أحكام الفقه الإسلامي وصدام بعضها مع شرعة حقوق الإنسان والدولة الحديثة

أثار الجدل الأخير حول إشكال تعديل قوانين الميراث في تونس -لمنح المرأة حقاً مساوياً للرجل في الميراث- فكرة كتابة هذه الدراسة.

وقد وجدت أن تناول الموضوع يعني حتماً الدخول في مناقشة فقهية إسلامية، ومناقشة حقوقية إنسانية وفق مفهومات عصرنا، وأن هذا الجدل هو محض جزء صغير ضمن مناقشة أكبر تواجهها مجتمعاتنا وبلادنا العربية والإسلامية، إنها مناقشة حول مصادر التشريع والنظام القانوني في الدولة، لذلك قررت التوسع في الموضوع ليتناول الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالمعاملات بين الأفراد، وبين الأفراد والدولة، وببنية الدولة التشريعية والقضائية؛ وهذه المناقشة تستلزم نظرة موسعة إلى أحكام الفقه الإسلامي المتعلقة بالمعاملات ومدى مواءمتها لعصرنا الحالي.

يتناول البحث أولاً التعريفات الأساسية

الفقه في العلوم الإسلامية، شرعة حقوق الإنسان الدولية؛ يعرض المحور الثاني لأسباب التناقض ما بين بعض أحكام الفقه الإسلامي المتعلقة بالمعاملات والمنهج العقلاني وشرعة حقوق الإنسان وأسس الدولة الحديثة؛ ثم يعرض لأمثلة عن هذا التناقض تدور أساساً حول الموقف من حرية التفكير والاعتقاد، ومن مبدأ المواطنة، ومن المرأة. حتى يصل البحث في نهايته إلى مناقشة إمكان بقاء هذه الأحكام الفقهية كما هي مصدراً ملزماً للتشريع القانوني، والتفريق بين الفقه بوصفه مُنتَجاً لمشايخ الإسلام وفقهائه والإسلام بوصفه ديناً وعقيدة.

تعتمد منهجية هذا البحث على مناقشة الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات، من خلال الاعتماد على حقائق منطقية وعقلية، وأيضاً ثوابت إسلامية يتفق عليها أغلب المسلمين ويوافقها العقل؛ فلا تدعي الدراسة أنها تقدم بحثاً فقهياً إسلامياً وفق هذا العلم وأصوله وفروعه، بل تقدم قراءة مقارنة لهذه الأحكام مع شرعة حقوق الإنسان وأسس الدولة الحديثة.

الأحكام الفقهية الإسلامية

تعريف الفقه اصطلاحاً “إن الفقه في اصطلاح الفقهاء هو: مجموع الأحكام والمسائل التي نزل بها الوحي واستنبطها المجتهدون، أو أفتى بها أهل الفتوى أو توصل إليها أهل التخريج، وبعض ما يحتاج إليه من مسائل الحساب التي ألحقت بالوصايا والمواريث.

فاسم الفقيه عند الفقهاء لا يختص بالمجتهد -كما هو عند الأصوليين- بل يشمله ويشمل غيره من المشتغلين في هذه المسائل.

أما الفقه في اصطلاح الأصوليين فهو: “العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية [1]“.

موضوع هذه الدراسة هو حول الأحكام الفقهية العملية المتعلقة بالمعاملات التي يمكننا كتابة تعريفها بحسب الشائع بأنها الأحكام الشرعية المستندة إلى أدلة تفصيلية في أفعال المكلفين: بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة [2]، نستطيع وفق مصطلحات عصرنا الحالي تشبيهها بالنظام القانوني والدستوري الذي يحكم علاقات الأفراد ببعضهم، وعلاقتهم بالدولة، وبنية الدولة من حيث السلطة.

من المعروف أن الأحكام الفقهية، التي وضعها الشيوخ عبر قرون طويلة تختلف ما بين المذاهب والفرق؛ بعض هذه الخلافات أفادت في تيسير الأحكام أحياناً وإغنائها؛ لكنها أيضاً كانت في أحيان أخرى أداة في الصراعات السياسية التي طغت على التاريخ الإسلامي.

أما حجة الإجماع فهي أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة [3]، فلم يجمع شيوخ المسلمين سوى على لفظ الشهادتين، والصلوات الخمس والصيام والزكاة من حيث العموم، وبعض أركان الإيمان من حيث الشكل، ما عدا ذلك لا إجماع لديهم على أي حكم [4].

من المهم الإشارة هنا إلى أن أول تقنين للشريعة، بمعنى وضع قانون موحد ومواد قانونية وفق الفقه الإسلامي، حصل في القرن الثالث عشر هجري عندما أصدر السلطان العثماني عام 1293ه “مجلة الأحكام العدلية وقانون العائلات” التي أمر بوجوب العمل بها في السلطنة العثمانية، وساد أغلبها أحكام المذهب الحنفي، وقد شملت تلك المجلة 1851 مادة [5].

مبادئ حقوق الإنسان بحسب الاتفاقات الدولية

من الثابت أن من صاغ مبادئ حقوق الإنسان وأطلق المصطلح ليصبح من أهم منجزات البشرية في عصرنا هم النخب والمجتمعات الغربية، لكن هذا لا يعني أن الغرب هو من أتى بهذه المبادئ من ذاته أو ثقافته فحسب، فالحضارة الغربية وبحسب دورة التاريخ هُيِّئ لها أن تتلقى كل ما أنتجته الحضارات الإنسانية السابقة، بما فيها الإسلامية، لتبني عليها صعودها المستمر إلى الآن، تماماً مثلما بنت الحضارة الإسلامية على ما سبقها، وكذا الرومانية والإغريقية والصينية.

فمبادئ حقوق الإنسان هي منتج بشري للبشرية كلها، صاغته الحضارة الغربية وكان لها شرف أن تكون أول من وضعته في شكل قيَميٍّ قانوني؛ فلا بد لنا في هذه القراءة أن نتحاشى سذاجة الانفعال الرافض لكل شيء يوسم بأنه “غربي” [6].

منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 وُقِّعت اتفاقات دولية عدة وأنشئت منظمات دولية عدة تعنى بترسيخ مبادئ حقوق الإنسان وتقنينها وضمان تنفيذها في الدول كلها [7].

يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 30 مادة تؤسس لحقوق الإنسان الأساسية، ومنها: حق الحياة والحرية والمساواة الكاملة والكرامة الإنسانية والعمل والتعلم، والحقوق القانونية أمام الدولة والقضاء، والحقوق السياسية في انتخاب السلطات، وحق الحماية من الظلم والتعذيب والمعاملة المتعسفة، ومساواة حقوق المرأة والرجل، وحق التفكير والاعتقاد واختيار وتغيير الدين والتعبير [8].

هل تصلح الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالمعاملات لكل زمان ومكان؟

السؤال ليس حول هل يصلح الإسلام، بل حول ما استنبطه الشيوخ من أحكام فقهية متعلقة بالمعاملات؛ يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال تفكيكه إلى أسئلة أكثر وضوحاً، تقود إجاباتها إلى الإجابة عن السؤال الأساسي:

  • هل الاعتقاد والإيمان بأساسيات الدين (مثل أركان الإيمان في الإسلام المعروفة) تخضع للزمن والمكان؟

الجواب الواضح لا؛ الإيمان بالله ووحدانيته ورسول الإسلام والقرآن الكريم وأي إيمان ديني لا يتغير جوهره بالضرورة مع الزمن والمكان، ما يمكن أن يتغير هو طريقة الإيمان عند المؤمنين.

  • هل تخضع العبادات مثل الصلاة والصيام والحج للزمن؟

الجواب الواضح لا؛ لأن طقوس العبادة ملازمة لإيمان أغلب المؤمنين في الأديان كلها.

بناء على السؤالين السابقين يمكننا القول إن إيمان الإنسان بدين ما وممارسته للعبادات وفق هذا الدين ليس خاضعاً للزمن والمكان بالضرورة، فلكل إنسان حق القرار في ذلك، يمكن للإنسان أن يؤمن بأي دين، وفي الوقت نفسه يعمل في مسرع جزيئات يحاول محاكاة الانفجار الكوني الكبير، أو يتدخل في هندسة جينات الكائنات الحية، كذلك يمكن للإنسان أن يذهب إلى الطبيب ويتبع تعليماته وفي الوقت نفسه يصلي لله أن يشفيه، أو أن يعمل وينتج ويساهم في بناء بلده وفي الوقت نفسه يصلي ويصوم إن أراد، فهذه أمور تعود إلى الإنسان الفرد، يستطيع أخذها أو تركها ما دامت لا تؤثر سلباً في غيره.

  • هل تخضع الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات للزمان والمكان؟

الجواب هنا نعم؛ إنها تخضع للزمن وللمكان وتغيرهما، والسبب الواضح لأنها تتعلق بعلاقات الناس مع بعضهم بوصفهم أفراداً ضمن مجتمع يشكل دولة، وبما أن المجتمع والأفراد يتغيرون مع الزمن والمكان، فمن الحتمي أن علاقاتهم ببعضهم تتغير، ومن ثمّ القوانين التي تنظم علاقاتهم ببعضهم يجب أن تتغير.

لماذا لا يصلح كل ما ورد في الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات في عصرنا الحالي؟

لا بد بدايةً من التوضيح أن الاستشهاد ببعض الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالمعاملات في ما يتبع من فقرات، هو استشهاد انتقائي لبعض هذه الأحكام، فلا أدعي أن الفقهاء كلهم أجمعوا على أي منها، بل أذكر القارئ بأن عدداً من هذه الأحكام عارضها بعض الشيوخ والفقهاء قديماً وحديثاً، فلا نحمّلنّ النصوص الآتية حمل التعميم.

لكن هذه الأحكام المستشهد بها في الدراسة ليست أحكاماً شاذة، بل هي أحكام واسعة الانتشار، وهذه الدراسة لا تهدف إلى دعم هذا المذهب الفقهي أو ذاك، فما لم تنجح في توحيده 1200 من الخلافات الفقهية، لن توحده مدرسة فقهية عصرية.

في ما يأتي بعض الأسباب التي تحدّ من صلاحية عدد من الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات في عصرنا الحالي:

  • إن أهم شروط الدولة الحديثة هو وجود نظام قانوني واضح شفاف مُحكَم يحقق أقصى ما يمكن من عدل نسبي ما بين الناس؛ وبما أنه لا وجود لمنظومة أحكام فقهية إسلامية عملية متعلقة بالمعاملات واحدة بل منظومات عدة، فإن هذه الأحكام الفقهية لا تصلح بخلافاتها واختلافاتها لتأسيس قانون ناظم لدولة حديثة.

قد يقول قائل: هذا يعطي مرونة للأحكام الفقهية الإسلامية، لكن التاريخ الإسلامي يخبرنا أنها بالتطبيق العملي كانت تخضع لرأي الحاكم وكبار الشيوخ المقربين منه في اختيار أي المذاهب يجب أن تسود القضاء، حتى أن السلطان الظاهر بيبرس اضطر إلى تعيين قاضي قضاة لكل مذهب من المذاهب السنية الأربعة نتيجة الخلافات والاحتجاجات بين أتباع هذه المذاهب [9]؛ فهم في النهاية يستندون إلى المصدر التشريعي نفسه ولا يملك أي منهم حق إلغاء الآخر.

  • لا تحتوي الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات على مبدأ فصل السلطات؛ فمن الأحكام التي يُدّعى الإجماع عليها بين الشيوخ أن الخليفة/ الحاكم يوَلّي القضاة [10] “إن تولية الإمام الأعظم للقاضي شرط في صحة قضائه” [11]. إذاً السلطة القضائية تابعة للسلطة التنفيذية وفق الأحكام الفقهية الإسلامية.
  • لا يوجد ضمن الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات كلها شكل محدد للسلطة التشريعية، الشكل المقدم غالباً يعتمد على من يسمونهم أهل العلم وبالتخصيص الفقهاء، ولا معايير واضحة جازمة حولهم، فكل فرقة تمنح لقب الفقيه لمن يلائم مذهبها، ولا تقبل كل من تراهم فرقاً أخرى علماء، وتاريخ نزاعات كبار الشيوخ والفقهاء خير دليل.
  • لا تحتوي الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات على نظام حكم محدد واضح، بمعنى لا تحوي نظاماً يحدد كيف يصل الحاكم إلى الحكم، سواء أسميناه رئيساً أم خليفة أم سلطاناً، فمن المعروف أن الخلفاء الراشدين الأربعة تولوا الحكم بطرائق مختلفة عن بعضها، انتهت بحرب دموية بين علي بن أبي طالب وبني أمية الذين أسسوا بدورهم حكماً وراثياً دكتاتورياً ساد تاريخ المسلمين إلى يومنا هذا.
  • الشورى التي يُدّعى أنها مقابل للديمقراطية، ليست ملزمة للخليفة/ الحاكم بل مستحبّة بحسب ما يُدّعى أنه إجماع العلماء [12].
  • أغلب الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تنسف مبدأ المواطنة وأساسها في الدولة الحديثة، فالتراث الفقهي الإسلامي المتعلق بالمعاملات معظمه يميّز في الأحكام بين المسلم وغير المسلم، بين الرجل والمرأة، بين الحر والعبد، هذا التمييز ليس فقط في باب الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وغيرها، بل في كثير من الأحكام التي منحت الرجل المسلم المنزلة العليا في الدولة والمجتمع كما سنرى.
  • الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تحوي تفاصيل كثيرة يمكن أن تحول النظام القانوني -إن اعتمد عليها- إلى سلطة دكتاتورية باسم القانون، تتدخل في تفاصيل حياة الناس كلها إلى حد الاعتداء على حرياتهم، مثلما هو حاصل في السعودية وإيران، فالحكومتان كلتاهما تعتمدان في سن القوانين على الأحكام الفقهية المتناسبة مع السلطة الدينية والسياسية، وتمارس وصاية شبه كاملة على أسلوب حياة الناس.
  • تصادم بعض ما خطّه شيوخ الإسلام ضمن الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات مع حقوق الإنسان بحسب الشرعة الدولية، ونظراً إلى أهمية هذا المفصل سنفرد له فقرة خاصة.

تصادم بعض الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالمعاملات مع حقوق الإنسان بحسب الشرعة الدولية

مبادئ حقوق الإنسان تنسجم مع روح الإسلام بوصفه ديناً كما وضح كثير من المفكرين والباحثين الإسلاميين، لكنها تتناقض في نواحٍ عدّة مع الأحكام الفقهية الإسلامية، وبخاصة في عصرنا الحالي، فلربما كانت هذه الأحكام متقدمة بمراحل عما كانت عليه حال الدول المزامنة للدولة الإسلامية في العصر الأموي أو العباسي الأول أو السابقة لها، لكن كثيراً من هذه الأحكام لا يتفق مع قيم عصرنا الحالي، في ما يأتي بعض من هذه التناقضات:

  • الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تنقض حق المساواة بين البشر، فكلها تميز في كثير من الأحكام، بين المسلم وغير المسلم، بين الرجل والمرأة؛ مثلاً مناصب الحاكم والحكم والقضاء محصورة بين الرجال المسلمين، فلا حق للمرأة ولا لغير المسلم بتولي منصب الحاكم أو القضاء [13]، كذلك في الشهادة أمام القضاء نجد أن “شهادة غير المسلم على المسلم غير مقبولة بالإجماع، إلا ما اختلفوا فيه من جواز ذلك في الوصية وفي السفر”، بينما “اتفقوا على قبول شهادة المسلم على غير المسلم في كل حال من الدماء فما دونها” [14]. وحتى في قيمة الحياة الإنسانية في حال حصول القتل الخطأ جعلوا دية الرجل المسلم ضعفي دية المرأة المسلمة، ودية الرجل الحر الكتابي نصف دية الرجل الحر المسلم، ودية الكتابية نصف دية الكتابي [15].
  • الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات لا تضمن حرية الاعتقاد والتدين، ولعل أشهر حكم ابتدعه شيوخ الإسلام هو حكم قتل المرتد الذي ادعوا الإجماع عليه [16]، فلا حرية للإنسان وفق أحكام هؤلاء الشيوخ الفقهية في اختيار دينه، حتى لو كان قد ورثه بحكم الولادة لأبوين مسلمين.
  • الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات لا تضمن حرية ممارسة الدين، فحتى المسلمين ليسوا أحراراً في ممارسة العبادات الإسلامية، فمثلاً الأحكام الفقهية الإسلامية ممتلئة بالعقوبات على من لا يصلي [17]، أو من يخالف في طريقة أداء الصلاة بحسب المذهب المسيطر حيث يعيش [18]، من ناحية ثانية إن كثيراً من شيوخ المسلمين منعوا بناء كنائس جديدة في ما يسمونها الأرض التي “فُتحت عنوة” [19].
  • الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تناقض حقوق المرأة في كثير من المناحي، كثير من أحكام الفقه الإسلامي تهضم حقوق المرأة بوصفها إنساناً ومواطناً وفق معايير عصرنا الحالي الذي تجاوز كثيراً من أحكام الحضارات البشرية السابقة وعاداتها التي قامت على منح الرجل المنزلة العليا على حساب المرأة [20].
  • المرأة ممنوعة من تولي مناصب سيادية عليا في الدولة، وممنوعة من منصب القضاء، والإفتاء [21].
  • أشهر هذه الأحكام حق الزواج المتعدد للرجل الذي يمثل اعتداء واضحاً على كرامة المرأة بوصفها إنساناً في عصرنا الحديث.
  • أحكام الطلاق جائرة بحق المرأة، فللرجل أن يطلق متى أراد، أما المرأة فعليها أن تقنع القاضي أنها تستحق الطلاق من زوجها.
  • المرأة مظلومة في الإرث بوصفها ابنة فلها نصف حق الابن الذكر، وهي كذلك مظلومة مقارنة بحق الولد الذكر في حجب الإرث عن أقارب الأب.
  • شهادة المرأة هي نصف شهادة الرجل في كثير من القضايا أمام القاضي [22].
  • قيمة المرأة بوصفها إنساناً أقل من قيمة الرجل كما مرّ معنا في أحكام دية القتل الخطأ.
  • لا تملك المرأة حرية الحركة والعمل من دون إذن “وليها”، كما هو مطبق حتى أيامنا هذه في بعض الدول الإسلامية.
  • المرأة لا تملك حق حرية اللباس ومعاملة جسدها كما تريد، فما زالت قوانين الحجاب والنقاب مفروضة بقوة السلطة في بعض البلاد الإسلامية، وبقوة الزجر والنبذ الاجتماعي في دول أخرى.
  • المرأة المسلمة ممنوعة من الزواج من رجل غير مسلم، بينما يُسمح للرجل بذلك.
  • الأحكام الفقهية لا تحمي المرأة من تعسف زوجها، فضربه لها مباح وفق كثير من هذه الأحكام، والضرب هو إهانة للإنسان سواء بمسواك أو بعصا غليظة.

هل يمكن تطوير الأحكام الفقهية الإسلامية العملية المتعلقة بالمعاملات؟

كثير من الشيوخ والمفكرين المسلمين أطلقوا مشروعات تجديد، وأعادوا البحث في الفقه الإسلامي، واستنبطوا أو عدلوا كثيراً من الأحكام لتلائم العصر الحديث، لكن المشكلة التي تواجه هذه القراءات التي لم يجرؤ أغلب المجددين على تحديدها هي أن الإسلام مثل أي دين ليس نظاماً قانونياً؛ فكونهم قبلوا بأن في الإسلام شريعة عملية متعلقة بالمعاملات تمثل مرجعاً للتشريع في الدولة وفق الأحكام الفقهية، يعني أنهم أبقوا الباب مفتوحاً لأي قراءة متشددة للإسلام، فقد يصل بعضهم مثلا إلى أن الخلافة ليست محصورة بقريش، أو أن يوقف حكم إباحة الزواج المتعدد، لكن بما أن أساس كلامه استمر بأن الشريعة الإسلامية مصدر للقانون، ومن ثم الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات، لا يمكنه منع من يقول إن القانون يجب أن يمنع المرأة من العمل أو قيادة السيارة، لأنه يعود إلى التراث الفقهي الإسلامي نفسه.

إن التطوير الوحيد الممكن والضروري لسلامة المسلمين والإسلام ومستقبلهم، هو نزع صفة الإلزام عن الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات، وحجبها عن أن تكون مصدراً للتشريع في الدولة، وأن تُنقل إلى خانة الشرائع المتعلقة بالأخلاق وليس بالقانون، أما ما خصّ بعض الأحوال الشخصية فإن القانون الحديث أساساً يعطي الناس حرية الاختيار إذا لم يكن هناك ضرر ولا ضرار، مثلاً في الدول العلمانية -ومنها تركيا- يمكن لمن أراد الزواج أن يتزوج في الكنيسة أو لدى شيخ مسلم وفق تعاليم دينه، لكن القانون يلزمه أن يعقد عقد زواج مدني أمام الدولة؛ وفي حال الطلاق أو أي خلاف زوجي -إن توافق الطرفان على العودة إلى الشريعة الدينية بما لا ينتهك حقوق أطفالهم- فالدولة لا تمنعهم؛ لكن إن رفض أحد الطرفين ذلك فالحكم للقانون المدني.

كذلك في موضوع الميراث، إن توافق الورثة كلهم وكانوا بالغين عاقلين على أي شكل أرادوه لتوزيع الميراث فالدولة لا تمنعهم، لكن إن رفض أحدهم، أو كان بينهم من هو تحت السن القانوني فالقانون الحاكم هو قانون الدولة المدني.

هل نرمي ديننا وقرآننا لأننا نعيش في القرن الواحد والعشرين؟

يمكن الإجابة عن هذا السؤال المتكرر أمام أي نقد للتراث الفقهي الإسلامي، من خلال التذكير بالحقائق الإسلامية المتسلسلة الآتية التي تقر تأثير تغير الزمن في تغير الأحكام والفهم والتطبيق:

  • لم تأتِ الأديان الإبراهيمية، اليهودية والمسيحية والإسلام، منذ أن كان هناك بشر على الأرض، بل أتت بفواصل زمنية بين بعضها، أي إن الله مصدر هذه الأديان أراد تنزيل دينه على البشر وفق حركة الزمن، فاتفقت على العقيدة وأساسها الإيمان بالله الواحد، لكنها اختلفت في الأحكام العملية المتعلقة بحياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم وبالدولة.
  • على الرغم من أن مدة الرسالة الإسلامية كانت 23 سنة فقط، إلا أنها أتت متدرجة عبر الزمن.
  • من الثابت أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أوقف العمل بحكم المؤلفة قلوبهم، على الرغم من وضوح الحكم في القرآن الكريم، فهو لم يخالف الإسلام، بل فهم أن الحكم قابل للتغير مع تغير الحاجات.
  • لم يطلب أحد رمي آيات القرآن الكريم المتعلقة بالرقيق والإماء، على الرغم من أن البشرية توافقت منذ سبعين سنة على منع استعباد الناس بأي شكل من الأشكال.
  • تتكرر في القرآن الكريم موضوعات حول الكون والإنسان والأرض، في أغلبها تدعو إلى التفكر وإثبات عظمة الخلق، لكن المفسرين القدماء كلهم لم يدركوا معانيها بشكل صحيح لأن علومهم الطبيعية في زمانهم كانت محدودة، ففسروها وفق ظاهر النص غالباً.

مثال على ذلك موضوع خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وقد فسرها أغلب المفسرين القدامى بأنها الأيام التي يعرفها البشر [23]، لكننا اليوم نعلم حقيقة أن عمر الكرة الأرضية حوالى 4500 مليون سنة، وعمر الكون حوالى 14000 مليون سنة، فهل هذا يعني التخلي عن هذه الآيات، أم السعي في تأويل كلماتها، وفهمها من دون التقيد بحرفية نصها [24]؟

أم نرمي العلم الذي نستخدم منتجاته في تفاصيل حياتنا كلها جانباً كي نتقيد بتفسير شيوخ لم يعلموا مثلما نعلم في عصرنا؟

إذاً إن مقولة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان”، تصح في الإيمان والعقيدة والعبادة؛ لكنها لا تقتضي أن تفسيرات شيوخ الإسلام ومذاهبهم في الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تصلح لكل زمان ومكان، بل يحق للناس الذهاب بتأويل النص إلى ما لم يذهب من سبقهم، كي يسيروا ضمن الهدف الأسمى للبشرية كلها وهو إعمار الأرض وإحلال السلام والعدل والأمان بين البشر كلهم [25].

الناحية الثانية والأهم ومن دون تعقيدات المناقشات والجدالات الفلسفية حول معنى الحرية والإجبار، التخيير والتسيير؛ على المسلمين أن يختاروا بين كون دينهم وعقيدتهم يقرّان بحرية الإنسان مسلماً كان أم غير مسلم، أو كون دينهم وعقيدتهم هما إجبار بالقوة، سواء قوة السلطة الحاكمة أم قوة التهديد بالسيف أم قوة الضغط الاجتماعي والنفسي.

أغلب آيات القرآن الكريم وروح نصوصه، بدءاً من منح حق المعصية والجدل لإبليس، تقول إن الإسلام بوصفه عقيدة يقوم على حرية الاختيار، وأحسب أن الأغلبية العظمى من المسلمين تقول إن الإسلام ليس دين جبر بل دين اختيار، فإن قلنا ذلك فكيف نقبل أحكاماً فقهية متعلقة بالمعاملات تملأ حياة الإنسان بالأوامر والنواهي وبسلطة القانون والدولة؟

خاتمة

إن إخراج الشيوخ من حق التدخل في السلطة التشريعية باسم الإسلام ليس ضرباً ولا إساءة للإسلام ولا المسلمين، بل هو حماية للإسلام من الجمود في قوالب وضعها شيوخ وفقهاء سابقون، عاشوا زمنهم وأحوالهم، لكنهم لا يعيشون زمننا ولا أحوالنا.

الشريعة الإسلامية بأساسها هي الإيمان والاعتقاد بأسس الإيمان الإسلامي، والتمسك بالأخلاق الحسنة في ما بين البشر، وليست قوالب جامدة تجبر المسلم من يوم مولده إلى مماته أن يسير ويعمل بكل خطوة وفق ما يرى الشيوخ ويفهمونه من الإسلام.

لقد أمضى المسلمون آخر ستة قرون لا ينتجون من العلوم الطبيعية شيئاً مقارنة بآلاف كتب الشرح والتصنيف في مناحي المعارف الدينية المختلفة [26]، فيكفي الشيوخ ستة قرون من السيطرة على الإنتاج الفكري للمسلمين، ويكفيهم -تحت جناح السلطات الحاكمة الدكتاتورية- إعاقة لتطور المجتمعات الإسلامية نحو الحداثة وتأسيس الدول العصرية المستقرة.


المراجع

[1]  “المهذب في علم أصول الفقه المقارن”، د.عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد، الرياض، 1999.

[2]  قال ابن خلدون في مقدمته في تعريف الفقه: “الفقه: معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين؛ بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استُخرِجَت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها: فقه”.

[3]  روي عن الإمام أحمد “من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب”، كتاب “الإسلام عقيدة وشريعة”، تأليف الإمام الأكبر محمود شلتوت، دار الشروق.

[4]  الإجماع: حجة ملزمة أم مغالطة فقهية كبرى

http://mena-monitor.org/ar/page1524/الإجماع:%20حجة%20ملزمة%20أم%20مغالطة%20فقهية%20كبرى

[5]  المدخل فى الشريعة الإسلامية، د.الشحات إبراهيم محمد منصور، جامعة بنها، 2007.

[6]  دخل كثيرون من النخب العربية والإسلامية والسياسيين أيضاً جدلاً بيزنطياً مفتعلاً قائماً على افتراض الشرانية في كل منتج غربي، فألفوا كتباً وبحوثاً لكي يثبتوا أن أصل شرعة حقوق الإنسان إسلامي عربي، بادعاء أن الغرب ينسبها إلى نفسه ولا يعترف بفضل العطاء البشري كله، وهي فرضية غير صحيحة، ممن كتب في ذلك د.منير العجلاني في كتابه “عبقرية الإسلام في أصول الحكم”.

[7]  مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.

‏”حقوق الإنسان حقوق متأصلة في البشر جميعهم، مهما كانت جنسيتهم، أو مكان إقامتهم، أو نوع ‏جنسهم، أو أصلهم الوطني أو العرقي، أو لونهم أو دينهم أو لغتهم، أو أي وضع آخر.

إن لنا ‏الحق كله في الحصول على حقوقنا الإنسانية على قدم المساواة ومن دون تمييز، وهذه الحقوق كلها ‏مترابطة ومتآزرة وغير قابلة للتجزئة‎.‎

وكثيراً ما يجري التعبير عن حقوق الإنسان العالمية، وتضمن بوساطة القانون في شكل معاهدات، ‏والقانون الدولي العرفي، ومبادئ عامة، أو بمصادر القانون الدولي الأخرى، ويرسي القانون الدولي ‏لحقوق الإنسان التزامات على الحكومات بالعمل بطرائق معينة أو الامتناع عن أعمال معينة، من ‏أجل تعزيز حقوق الإنسان وحماية الحريات الأساسية الخاصة بالأفراد أو الجماعات.”‏

[8]  المرجع 6.

[9]  “البداية والنهاية”، ابن كثير، الجزء 13، مكتبة المعارف، بيروت، 1988.

[10]  من القواعد الشرعية المشهورة (للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات) و‏‏(أمر الإمام يرفع الخلاف) و(أمر الإمام نافذ ظاهراً وباطناً)‏، “الاجتهاد الفقهي المعاصر في السياسة الشرعية”، الباب الثاني: السياسة الشرعية بين القدامى والمعاصرين، د.حبيبة أبو زيد، دار الكتب العلمية.

[11]  “موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي”، القضية 3348 “تعيين القاضي”، سعدي أبو جيب، الطبعة الرابعة، دار الفكر، دمشق 2011.

[12]  المرجع 11، المسألة 2161.

[13]  ‏”اتفقوا على أن الخلافة لا تجوز لامرأة، ولا لكافر، ولا لصبي لم يبلغ، ولا ‏لمجنون”،‏ المرجع 11، المسألة 1362، والكافر هو بحسب الاتفاق “اليهود والنصارى”،‏ المرجع 11، المسألة 3413.

[14]  المرجع 11، المسألة 2127 و2128.

[15]  المغني، كتاب الديات، موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة، دار إحيار التراث العربي.

[16]  المرجع 11، المسألة 1606.

[17]  المرجع 11، المسألة 2216 “حكم تارك الصلاة”.

[18]  يقول ابن تيمية في حكم الجهر بالنية قبل الصلاة: “الجهر بلفظ النية ليس مشروعاً عند أحد من علماء المسلمين، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها، ومن ادعى أن ذلك دين الله، وأنه واجب، فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل…”، مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد الثاني، كتاب الصلاة، المسألة 143-59.

[19]  مجموع فتاوى ابن تيمية، الجزء 28، ادعى ابن تيمية أن الأئمة الأربعة وغيرهم “متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض ‏العنوة كأرض مصر والسواد بالعراق وبرّ الشام ونحو ذلك مجتهداً في ذلك ومتبعاً في ذلك لمن يرى ‏ذلك لم يكن ذلك ظلما منه، بل تجب طاعته” ويضيف “لا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة ‏إذا فتحت”‏.

[20]  قد يوجد شيوخ وفقهاء يخالفون بعضاً مما سنذكر، لكن هذا لا يلغي أن هناك كثيرين من الشيوخ أقروا هذه الأحكام.

[21]  المرجع 14.

[22]  موقع إسلام ويب، الفتوى رقم 33323، “الحكمة من كون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل”.

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=33323

[23]  راجع تفسير الطبري وابن كثير والسعدي للآية 54 من سورة الأعراف، كلهم قالوا “(فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة”. أما البغوي فقد قال: “أراد به في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها, ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء, قيل: ستة أيام كأيام الآخرة وكل يوم كألف سنة. وقيل: كأيام الدنيا, قال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادراً على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة, فخلقهن في ستة أيام”.

[24]  راجع تفاسير القدماء لكلمة “دحاها” في الآية 30 من سورة النازعات:

وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا.

وكذلك تفسيرهم لـ (وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ) في الآية 34 من سورة لقمان:

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

وتفسيرهم لـ (عَيْنٍ حَمِئَةٍ) في الآية 86 من سورة الكهف:

حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا.

في هذه التفاسير كلها من الواضح أن قلة علم المفسرين في زمانهم لم تمكنهم من فهم الآيات بشكلها الصحيح.

[25]  لعل منهج الدكتور محمد شحرور في القراءة المعاصرة للقرآن والكتاب يشكل أهم ما قدمه مفكر في مجال تأويل النص بما يلائم الزمن، مع المحافظة على جوهر الإيمان والعقيدة.

[26]  المرجع 1.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.