذجاً عملياً للأوضاع الخاصة والمستعصية التي تمر بها المناطق الشرقية الواقعة غرب نهر الفرات، كنموذج يمكن البناء علية، لتحقيق المصالح المشتركة بين المعارضة والحكومة السورية، إذ ما زالت المناطق التي استحوذ عليها النظام خالية من الناس حتى هذه اللحظة، ويحجم الأهالي عن العودة إلى ديارهم بسبب تخوفهم من النظام والمليشيات الحليفة له، بسبب مشاركة أغلبهم في التحركات الشعبية، مفضلين بقاءهم في المخيمات في الصحراء على العودة إلى ديارهم. وقد حاول النظام السوري مراراً إقناع سكان هذه المناطق بالعودة من خلال مبادرات شعبية، لكنها باءت بالفشل، رافق ذلك عدم استقرار أمني لقوات النظام وقواته الحليفة بسبب الهجمات المتكررة عليهم من جهات يقول بعضهم إنها فلول من داعش، ويعزوها بعضهم إلى حالات فردية، يشنها أبناء المنطقة على النظام وحلفائه.

وفي هذه الحالة يمكن الاتفاق بين النظام والمعارضة على إيجاد صيغة تؤمن عودة الأهالي من خلال تطبيق اللامركزية أو الإدارة المحلية لهذه المناطق من المعارضة مع الإبقاء على سلطة المركز، وبذلك يمكن للطرفين الاستفادة من هذه النقطة التي تؤمن مصلحة الطرفين، كما تؤمن العودة الآمنة والطوعية للأهالي إلى ديارهم، والقدرة على البدء بإعادة تأهيل ديارهم، استناداً إلى نص البند 14 من القرار 2254.

وقد تشكل هذه العملية في إطار العملية السياسية، بادرة أولى (من أجل المضي قدماً في عملية السلام، وتدابير بناء الثقة)، استناداً إلى البندين 10و11 من القرار 2254، الحال الذي سينسحب على القدرة على إعادة الإعمار، وعيش الأهالي في مناطق لا تعاني أي هجمات ضد المدنيين، وهو ما تضمنه البند 13 من القرار ذاته.

2ـ تأكيد المعايير الدولية، ومراعاة البيانات والقرارات الدولية ذات الصلة:

لعل أهم ما يمكن التطرق إليه هو وضع اللبنات الأساسية في بناء الدستور وفى مقدمتها إرساء ثقافة حقوق الإنسان، وتصميم السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، والحديث عن الأشكال الممكنة عن لامركزية الحكومة. فقد شهدت مراحل ما بعد الحرب الباردة تجارب مهمة اضطلعت بها الأمم المتحدة في عمليات بناء الدساتير، من خلال ما أُطلق عليه الدساتير الإصلاحية، فالدستور يشكل في الفكر القانوني العقد الاجتماعي الذي يعمل على قصر استخدام الحكومة للسلطة، بالتركيز على مصطلح الدستورية الذي يُعنى بفكرة تحديد السلطة استناداً إلى مبدأ فصل السلطات الذي يقوم على قاعدة أساسية مفادها (لا يحد السلطة إلا السلطة).

إن مسالة الربط بين ملف الانتقال السياسي والسلة الدستورية استناداً إلى القرار 2254 يقتضى بالضرورة عدم الركون فقط إلى المبادئ النظرية العامة كحقوق الإنسان وضمان استخدام القضاء وبناء الجيش والأمن، كون هذه المبادئ مرسومة سلفاً بصورة نظرية. وإنما تطبيقها عملياً وتنفيذياً في عمليات بناء الدستور، وفي إطار الإجابة عن كثير من الأسئلة التي تحتاج إليها عمليات الربط التي ستشكل –من دون شك- قضايا شائكة تطرح أسئلة مؤداها: كيف يمكن إفراغ هذه المبادئ وتطبيقها عملياً وبصورة تدريجية، وكيف يمكننا إقناع من يستأثرون بالسلطة بالتخلي عنها لمصلحة عمليات بناء الدستور، لا سيما أنهم سيلجئون إلى السبل كافة للدفاع عنها.

إن بناء الدستور السوري استناداً إلى القرار 2254 يحتاج بادئ ذي بدء إلى تحقيق دفع حقيقي في عملية التسوية السياسية بين الأطراف، ودمجهم في رؤية دستورية تتركز مهماتها على حل مشكلات تقاسم الحكم والموارد في مراحل ما بعد الصراع، وهنا تبرز اللامركزية حاجةً لتذليل كثير من الصعوبات، وقد تشكل مناطق خفض التوتر بالتوازي مع جهد كبير من الضامنين مقدمه لتفعيل عمليات بناء الدستور كمقدمة للتسوية النهائية، وبما يحقق ديمقراطية مستدامة غير مرتبطة بالمدّة الزمنية التي يصمم فيها الدستور.

رابعاً- التحديات التي تواجه عمليات الربط:

قد تتأثر عملية بناء الدستور السوري بالقائمين على العمليات، كون هذه العملية عملية سياسية في بداية الأمر، وهنا تبرز حالة التضارب في المصالح بين الرؤى طويلة الأمد والرؤى قصيرة الأمد. لذلك فنحن بحاجة إلى العمل على تذليل الصعوبات التي يعانيها الطرفان التي ستكون على طريقة التنازل أو تقاسم الخسارات لمصلحة عمليات بناء الدستور. الأمر الذي يفرض وسائل مؤقتة وانتقالية، وحل إشكالية تضارب المصالح التي يفرضها الصراع. وبذلك تبدو مسالة مشاركة الأطراف التي شاركت في الصراع وتشارك فيه أمراً مهماً، بما فيها تلك الأطراف الخاسرة، أو التي لم تحقق نصراً عسكرياً واضحاً، للحيلولة دون عودة الصراع.

وهنا لا بد من التركيز على اتفاقية السلام المبرمة في آستانة، بين العناصر الحكومية وجماعات المعارضة والمسلحين وإشراكهم في عمليات بناء الدستور وتنفيذها على الأرض، مع الأخذ بالحسبان ألا يؤدى ذلك إلى هشاشة الدولة، بما يفرز نوعاً من تقاسم الغنائم على حساب الدولة والدستور المنشود، بهدف استرضاء الطرفين (المسلحين والحكومة) وهو ما سيلقى بآثار كارثية مستقبلية على استدامة عملية بناء الدستور، وسيؤدي إلى استئثار الطرفين بمصالحهم، واستفحال الفساد، وإساءة استعمال السلطة. وعلى هذا الأساس، تبدو عمليات بناء الدستور السوري، عملية دينامية تسير بالاتساق والتوازي مع سير العملية السياسية، بل تصبح أحد مولداتها العملية.

وعليه، لا يعنى التركيز على وقف العنف إنجازاً في معرض الربط بين الانتقال السياسي والعملية السياسية، إذا لم يكن ذلك مقروناً بالتأسيس لمؤسسات حكومية تخضع للمساءلة، ولا تتجاهل أدوار المواطنين في صوغ الدستور.

وحتى يجري تجاوز ذلك لا بد من اللجوء إلى خطوتين:

الخطوة الأولى: وضع خطة دستورية مؤقتة وانتقالية، يمكن من خلالها الاتفاق على خلق حالة الاستقرار مقدمةً للسلام.

الخطوة الثانية: العمل على وضع تصور للدستور النهائي، ووضع رؤية طويلة المدى لتصميم المؤسسات الدستورية وآلية عملها.

إن التغيير الدستوري قد يكون عملية قائمة على التصميم الإجمالي من خلال صوغ دستور جديد يحل محل الدستور القائم، عبر عملية متدرجة ومستمرة ومتواصلة تأخذ بعين الاعتبار الملاءمة والمواءمة بين الدستور الجديد والدستور القديم. لذلك لا بد من الأخذ بالحسبان الهواجس الراهنة في البيئة الراهنة، والنظر أكثر في العمليات طويلة الأمد، وترك الباب مفتوحاً للسياق الذي يحدد نطاق التغيير نظراً إلى الحاجة إلى مساومة عناصر النظام القديم، عن طريق مجموعات جديدة قد تظهر على مسرح الأحداث.

خامساً- أهمية التمييز بين عملية بناء الدستور ومضمون الدستور الجديد (نماذج تاريخية):

من الأهمية بمكان تأكيد أن عملية بناء الدستور في مراحل ما بعد الصراع، هي عملية تنطوي على مشاركة أطراف متعددة، أهمها الأطراف المحلية وبالأخص الوطنية منها، من دون إغفال أدوار الأطراف الخارجية سواء منها المستشارين ومقدمي المساعدة الخارجين، أم الأطراف الفاعلة بما فيها الدول، والمؤسسات الدولية، والمنظمات غير الحكومية، والمستشارين العاملين بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع الأطراف الدولية، على أن يقتصر دور الأطراف الخارجية على دفع الأطراف المحلية إلى العمل معاً في إطار عملية بناء الدستور(14).

وهنا لا بد من التمييز بين تأثير الأطراف الخارجية في العملية الدستورية، والتأثير في مضمون الدستور، إذ يعني مضمون الدستور الأحكام الموجودة فيه، بينما تشير العملية الدستورية إلى الخطوات التي يجري اتباعها في عملية بناء الدستور التي تتعلق بآليات التفاوض والصوغ والتنفيذ، مع التأكيد أن هذه العملية هي عملية معقدة، لكنها تصب في نهاية المطاف في إحداث تحولات أوسع نحو السلام والديمقراطية. لذلك يصبح من الملائم التركيز على تنفيذ دستور جديد بالتوازي مع بناء قدرات المؤسسات الجديدة الديمقراطية(15).

– نماذج تاريخية:

– كينيا 1997: جرى تغيير دستوري شامل، أعقبه وضع مسودة دستور جديد، إلا أن الأمور لم تستقر وأهمها أحداث 2008، لذلك جرى اللجوء إلى وضع أجندة لمنع العنف، وشُكِّلَت لجنة من الخبراء لتسوية الخلافات القائمة، واقترحت اللجنة الدستورية نظاماً شبه رئاسي وتبديل الاقتراح بنظام برلماني، إلا أنها تعهدت بلامركزية مطلقة للمؤسسات والخدمات، ثم أقر الدستور بموجب استفتاء 2010.

أفغانستان: 2003 – 2004 جرى الاتفاق على الدعم المبدئي للنظام شبه الرئاسي وصولاً إلى تفضيل النظام الرئاسي في نهاية الأمر، على الرغم من أن بعضهم ظن أنّ النظام البرلماني سيكون قاعدة أقوى لإقامة حكم طويل الأمد، ثم جرى الاتفاق على تدشين الدستور في أن يكون خلال المدّة الراهنة، مركزاً على بناء الدولة وضروريات تأسيس الحكومة تعمل على محاربة الإرهاب ثم أشاروا إلى إعادة احتمال النظر بعد مرور عشر سنوات، في ما إذا كانت الأوضاع تسمح باختيار نظام برلماني.

– جنوب أفريقيا: استغرق نظام التغيير ستة أعوام 1990 – 1996 من خلال اتفاقيتين أنتجتا دستوراً مؤقتاً وحكومة وحدة وطنية.

– نيبال 2007: إذ وُضع دستور مؤقت بعد اثني عشر عاماً من الاقتتال، أفضى إلى تغيير هيكل الحكومة من حكومة منفردة إلى جمهورية فدرالية، واستطاعت الجمعية التأسيسية المنتخبة صوغ دستور جديد عكس هذا التغيير من خلال أربعة وثلاثين بنداً، يلتزم بها الدستور النهائي.

– كمبوديا: صدر دستور كمبوديا 1993 استناداً إلى اتفاقيات الأطراف الدولية والمحلية التي تمخض عنها اتفاقية باريس 1991، والقرار 745 الصادر عن مجلس الأمن الدولي وتقرير مكتب الأمين العام للأمم المتحدة التي حددت الشروط والعمليات الخاصة، بما فيها السلطة الانتقالية لإجراء الانتخابات والتمويل الدولي للقوات الدولية والشرطة والموظفين المدنيين، والتكاليف المالية الأخرى المتعلقة بكل ماله صلة ببناء الدستور. وقد شكل الدستور الكمبودي تتويجاً للتعاون بين العمليات الدولية ونضالات الشعب الكمبودي، فصدر عن جمعية تأسيسية منتخبة بمساهمة دولية، كان من أهمها مساهمة المحاميين الفرنسيين.

وعلى هذا الأساس، يبدو دور الأمم المتحدة في عملية بناء الدستور السوري المنشود، يتمثل في دعم الامتثال للمعايير الدولية حول حقوق الإنسان التي لها سيكون لها تأثيرات في كل من العملية والمضمون.  

خاتمة

لقد أثبتت التجارب التاريخية قدرة عمليات بناء الدستور في تفكيك حالة الصراع والانقسام، كونها عملية تبدأ بفهم القواسم المشتركة التي تحقق مصالح الأطراف المتصارعة، ل اسيما المحلية منها. ما يؤمن خطوة يمكن البناء عليها نحو خطوات لاحقة، بالاستفادة من فهم ماهية بناء الدساتير التي تقوم على عملية تدريجية تبدأ من الأسفل إلى الأعلى، من دون أن يعني ذلك صوغ الدستور، بقدر ما هي عملية طويلة، تتضمن البدء بإنشاء المؤسسات العامة، والإجراءات والقواعد التي يقوم عليها وضع الدستور المنشود لحل الصراع وإحلال السلام، وتطبيق العدالة الانتقالية، ما يزيد التحديات لإرساء ثقافة دستورية في ظل حالة الانقسام العميق.

وعلى هذا الأساس لا يمكن الحديث عن عمليات الربط بين ملف الانتقال السياسي والسلة الدستورية استناداً إلى القرار 2254، من دون الإجابة عن كثير من الأسئلة، في مقدمتها:

كيف علينا التعامل مع الماضي، وكيف يمكننا التعايش مع الاستبداد ومرتكبي الجرائم، وكيف يمكن التصالح، بما يؤمن إيجاد إجابات واضحة لأولئك الذين عانوا ويلات الصراع، وإيجاد الوسائل الكفيلة لكشف الحقائق التي رافقت الصراع والتفريق بين موظفي المؤسسات الحكومية من أغلبية صامتة اضطلعت بمهمات تسيير المؤسسات الحكومية وبين أولئك المجرمين، ما يحتاج إلى رؤية حقيقية لقراءة بنية المجتمع السوري وتأهيله بشكل كامل، لا سيما أن تداعيات الحالة السورية، تشير إلى ألا منتصر في نهاية المطاف، ما يضع البلاد أمام احتمالين لا ثالث لهما. فإما الاعتراف بصيغة لا غالب ولا مغلوب. وإما استمرار لصراع على جثة ميت، وليس أصعب من صراع تكون فيه الاحتمالات الأسوأ جميعها معروفة سلفاً.

المراجع

  1. انظر: قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الصادر في 18/12/ 2015، البندين 2و3.
  2. للاستفاضة انظر: اندريه هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، (عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1977)، ص 22 وما بعدها.
  3. انظر: د. صلاح الدين فوزي، المحيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، (بيروت: دار النهضة العربية1999) ص 516.
  4. – Jon D.Lee, The Political, System of U.S.A,(London: Faber ,2ed. 1975),pp. 127.  
  5. انظر: د. محمد خالد الشاكر، صناعة القرار الدولي- جدلية العلاقة بين واقعية العلاقات الدولية ومبادئ القانون الدولي العام- دراسة تأصيلية، إصدارات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق2011، ص 222
  6. انظر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، البند 5.
  7. انظر: ديياجة القرار 2254.
  8. انظر: القرار 2254 البند 4. بنصيه العربي والإنكليزي.
  9. للاستفاضة انظر: Wolfrum, Rudiger , International Administration in Post- conflict Situutions by United Nations and other international actors, Max Planck yearbook of Unaited Nations Law 9 ,2005, p 649.
  10. المرجع ذاته.
  11. للاستفاضة انظر: حسن إبراهيم أحمد، الطريق إلى الديمقراطية، العدد 3، (بيروت: مجلة الطريق، إصدارات الحزب الشيوعي اللبناني) 1996، ص31- 32.
  12. انظر: جان حبش، قراءة في الدستور السوري، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، على الرابط: http://hem.bredband.net/cdpps/repdcc.jan.htm
  13. المرجع ذاته.
  14. انظر: بناء الدستور في مراحل ما بعد الصراع: الدعم الخارجي لعميلة سيادية، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2011. على الرابط: http://cdn2.constitutionnet.org/vl/item/wrqt-syast-bna-aldstwr-fy-mrahl-ma-bd-alsra-aldm-alkharjy-lmlyt-syadyt-almwsst-aldwlyt-0
  15. المرجع ذاته.

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.