أحرار الشام؛ النشأة والنهاية

تعدّ حركة أحرار الشام من الحركات التي تشوبها ضبابية في الانتماء الأيديولوجي مابين انحياز للفكر الإخواني وتحالفات مع الفكر السلفي الجهادي، وربما تعود تلك الضبابية إلى قلة الخبرة السياسية التي صبغت مسيرة الحركة حتى يومنا هذا؛ نحاول في هذاه الدراسة تسليط الضوء على:

  • ولادة الحركة والإرهاصات المساعدة على الولادة.
  • الدور السياسي للحركة أثناء نضالها العسكري.
  • أيديولوجية الحركة بين الإخوان المسلمين والقاعدة.
  • نقطة التحول وبداية النهاية.
  • مسار آستانة التفاوضي هل عجَّل بنهاية الحركة؟.
  • ماذا بعد إدلب؟ الخيارات الصعبة أمام الحركة.

مقدمة:

إن فكرة بناء حركة أحرار الشام تعود إلى المرحلة الزمنية التي تبعت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. وخصوصاً بعد سقوط نظام صدام حسين ومعه بغداد وما تلاها من تصاعد وظهور ملحوظ للأعمال والحركات الجهادية، إذ كانت سوريا تُعدّ ممراً وداعماً لوجستياً لها؛ من تسهيل لحركة الناشطين إلى رعاية الجرحى والدعم المالي والتسويق الإعلامي، كان هذا النشاط يدار في مرأى من النظام السوري وعلم ودعم منه.

أدركت مجموعة من السوريين العاملين بالقرب من القاعدة الذين كان لهم دور كبير في نشوء الحركة لاحقاً، أن فكر عمل القاعدة وفلسفتها لا يخدمان المشروع الإسلامي في سوريا، وأن الضرر والأذى الذي تلحقه بقضايا العمل الإسلامي ومصيره خطر وكبير. وكان لهم وجهة نظر خاصة تجاه المشروعات الإسلامية الأخرى وخصوصاً تلك التي عملت عليها جماعة الإخوان المسلمين وفشلها وعدم قدرتها على تحقيق أهدافها في عدد من الدول الإسلامية، وتوصلوا إلى عدم جدوى هذه المشروعات أو آلياتها أو إمكان الاعتماد عليها.

نوقِشت فكرة ضرورة العمل على مشروع إسلامي جديد في مستوى محلي من مجموعة صغيرة من المفكريين، لا يتجاوز عددهم الخمسة، إذ اجتمعوا في لبنان وأسسوا فكرة الحركة، وتجنبوا التقارب مع فكر القاعدة أو طروحات الإخوان. ليزداد هذا العدد لاحقاً إلى 25 شخص داخل سوريا، وكانت محافظة إدلب وبخاصة مدينة (بنش) أحد أهم الموارد البشرية، من أمثال (أبي يوسف وأبي جمال قطب) وغيرهم من الأفراد المؤسسين.

كانت أجهزة الأمن السورية تراقب حركة المجاهدين العائدين من العراق وترصدها، ثم ما لبثت عام 2007 أن شنّت حملة اعتقالات طالت عشرات، وألقي القبض على أربعة من مجموعة الخمسة التي اجتمعت في لبنان، إضافة إلى عدد آخر من الذين انضموا إلى فكرة حركة أحرار الشام.

كان سجن صيدنايا سيء الصيت منصة لأصحاب المشروعات الإسلامية على اختلاف مشاربها، وقد وفر سجن صيدنايا المكان الملائم لحاملي هذه الأفكار لتبادلها وطرحها على بقية السجناء، وفي سجن صيدنايا تمكن السجناء معظمهم من التعرف إلى فكر القاعدة والاطلاع عليه نتيجة الاختلاط والاحتكاك وتبادل الأفكار مع بعض قيادات القاعدة، ممن كانوا في سجن صيدنايا في تلك المدّة. ترسخت القناعة لدى مجموعة أحرار الشام بعدم فاعلية فكر القاعدة وجدواه.

ظهر التمايز والاختلاف والاصطفافات المتصاعدة إلى عداء داخل سجن صيدنايا عقب حوادثه عام 2008، وتمكن السجناء حينها السيطرة على السجن قبل أن يتمكن النظام من أخذ زمام المبادرة مجدداً والقضاء على عشرات منهم.

إعلان تشكيل حركة أحرار الشام

بعد اندلاع الحراك الشعبي السوري (الثورة السورية) المطالب برحيل نظام الأسد، وتأكيد مطلب الحرية والعدالة والمساواة، أطلق النظام في نيسان 2011 سراح معتقلي سجن صيدنايا ذوي الميول الإسلامية وقد كانوا مئات.

كان الإفراج عن الإسلاميين الذين اعتادوا القتال في العراق نقطة تحول في مسار الثورة السورية، إذ انصرف المفرَج عنهم إلى تشكيل فصائل إسلامية ميزتهم من فصائل الجيش الحر الحامل لفكر الحراك الشعبي.

أُعلِن تشكيل حركة أحرار الشام في 31/01/2013 من اندماج فصائل عسكرية عدّة (كتائب أحرار الشام والطليعة الإسلامية وألوية الإيمان وألوية الفجر وكتائب الحمزة والجبهة الإسلامية الكردية وشهداء دير الزور)، واختير الشيخ حسان عبود (أبو عبد الله الحموي) ليكون قائدها. وسرعان ما انتشرت حركة أحرار الشام في بقعة كبيرة وازداد نفوذها، إذ جرت الاستفادة من العلاقات التي كانت تربط قادتها مع باقي السجناء المفرج عنهم في باقي المحافظات، وساعد ذلك في توافر السيولة المالية وسهولة الحصول على السلاح من مصادر عدة.

التوجهات الفكرية للحركة

كان الحرص على إنشاء تيار إسلامي وتبنيه بحيث يكون خاصاً بسوريا، بعيداً عن فكر القاعدة وأيديولوجيتها ومغايراً لها، ومختلفاً عن فكر جماعة الإخوان المسلمين، هو البوصلة الموجهة لفكر قادة الأحرار وعملهم؛ ولقد عبر عن ذلك قائدها حسان عبود في أكثر من مناسبة، إذ كان التسابق محموماً بين القاعدة والإخوان على استقطاب حركة أحرار الشام، وكان كلٌّ من الطرفيين يسعى للاستفادة من موارد الحركة ومقدراتها وقدراتها وضمها إلى جانبه، وخصوصاً بعد النجاحات الميدانية التي حققتها الحركة وزيادة شعبيتها.

من الجدير بالذكر أن المدّة الزمنية التي قضاها قادة أحرار الشام في سجن صيدنايا أبعدتهم عن فكر القاعدة والحالة التنظيمية لها، إلا أن حركة أحرار الشام كانت على مسافة ليست ببعيدة من السلفية الجهادية، وإن لم تكن تتبناها تبنياً صريحاً وصارخاً.

وأحرار الشام كانت أول جماعة عملت على تمييز نفسها من الجيش الحر، وكان لها موقف سلبي تجاه الضباط المنشقين عن النظام، وقد احتضنت عدداً من المقاتلين الأجانب وخصوصاً المصريين منهم، وهذا من وجهة نظر خاصة مؤشر على علاقتهم بحزب النور المصري ذي التوجهات السلفية المدعوم سعودياً.

مع بزوغ فجر داعش وتغوله والوعي المسبق من قادة حركة أحرار الشام ومنظريها لخطر الفكر وآثاره في الثورة السورية، دخل قادة الأحرار في مرحلة المراجعات الفكرية الشاملة لمنهج الحركة، وتوجت هذه المراجعات بتوقيعهم ميثاق الشرف الثوري مع باقي فصائل الجيش الحر، وكذلك عضويتهم في مجلس قيادة الثورة.

حركة أحرار الشام والسياسة

إن الشأن السياسي لم يكن ضمن أولويات عمل حركة أحرار الشام، ولم يأخذ حيزاً من تفكيرها، أي إن السياسة والعمل السياسي لم يكن من جوهر الحركة وليس محركها، بل هو أمر طارئ، والأصل تنظيم عسكري ذو محرك ديني. ومن المعلوم أن الحركة لم يكن لديها مكتب سياسي، بل كانت تعمل ضمن المكتب السياسي للجبهة الإسلامية.

بدأ التفكير في إنشاء مكتب سياسي في الشهر الثالث من عام 2014، إذ طُرحت الفكرة على أحد المختصين الذي لم يرَ أي إمكان لنجاح عمل المكتب السياسي.

في مرحلة لاحقة من نهاية عام 2014 تشكل جناح سياسي للحركة ممثلاً بلبيب نحاس ومجاهد ديرانية صاحبي الميول والمرجعية الإخوانية، إذ أصبح تقليداً وجود مكتب سياسي للحركة مهمته التواصل مع الخارج وتسويق حركة أحرار الشام، كذلك حضور الاجتماعات والمنصات في حال الضرورة، لم يكن هناك معيار واضح لآلية اختيار مدير المكتب السياسي أو ممثله، ولم يكن هناك انسجام بين أعضاء المكتب.

نقطة التحول وبداية النهاية

ديناميات ذاتية وخارجية

إن عملية اغتيال قادة حركة أحرار الشام في مدينة رام حمدان في التاسع من أيلول/ سبتمبر 2014  كانت نقطة تحول لحركة أحرار الشام، إذ كانت بمنزلة الضربة القاتلة لتوجهات الحركة، لقد ذهب في هذا التفجير أغلب قادة الحركة ومنظريها الذين يُعدّون حملة المشروع ومروجيه.

أفرزت الحركة جيلاً جديداً من القادة وكان نتيجة صراع كانت تعيشه وتعانيه بين تيار تشكل لاحقاً داخل الحركة، وكان تياراً إخوانياً قريباً إلى حد ما من فكر القاعدة، استطاع الولوج إلى داخل حركة أحرار الشام مثل أبي طلحة، الذي أصبح القائد العسكري للحركة وطلال الأحمد وخالد الياسين، ما انعكس سلباً في توجهات الحركة ووضوح رؤيتها، بل أثر أيضاً سلباً في وحدتها الداخلية، وانتقل الصراع والتنافس إلى داخل بنية الحركة إذ انقسمت بين تيارين:

  • تيار يصف الآخر بأنه موغل في السلفية درجة التشدد والتشبه بالقاعدة.
  • وتيار يصف الآخر بأنه إخواني يمارس السياسة وألاعيبها البراغماتية.

كان لسياسة الاندماج مع باقي الفصائل، وكذلك سياسة الاستيعاب للأفراد التي تهدف إلى زيادة العدد، الأثر السلبي في الحركة من الناحية الفكرية والمالية والتنظيمية، مع العلم أنه لم يكن لحركة أحرار الشام مجلس قيادي.

لقد بلغ عدد أفراد حركة أحرار الشام قبل عملية اغتيال القادة أكثر من (11000) مقاتل، إذ كان هذا العدد يشكل عبئاً مالياً وتنظيمياً وإدارياً، وبحسب بعض المصادر فإن  المصاريف الشهرية التشغيلية  كانت أكثر من خمسة ملايين دولار أمريكي، وكان هناك مداولات حثيثة داخل الحركة وبين قادتها لتقليص العدد إلى 3000 مقاتل فقط أي الذين يحملون مشروع الحركة.

قادة الأحرار كانوا مدركين الخطر الكامن في زيادة عدد الأفراد، وما يترتب عليه من خضوع لشروط الداعم وسياساته مع شح الموارد المحلية، إن فكرة تقليل الأعداد وإيقاف حالة الاندماج مع باقي الفصائل، كانت تحمل في أحد طياتها الدعوة إلى التحرر من الداعم والاعتماد على العناصر المخلصة وعلى ما يتوافر من موارد محلية ودعم غير مشروط.

ومن الجدير بالذكر هنا أن نقول: إن سياسة الاندماج كان يجري اقتراحها ودعمها من المانحيين لزيادة الاعتماد عليهم والخضوع لمطالبهم.

نجح القادة في وقف الحد من عملية الاندماج وبُدِئَت سياسة تقليل عدد العناصر إلى أن جرت عملية الاغتيال الشهيرة في رام حمدان في التاسع من أيلول/ سبتمبر2014.

بعد موت القادة زاد الضغط مجدداً باتجاه إعادة فكرة الاندماج وزيادة عدد العناصر، وبالفعل حصل اندماج مع لواء الحق، ومع صقور الشام ذوي التوجهات الإخوانية.

ثم ما لبث ان أُسست للحركة ثلاث مكاتب أو أجنحة:

  1. سياسي
  2. عسكري
  3. شرعي

بعد موت القادة كان هناك محاولة إنعاش للحركة، تمثلت في زيادة الدعم المالي لسد العجز والفجوة الناتجة من غياب القادة والعنصر البشري الفاعل.

إن تعيين قيادات جديدة غير قوية ولا تتمتع بالفاعلية المطلوبة، وزيادة الأعداد في عناصر الحركة -إذ بلغ العدد أكثر من (35000) ألف عنصر- أدى إلى تراجع الحس الأيديولوجي والعقائدي لدى أغلبية كبيرة من العناصر والقيادات الجديدة للحركة.

تغليب المصالح الخاصة، وبصورة أخص المالية منها، دفع بعض القادة إلى انتخاب قائد ضعيف ليتمكنوا المحافظة على مصالحهم وإدارتها، إذ حُييد الدكتور أبو عبد الله الكردي والقائد أبو صالح طحان اللذين يُعدّان من قادة الحركة ومنظريها.

إن تعيين هاشم الشيخ أبا جابر غير المقتنع بفكر الحركة قائداً للحركة، يُعدّ من أكثر المطبات إيلاماً في تاريخ الحركة، إذ فتح الباب لقادة الصف الثاني الذين كانوا على خلاف مع القادة الذين قضوا في رام حمدان ليستلموا المفاصل المهمة في الحركة، ثم ما لبث أن انضم هاشم الشيخ وأبو صالح طحان إلى هيئة تحرير الشام، ليستلم لاحقاً القيادة محمد العمر أبو عمار وهو من دائرة الإخوان المسلمين.

إن القيادات الضعيفة وغير المتجانسة مع فكر الحركة كانت عاجزة عن إنقاذ الحركة وإخراجها من الحالة الضبابية التي تعانيها وانعكست سلباً في قراراتها وأدائها العسكري والسياسي والمدني.

على الصعيد الخارجي

شكلت الدعوة والتحضير لمؤتمر آستانة نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين حركة أحرار الشام والجار التركي، إذ توصل الأتراك- وبحسب ظننا- إلى خلاصة أن أحرار الشام لا يمكن أن يكون شريكاً يعتمد عليه، إذ إن التردد وعدم الاستجابة للمطلب التركي بالحضور الفاعل لآستانة جعل الاتراك يعيدون نظرهم تجاه حركة أحرار الشام وتقويمهم لها، ولا ينبغي لنا أن نتجاهل  بالون الاختبار الذي أطلقه الأتراك منذ أسابيع حول نيتهم دخول إدلب لمحاربة الإرهاب وحماية حدودهم، والتسريبات التي خرجت من الأحرار عن عدم المشاركة في أي عملية تستهدف القاعدة، ولكنهم في الوقت نفسه لن يمنعوا الأتراك من المضي قدماً في مشروعهم.

خسارة حركة أحرار الشام لإدلب التي تُعدّ المعقل الرئيس لها ومقر قيادتها يعني بوضوح أن الحركة انتهت بوصفها قوة عسكرية أو مدنية على الأرض.

المتابع للحوادث الأخيرة في محافظة إدلب وما تلاها من سيطرة لهيئة تحرير الشام على إدلب كاملة، سيلاحظ موقف الحياد الذي اتخذته تركيا من الحوادث، ومن التحضيرات التي سبقتها، وكأن تركيا كانت تراقب انهيار الأحرار، بل إنها بذلك الموقف سرعت ذلك الانهيار السريع الصادم وغير المتوقع وساعدت عليه، وكأنها أطلقت رصاصة الرحمة على الحركة لِتُعلَن وفاتها عملياً.

من المفيد أن نذكر في هذا الصدد أن حركة أحرار الشام عجزت عن تحقيق مصالح مشغليها وداعميها وخدمتهم، ومن ثم لم تتمكن من إدارة مصالحها الخاصة والمحافظة عليها.

خيارات الأفراد والجماعات العاملة مع الحركة

ستكون هناك خيارات عدّة أمام الألوية والأفراد العاملين تحت مظلة الأحرار، إذ سيكون لأيديولوجية الحاجة إلى المال والهاجس الأمني والطموح والأهداف الشخصية وربما المشروعات الضيقة دور في تحديد أي من هذه الخيارات:

  • بيع السلاح.
  • الانضمام إلى هيئة تحرير الشام.
  • التحول إلى مافيات سرقة وخطف.
  • الالتحاق بمشروع إقليمي ذي أهداف محلية على غرار مشروع قوات سوريا الديمقراطية.
  • تسليم السلاح إلى هيئة تحرير الشام.
  • بدء مشروع عسكري خارج نطاق سيطرة هيئة تحرير الشام.
  • الهجرة.

[hr height=”30″ style=”default” line=”default” themecolor=”1″]

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي©.