أخطار الطائفية السياسية

 

بعد عقد ونصف على الاحتلال الأمريكي للعراق. وبعد سبعة أعوام من انطلاقة الثورة السورية المجيدة، نجد أن القوى السياسية والعسكرية المتصارعة التي تملأ المشهد الراهن في العراق وسوريا ولبنان واليمن، هي قوى طائفية، وهي صادمة للعقول لأنها تعبر عن صراع طائفي مكشوف بين “السنة” و “الشيعة”، وباقي المكونات الطائفية، وغياب الأحزاب السياسية الوطنية. بحيث يمكن تسمية هذا العصر بعصر “الصراع الطائفي”.

وهذا المشهد يدفعنا إلى تفحص تاريخنا، و”إن كان حقاً قيل إن الحاضر لا يمكن فهمه إلا بعد دراسة الماضي، فإن من الصواب أيضاً أن الماضي لا يمكن فهمه، فهماً تاماً من دون التعرف الكافي إلى الحاضر”(1)، إذ تطغى الطائفية السياسية، وتقف في وجه الوطنية، والديمقراطية ودولة المواطنة والعدالة.

الهدف من هذا البحث، وبوساطة المنهج التاريخي -وهو المنهج المتبع في هذه الدراسة- يدفعنا إلى العودة إلى الماضي، للبحث في أصول الإشكالية التي نعالجها، وهي الطائفية والصراع الطائفي، أي صراع المتشابهات، والبحث عن الأسباب التاريخية التي أعاقت حلها، ثم العودة إلى الحاضر وتشريح الإشكالية الراهنة-التاريخية، ستجعلنا أقرب إلى مقاربتها ومعرفة العوامل التي تغذي استمرارها حتى الآن.

  • الطائفية، وصراع المتشابهات

يشير فالح عبد الجبار إلى “أن الشيعية والسنية ليست من المصطلحات التحليلية السوسيولوجية الملائمة لأنهما تطمسان فوارق قائمة بين فئات وجماعات مثل، الفوارق الطبقية وحتى الجهوية وغيرها، وتخلقان فوارق أخرى غير قائمة في الواقع”. “وهذا صحيح، إلا إذا نجحت الطائفية السياسية في تحويلها إلى طوائف متخيلة، فسوف يصبح من الضروري أخذها بالحسبان”(2). هذه المفهومات وهذه الطائفية هي الطاغية الآن في مشهد الصراع.

والمتشابهات في الوجود الاجتماعي لا تحصى، لكن المقصود هنا بصراع المتشابهات، الصراع الديني والطائفي. فالتشابه في البنية الأيديولوجية المغلقة، مثل (إسلام-مسيحية، سنة-شيعة). وهو صراع وجودي مغلق، يعمل على الانقسام العمودي للمجتمع وتدمير النسيج الاجتماعي. وهو صراع مدمّر ذاتي للمجتمع، ويدور في دائرة مغلقة، ودائماً يجر المجتمع إلى الوراء ويجعله محكوماً بالماضي. وهو يختلف جذرياً عن الصراع الجدلي للتناقضات الاجتماعية، بالمعنى الهيغلي أو الماركسي، الذي ينقل المجتمع إلى تركيب جديد أكثر تطوراً من السابق، ويكون المستقبل هو المنشود. وبذلك يحكم الحاضر الماضي ويتجاوزه، ويرسم خطوات المستقبل.

وفي موضوعنا سنستخدم مصطلح الطائفة، كجماعة مرتبطة بالعقيدة الدينية بشكل خاص، كما هو سائد في منطقتنا.

ومن التاريخ القديم، نجد أن وجود الطوائف في التاريخ البشري نتاج طبيعي للاجتماع البشري. وذلك لتنوّع القراءات والتأويلات للكتاب المقدس. ويعود التشكّل التاريخي للطوائف في المجتمعات القديمة إلى مرحلة ظهور الأديان التوحيدية الثلاثة “اليهودية والمسيحية والإسلام“، إذ لم تكن محصورة في شعب واحد، أو عرق واحد، كما هو الحال عند الحضارات القديمة مثل بابل وآشور ومصر…إلخ التي جرى توصيفها بالوثنيات، أو الأساطير. إنما انتشرت هذه الأديان بين الشعوب والأعراق الموجودة على الأرض كلها، سواء بالتبشير والإقناع، أم بالغزو العسكري وفرض الدين بالقوة. وهذا الانتشار الواسع بين الشعوب المختلفة لغوياً وثقافياً وجغرافياً، أدّى إلى قراءات وتأويلات مختلفة للنص المقدس النبوي الأصلي، ومن ثم إلى تشكّل الطوائف الدينية في المجتمع الواحد، أو المجتمعات المتعددة. وهذا يعني أن تشكّل الطوائف هو نتاج طبيعي للتفاعل الاجتماعي الثقافي والديني بين أفراد المجتمع الواحد من جهة، والمجتمعات المختلفة من جهة ثانية، وهذا يعبر أيضاً، عن حيويّة الدين، وقابليته للتأويل، والفهم المختلف، والتأقلم مع الثقافات المجتمعية المختلفة.

وهكذا كانت بداية انقسام الطوائف اليهودية في العصر الهيليني (من أوائل القرن الرابع قبل الميلاد حتى موت الإسكندر المقدوني 323ق.م) الذي شهد عظمة الثقافة الإغريقية الفكرية والعلمية والفلسفية. إذ انقسمت اليهودية إلى “الحسيدين” الذين تفرعوا إلى الفريسيين، والأسينيين الذين دافعوا عن الشريعة والطقوس القديمة، ومركزهم الأساسي في فلسطين. والصدوقيين الذين كانوا يمثلون الاتجاه الهيليني في اليهودية، نتيجة تأثرهم بالثقافة الإغريقية وفلسفتها.

وكذلك حصل الانقسام الأول في المسيحية، في مجمع “خلقدونيا” بجانب القسطنطينية عام (451م)، إذ اجتمع 500 من الأساقفة بطلب من الإمبراطور الروماني، ليناقشوا مسائل عقائدية وإيمانية تتعلق بالإيمان، وطبيعة “المسيح”، بين الكنيستين الشرقية والغربية، فأصبحت كنائس الشرق بقيادة كنيسة الإسكندرية تُعرف بالكنائس “الأرثوذكسية” التي تعني باليونانية “الرأي الحق أو الرأي المستقيم”، وكنائس الغرب بقيادة كنيسة روما وسُميت بالكنائس “الكاثوليكية” التي تعني “العالمية”.

ما يهمنا هنا هو أن التشكل الأولي للطوائف في اليهودية والمسيحية، يرجع بالدرجة الأولى إلى أسباب عقائدية، لأن الديانتين لم تؤسسا لدول دينية. على الرغم من أن اليهودية حاولت تأسيس ذلك، ونجحت في تأسيس بعض الإمارات الصغيرة، مثل “مملكة إسرائيل، ومملكة يهوذا” في القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد(3). إلا أنها فشلت في النهاية بالاستقرار في أرض موحّدة، وشعب ودولة موحدة، إلا في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تؤسس في المرحلة الراهنة لدولة دينية. والمسيحية لم تدعُ بالأصل إلى إقامة دولة مسيحية. وكما قال المسيح “مملكتي ليست من هذا العالم” (يوحنا37).

وكما يلاحظ يوسف زيدان أنه في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية “لم تشن حرباً واحدة نظامية بين المؤمنين وغير المؤمنين من الوثنيين واليهود والهراطقة، وكانت المجامع المسكونية (في نيقية 325، القسطنطينية الأول 381، إفسوس الأول 431، إفسوس الثاني 448، خلقدونيا 451)، تلتئم دوماً لمناقشة مشكلات عقائدية تدور بشكل أو آخر حول طبيعة المسيح”(4). وكان الرومان -وكذلك اليونانيون- “متسامحين في موقعهم تجاه الديانات الأخرى، لأنهم كانوا يعتقدون بوجود آلهة متعددة، ولذلك سمحوا بوجود حتى العبادة المصرية واليهودية والمسيحية في عاصمة إمبراطورتيهم، وكانت سياستهم في شؤون الدين تقوم على مبدأ “عش ودع الآخرين يعيشون”. إنما على الجميع أن يشارك في مراسم الاحتفال السنوية والاحترام لآلهة الدولة حين يطلب الإمبراطور ذلك”(5).

إلا أنه منذ تدخل السياسة، أي تدخل الإمبراطور الروماني في هذه المجامع المسيحية، بعد الاعتراف بالمسيحية ديناً رسمياً في (313م)، ثم ديناً رسمياً للإمبراطورية في (391م)، “أصبح السجال الكريستولوجي سجالاً دينياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. وصار مرآة للصراع بين الكنائس الكبرى، والمذاهب المختلفة. لكن القرار النهائي الفيصل للإمبراطور”(6). وبعد فشل مجمع خلقيدونية، أصبح العنف الإمبراطوري البيزنطي كبيراً ضد الكنيسة الإسكندرانية، وسالت دماء مئات الألوف من الذين كانوا يعارضون الإمبراطور ومذهبه، وكنيسته. وسعيه للسيطرة على مصر ونبيذها وخيراتها. ولم ينحصر الصراع بين الكنائس فقط، إنما “تحول المسيحيون من مُضطهَدين إلى جلادين، ومنعوا الدين الروماني القديم، بحجة الوثنية، ولاحقوا أتباعه حتى آخر رجل” كما يلاحظ أمين معلوف في “الهويات القاتلة”. “واستمر هذا الوضع ثلاثة قرون، حتى فتح الإسلام للإسكندرية، حيث التحم الأساقفة بالسياسة وطالبوا بملكوت الأرض، وتركوا شعوبهم يطالبون بملكوت السماء كما بشر بذلك المسيح”.(7) . ومنذ ذلك الوقت بدأت الطوائف المسيحية بالتكاثر. إلا أن الانشقاق الأكبر في تاريخ الشعوب المسيحية، كان مع ظهور البروتستانتية -(المحتجون)- التي انشقت عن الكاثوليكية على يد مارتن لوثر في منتصف القرن السادس عشر. وانقسمت أوروبا مذهبياً بين البروتستانت في (أوروبا الشمالية الاسكندنافية الإنكليزية)، والكاثوليك في أوروبا الجنوبية اللاتينية. “وكان هذا الانقسام هو الأعنف والأكثر وحشية في تاريخ الانقسام الديني في العالم أجمع. وقد تخللته حروب وعمليات إبادة لملايين الناس الأبرياء بصورة تفوق الوصف”(8).

وكان أكثرها دموية حرب الثلاثين عاماً (1618-1648)، إذ دمرت عشرات آلاف المدن والقرى، وانخفض عدد سكان ألمانيا -مثلاً- بمقدار (30 في المئة) -من عشرين مليوناً إلى ثلاثة عشر- والذكور إلى النصف. “وقد دفعت الأزمة البيولوجية الناتجة من الحرب (وفرة في عدد النساء، وقلة في عدد الرجال)، للعودة إلى العهد القديم   والسماح للذكر بأن يتزوج زوجتين”(9). ومن المفيد ذكر أن انطلاقة الحرب كانت دينية، عندما حاول حاكم بوهيميا (تشيكيا حالياً) أن يفرض المذهب الكاثوليكي على السكان، إلا أنها “انتهت بوصفها صراعاً سياسياً من أجل السيطرة على الدول الأخرى، بين فرنسا والنمسا، بل يعد السبب الرئيس في نظر البعض”(10).

  • الطائفية؛ البحث في الجذور الاسلامية

من حيث الجوهر لا يختلف مفهوم الطائفية ومضامينها في الديانات المختلفة وبخاصة بين المسيحيّة والإسلام.  لكن يمكن أن نلاحظ الخلاف في صيرورة تشكل الطوائف.  إذ يتجلّى أمامنا منذ بدايات تشكّل الدولة العربية الإسلامية أولويّة أو أسبقية الصراع السياسي على الحوار الفقهي-الديني.

وقد ساعدت الأوضاع الاجتماعية والجغرافية النبي محمد (ص) لكي يعمل على تشكيل دولة دينية إسلامية، مركزها المدينة، وفق “دستور المدينة المنورة” الذي أوقف القتال بين القبائل، وبين المهاجرين والأنصار، وشعبها يتكلم لغة واحدة هي العربية. إذ اكتملت عناصر الهوية. أي اللغة والدين؛ وهما الأساس الذي بُنيت عليه الإمبراطورية العربية-الإسلامية.

ومنذ وفاة النبي (11هجري)، وقبل أن يحصل الدفن بدأ الصراع السياسي على الحكم في سقيفة بني ساعدة. وهو الخلاف الأعظم بين المسلمين كما وصفه الشهرستاني “إن أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة. إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان”(12).

وتقدم المراجع التاريخية معلومات متناقضة حول الاختيار السلمي لأبي بكر بوصفه أول خليفة للنبي. ثم إن هذا الاختيار كان مترافقاً مع العنف السياسي كما يذكر الطبري. حيث لم يجرِ اختيار “أبي بكر” خليفة للرسول (11-13ه) بالإجماع أو التوافق. إنما جاء بالدعم، والضغط من عمر وتهديده لعلي بن أبي طالب، والزبير، بقوله: “لتبايعا وأنتما طائعان، أو لتبايعا وأنتما كارهان، فبايعا”(13) ويروي بعضهم أن علياً لم يبايع أبا بكر إلا بعد ستة أشهر من وفاة الرسول وبعد وفاة زوجته فاطمة التي لم تكن راضية على خلافة أبي بكر.

ثم أوصى أبو بكر لعمر بالخلافة إلى أن قُتل (23ه-644م) بخنجر مسموم على يد أبي لؤلؤة المجوسي. ثم عثمان بن عفان (23-35)، جاء باختيار مجلس الشورى الذي أوصى به عمر، إذ رفض علي نهج الشيخين (أبي بكر وعمر)، وقال إنه يفضل نهج النبي واجتهاده الشخصي (الطبري). وأيضاً مات مقتولاً.

ثم انتخاب علي (35-40)، وعلى الرغم من كل فضائله وعلمه، إلا أن اغتيال عثمان، وانتخاب علي فتح الأبواب أمام صراع سياسي عنيف ومكشوف بينه وبين الأمويين بقيادة معاوية. وكانت معركة “الجمل” (36ه) في البصرة بقيادة عائشة زوجة الرسول ومناصرة الزبير، انتهت بانتصار علي. ثم معركة صفين (37ه)، على ضفاف الفرات التي انتهت بالتحكيم، وخداع عمرو بن العاص التي أدت إلى انشقاق في جماعة علي ورفضهم التحكيم (الخوارج)، ثم قتالهم لعلي وأخيراً اغتياله (40ه-661م). وانتهت بذلك الخلافة الراشدية، وبدأت الخلافة الأموية الوراثية.

وكانت معركة كربلاء (61ه-689م)، ومقتل الحسين وإبادة من معه من شيعة علي، بداية لصراع سياسي دموي في الحقب التالية كلها.

وتُشير المعلومات التاريخية إلى أن الصراع السياسي على السلطة قد بدأ في الدولة الإسلامية الوليدة قبل تشكل الطوائف المذهبية. والانقسام الأول في المجتمع الإسلامي الوليد هو انقسام سياسي، صراع سياسي على السلطة رافقه عنف دموي. وبدأ في البداية، قبلي-عشائري كما جرى في السقيفة، بين المهاجرين “قريش”، وهي قبيلة النبي من جهة، وقبيلتي الأنصار “الأوس والخزرج”، من جهة ثانية. ولم يكن للعامل الديني أي دور في اختيار الخليفة. ثم في ما بعد مع توسّع الفتوحات، امتد الانقسام جغرافياً بين أنصار معاوية (قسم من قريش وأهل الشام)، وأنصار علي (العراق ومصر والحجاز وغيرها). بين مؤيد لحكم الأمويين، ومعارض لهم.

“ومع قيام الدولة الأموية، أصبحت العراق مركزاً لعدد من المعارضات. الخوارج، ثم ظهرت القدرية، والجهمية، والجعدية، والمعتزلة، وغيرها، إضافة إلى شيعة علي (الموالين لعلي)، والمختلفين عن الإثني عشرية كما نراها اليوم”(14). وكانت هذه المعارضات تسمى فرقاً كلامية، وليست طوائف. وكلمة طائفة لم تكن محصورة دينياً في العهود القديمة، إنما كانت ذات دلالة محايدة. كانت توصف الحرف وفصائلها، مثل التجار، والطلاب، وغيرهم. وكانت الحوارات تدور حول الخلافة، أو الإمامة، أي حول السلطة وشرعيتها، إضافة إلى مسائل دينية عقائدية مثل: خلق القرآن أو أزليته، ويوم القيامة، وجنس الملائكة …إلخ التي أثارها “المعتزلة” الذين تلقوا الدعم من الخليفة المأمون الذي أعلن الاعتزال عقيدة الدولة.

وكان انتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين دموياً. إذ أبيدت السلالة الأموية، ونهبت بيوتها ودُمرت، وحتى القبور نبشت. ولم تكتسب الصراعات والانتفاضات ضد الأمويين، ومن بعدهم العباسيين، الصفة الطائفية “الشيعية”، على الرغم من أن أغلب قيادتها من الشيعة.

أولا، لأن الشيعة كانوا جزءاً من المعارضات آنذاك، ضد الظلم الذي فرضه الأمويون على معارضيهم كلهم. وكان كثير من أهل السنة يقفون إلى جانب الشيعة ضد ظلم الأمويين، والعباسيين لهم. مثل وقوف أبي حنيفة (80ه-150)، وهو أول الأئمة عند أهل السنة، إلى جانب تمرد الشيعة ضد الأمويين والعباسيين، إذ جرى سجنه بأمر من الخليفة العباسي، لأنه رفض تولي أمر القضاء، حتى وفاته عام (150ه).

وثانياً، لم تتحول فرقة الموالين لعلي (شيعة علي) إلى مذهب ديني، أو طائفة دينية، إلا في أواخر العهد الأموي، وبداية العباسي، على يد محمد الباقر (57-114ه)، وابنه جعفر الصادق (80-150ه) الذي يُعدّ المؤسس الفعلي للمذهب الشيعي، ابتعد عن السياسة وفق مبدأ “التقية” السياسية، كي يتفرغ لتأسيس الفقه المذهبي للشيعة.

وبالمقابل لم يتأسس “التسنن” كطائفة دينية إلا مع “القرن الثالث الهجري بدعم من الخليفة العباسي المتوكل (205-247ه) الذي أعلن الحرب على الفرق الإسلامية كلها، ودعا إلى فرقة مرتبطة به، وتستند إلى سنة النبي (ص) استناداً شرعياً، بعيداً عن الملابسات السياسية التي حكمت سلوك الفقهاء السابقين. وكان شاعر المتوكل -علي بن الجهم- الذي كان يهجو علي بالاسم، أول من استعمل كلمة “سني”(15).

“وأجواء تشكل المذاهب ومأسستها تُشير إلى تثبيت شرعية السلطان، ولضبط التدين الشعبي الخارج عن تأثير الحكم”. وكانت أولى النتائج بشكل رجعي. أي عودة لتفسير الصراعات التاريخية، وأهمها حول الإمامة، بما يتوافق مع الحدود التي رسمها كل مذهب بعينه. فأصبح علي مقابل أبي بكر، وباقي الصحابة إلى حد جعله نبياً. مقابل التسنن الذي توافق مع الراشدين، ومن ضمنهم علي.

وبذلك أُسدل الستار على العصر الإسلامي الذهبي الذي خلاله سادت الحوارات الفقهية الحرة، والترجمات الكبرى للفلسفة اليونانية، وتأسيس بيت الحكمة، وتطورت العلوم على الصعد كافة. وجرى الاعتراف بالأئمة الأربعة: أبي حنيفة (80-150)، ومالك بن أنس (93-179)، والشافعي (150-204)، وبن حنبل (164-241ه).

“وتكرّس الانقسام بين الشيعة والسنة خلال القرن الثالث والرابع للهجرة، حيث خلت الساحة لهما بعد زوال المعتزلة والأشاعرة، وانحسار المد الباطني الإسماعيلي في سوريا، وانكفاء الخوارج في عمان، والزيدية في اليمن، وأصبح السنة هم الأكثرية المطلقة عالمياً. وبقي الشيعة طائفة صغيرة حتى بعد اكتسابهم القوة بتشييع إيران في العصر الصفوي في القرن السابع عشر الميلادي” (16)

وقد دخل الصراع في مرحلة أكثر دموية مع دخول “البويهيين” بغداد (321ه)، في عهد الخليفة العباسي “المستكفي”، مع بداية القرن الرابع الهجري، وأصبح التشيع علنياً في مرحلة سيطرة بني بويه. وسمح لهم لأول مرة بممارسة طقوس عاشوراء. “كما يورده ابن كثير في البداية والنهاية”. ثم انتهاء مرحلة البويهيين على يد السلاجقة الأتراك (447ه) الذين أعادوا المذهب “السني” للخلافة المنهارة، حتى سقوط بغداد “656ه-1258م”.

ولم يتوقف الصراع الشيعي-السني مع انتقال الخلافة إلى العثمانيين. إذ بدأ الصراع مع الدولة الصفوية منذ بدايات تشكلها (1501)، وانتصار العثمانيين عليهم، في معركة “جالديران” (1514م)، ثم احتلال العثمانيين لبلاد الشام وطرد المماليك المتحالفين مع الصفويين بعد معركة مرج دابق (1516). ولم يتوقف الصراع حتى انهيار الدولة الصفوية (1736).

وكانت ساحة الصراع الرئيسية بين العثمانيين والصفويين في العراق. إذ استطاع الصفويون احتلال بغداد (1624م)، ثم استعادها العثمانيون في (1635). وبالتأكيد كان “أساس الصراع بينهما جيوبولتيكي على منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى”(17)، لكن تحت راية الأيديولوجيا المذهبية. إذ قام الصفويون بتحويل الإيرانيين من مذهب السنة إلى التشيع. ومحاولتهم تشييع أهل بغداد عند احتلالها حيث قتلوا فقهاء السنة وعلماءهم. وكذلك قام العثمانيون بالأعمال نفسها عندما استعادوا بغداد والعراق كاملاً، حتى سقوط الإمبراطورية العثمانية. وهذا كان يحصل في الصراعات التاريخية كلها. فالطرف المنتصر يفرض مذهبه على الشعب، ويقوم بأعمال القتل والتدمير للرموز الدينية والثقافية كلها وحتى نبش القبور. وعندما ينتصر المذهب المعاكس يقوم بالأفعال نفسها. “قام الصراع الصفوي العثماني على تسريع تائر بناء المؤسسة الفقهية العثمانية، ومأسستها على أساس المذهبية الحنفية”.

لكن “اضطهاد الشيعة خلال المرحلة العثمانية، كان أكبر من باقي الأقليات، بسبب الخلاف المذهبي. إذ لم يعترف فقهاء الشيعة بشرعية الخلافة العثمانية (السنية-الحنفية المذهب)، وكان الرد العثماني الاعتماد على فتاوى فقهاء السنة بجواز قتل الشيعة بوصفهم مرتدين عن الإسلام. وكانوا غير مقبولين في الجيش العثماني، ووظائف الدولة، ومدارسها”(18).

وكانت طقوس عاشوراء ممنوعة في العراق حتى (1831م)، إذ سمح بها الوالي “علي رضا باشا” الذي كان “بكتاشيا” يحب أهل البيت والأئمة الإثني عشرية. وكذلك المواكب الحسينية، وطقوس العزاء، ومسيرات زيارات ضريح الحسين في كربلاء.

وشمل الاضطهاد والقتل أيضا “العلويين” الذين اتخذوا اسم “النصيريين”، أو “النميريين” نسبة إلى “محمد بن نصير النميري-توفي 270هجري” الذي انشق عن الإثني عشرية الشيعية، ونصب نفسه بابا، أو “مكلفاً لشؤون الإمام الغائب.” “وهذا الانشقاق كان خروجاً سياسياً عن الإثني عشرية، وجوهر الخلاف على إدارة شؤون الإمام الغائب”. وأصبح الخلاف بين الشيعة والعلويين حول شخصية بن نصير الذي يعدّونه الشيعة شخصاً سيئاً”. وبالمقابل كانت “فتاوى الحامدية للسلطان سليم العثماني جميعها تدعو إلى قتالهم، “لأنهم أشد الناس كفراً “وبحسب فتوى بن تيمية أيضاً. وتم ملاحقتهم وقتلهم في كل المراحل، وخاصة في حلب وجبال كسروان في لبنان، ومطاردتهم حتى سكن المتبقي منهم في الجبال. وبالإضافة للتكفير تم إلصاق كل التهم السيئة بهم. ومنها اتهامهم بشرب الخمر، وإقامة ليلة “الماشوش، أو الحاشوش، أو الكفشة”. وهي من طقوس الجنس الجماعي. “ولذلك ظلوا لفترة طويلة بعيدين عن ممارسة الإسلام كعبادة ومعاملات، وذلك بسبب عزلتهم وتقوقعهم على ذاتهم، وهيمنة التقاليد الصوفية عليهم. وهم لم يبدؤوا ببناء المساجد، وممارسة صلاة الجمعة والجماعة إلا في منتصف القرن الثالث عشر الهجري”. “وفي محاولات لفك العزلة والاقتراب من بقية المسلمين، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، بدؤوا الاتصال بعلماء الجعفرية بجبل عامل والنجف، لتأكيد صفة الإسلام والتشيع، والتخلص من تسمية النصيرية. ومنذ 1948 بدأ النجف باستقبال الطلبة العلويين للدراسة الدينية، وكذلك اعتراف مفتي سورية في 1952 بالعلويين كشيعة جعفريين، كمذهب خامس”.(19).

  • التدخل الأجنبي/ الاستقلال

كان “نظام الملل” العثماني ينظم علاقة الدولة مع أفراد المجتمع وفق انتمائهم الطائفي. إلا أنه رسخ التقوقع الطائفي والمذهبي في المجتمع.

وخلال القرن التاسع عشر “اتسع التصدّع القديم عبر القرون المختلفة بين السنة والأقليات الدينية، نتيجة التدخل الروسي والفرنسي والبريطاني في شؤون الخلافة بحجة حماية الأقليات، مما ولَد كراهية السنة للأقليات واعتبارهم خونة”(20). والإصلاحات الإدارية مثل، قانون “التنظيمات وقانون “الخط الهمايوني” عام (1856)، لم تمنع الصراع الطائفي والمجازر التي حدثت في لبنان، مثلاً، عام (1860) بين الموارنة المدعومين من فرنسا والدروز المدعومين من العثمانيين.

في العموم “كانت المجموعات المحلية العشائرية واللغوية والدينية تشكل في مجموعها جاليات مغلقة. وكانت هذه الجاليات هامشية وبعيدة عن السلطة وصنع القرار التاريخي”(21). “وظل نظام المجتمع المغلق سارياً خلال النصف الأول من القرن العشرين الذي سماه في الأربعينيات (جاك ويلرس) بعقدة الأقليات، ووصفها كالآتي، “حساسية جماعية مرضية تجعل أي تحرك لجالية مجاورة يبدو وكأنه خطر محقق، أو تحد لهذه الجالية، فتقوم بتوحيد كل المجموعة بالكامل أمام أدنى هجوم أو تعد يُرتكب ضد أي من أعضائها” (22)

ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتبدد حلم العرب بإقامة دولتهم القومية. حين عمل الانتداب الفرنسي في سوريا على “تحريض الولاءات الطائفية، والتقسيم الطائفي للمدن السورية”، وكذلك “تجنيد العلويين والأقليات في الجيش واستخدامهم لقمع الفتن والانتفاضات”(23)، ما ساهم في مزيد من العداء الطائفي بين “السنة” من جهة، وباقي الأقليات من جهة أخرى. لكن التقسيمات الطائفية للمدن السورية اللامنطقية، قد رُفِضت من السوريين بطوائفهم كافة، في موقف وطني مشترك.

و”عندما نالت سوريا استقلالها عام (1946)، كانت دولة في كثير من النواحي، من دون أن تكون أمة، وكانت كياناً سياسياً، من دون أن تكون مجتمعاً سياسياً”(24). إذ كان الشعب السوري ممزقاً بين ولاءاته المناطقية والطائفية الداخلية من جهة، والانتماءات القومية والإقليمية من جهة أخرى.

وإن هشاشة في “الطبقة” السياسية، ونظام المجتمع المغلق عموماً، والتنافس الانقلابي على السلطة، جعل من الجيش الأداة الأهم في الحياة السياسية، وانقلاباته المستمرة التي بلغت عشرة انقلابات بين عامي (1946-1970). بمعدل انقلاب في كل عامين.

ومع كل انقلاب كان يرافقه تصفية جديدة، ومحاولة لتفصيل دستور جديد. ولذلك اكتسب تركيب الجيش أهمية قصوى. وقد تزايد عدد المنتسبين إلى الجيش من الطبقات الوسطى والفقيرة بعد الاستقلال، مترافقاً مع تشكل البذور الطائفية الأولى في الجيش. وبحسب بطاطو “في عام 1955 بلغ عدد ضباط الصف من العلويين نسبة 55 في المئة”. (25).

بعد انقلاب الانفصال (1961) أصبح الاستقطاب الطائفي أكثر وضوحاً. إذ “وصل الضباط الدمشقيون إلى أوج قوتهم بقيادة “النحلاوي”، لكن سرعان ما انهارت قوتهم، بسبب “عدم دعمهم من غير الدمشقيين”، وبسبب “عدم طاعة الجنود وضباط الصف لأوامر قادتهم الدمشقيين بتحريض من الشيوخ العلويين والسنيين”(26) “وتم طرد النحلاوي ومن معه من الضباط الدمشقيين (1962) واستبدالهم بضباط من الريف يضمرون الحقد والكراهية للدمشقيين”(27).

لكن على الرغم من أن نظام المجتمع المغلق، كان يتضمن الطائفية الكامنة في “عقدة الأقليات”. إلا أن التاريخ لم يسجل -بحدود معلوماتي- أي صراعات دينية، أو طائفية عنيفة، منذ الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية، وحتى صعود البعث. بالعكس استطاعت الروح الوطنية التي قاومت الانتداب الفرنسي، أن تتغلب على التقسيمات الطائفية التي عمل عليها الفرنسيون، وتحاول إعادة الوطنية السورية. وكذلك بعد الاستقلال، لم يكن للعامل الطائفي أي دور في الصراعات السياسية، والانقلابات العسكرية التي سادت في تلك المرحلة. وربما يعود ذلك إلى أن اللاعبين السياسيين، بمن فيهم جنرالات الانقلابات، كانوا من “السنة”، والإسلام السياسي الممثل بــ “الإخوان المسلمين” لم يتجذر ويكتسب القوة السياسية والاجتماعية والعسكرية، في الساحة.  لكن الطائفية في سوريا بدأت مع انقلاب البعث عام (1963)، وترسخت مع انقلاب (1970).

  • البحث في المفهوم

الطائفة، لغوياً: مشتقة من (طاف، يطوف)، أي يدور حول المنزل، أو حول شيء ما. والطائفة، جمع طوائف، اصطلاحاً هي “جماعة، أو فرقة، يجمع أفرادها مذهب واحد”. و”الطائفة من الشيء، جزء منه”، كما ورد في لسان العرب، ولا خلاف عليه بين أهل اللغة، والمتوافق مع المعنى الذي ورد في القرآن الكريم:

 وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا(28).

وهناك من يميّز بين الطائفة، والفرقة. وتدل الفرقة على “التفريق والاختلاف”، وهي: طائفة من الناس عندها معتقد معيّن، قد يتعلق بأصول العقيدة، مثل: فرقة الخوارج، وفرقة المعتزلة. في حين يطلق اسم مذهب على المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي لأن الخلاف بين هذه المذاهب كان في فروع الدين وليس أصوله.

وفي علم الاجتماع الحديث لم يعد مصطلح “الطائفة” مقتصراً على الخلاف في العقيدة الدينية فقط، إنما يشمل الاختلافات الاجتماعية واللغوية والثقافية؛ ومن ثم تكون الطائفة من وجهة نظر علم الاجتماع، “كل جماعة مختلفة بمثابة جماعة طائفية سواء كانت دينية، أو مذهبية، أو لغوية، أو حتى جماعة ذات نمط اجتماعي معيشي متميز مثل البدو والغجر”.

  • يمكننا استنتاج مسألتين مهمتين من هذه القراءة الجزئية للصراعات التاريخية

الأولى:

إن انقسام المجتمع إلى طوائف متنوعة هو نتاج طبيعي للآراء المختلفة حول الكون وتنظيم المجتمع. وإن قابلية النص للتأويل، والتفسير المختلف هو مؤشر إلى غنى النص وحيويته. لكن في حالة النص الديني، يكتسب الحوار والتأويل خصوصيته بسبب قداسة النص الديني الذي يجعل مساحة الحوار محدودة، وضيقة إلى حد ما. وكذلك يقدم لنا التاريخ أنه يمكن للطوائف الدينية التعايش جنباً إلى جنب بشكل سلمي، طالما اقتصر الصراع على حوار فكري-عقائدي كما حصل في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية. وكما حصل أيضاً بعد انتهاء الحروب المذهبية الأوروبية، مع الثورة الفرنسية (1789)، التي كانت البوابة الأوروبية الأولى والرئيسة لإسقاط الملكية، والأيديولوجيا الكنسية الدينية التي كانت تقدم للملك الشرعية وفق نظرية “الحق الإلهي في الحكم”، وبناء الدولة القومية الحديثة، تحت شعار الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

والثانية:

عندما يصبح الدين، أيديولوجيا الدولة، أي عندما تسيطر السياسة على الدين وتختار مذهباً، أو أيديولوجيا طائفة ما، وتستبعد الطوائف الأخرى، تنعدم مساحة الحوار، ويحل محل الحوار، الصراع الدموي على السلطة. وتتشكل الطائفية السياسية، وهي بالأساس صراع سياسي على السلطة، وهي:

– التي تعمل على تحويل هذه العقائد المتنوعة، إلى منظومة فكرية عقائدية مغلقة غير قابلة للتغيير.

أولاً: بإنشاء “السياجات الدوغمائية المغلقة” بين الطوائف، بتعبير محمد أركون.

ثانياً: وعدّها عقائد سامية وأفضل من العقائد الأخرى كلها.

ثالثاً: ولا تقبل الحوار مع الآخر رابعاً.

فالطائفية السياسية، هي استخدام الدين، أو المذهب الديني، بوصفه أيديولوجيا لتحقيق أهداف سياسية، والوصول إلى السلطة. وغالباً يعمل عليها سياسيون ليسوا متدينين، والأمثلة لا تحصى بدءاً من قسطنطين الروماني، مروراً ببعض الخلفاء الإسلاميين، وملوك أوروبا في العصور الوسطى، حتى ممثلي الطائفية السياسية في لبنان حالياً. إنما يستخدم هؤلاء رجال الدين وأيديولوجيتهم لتسويغ الحاكم وشرعنته.

والطائفية السياسية هي التي تنقل الطوائف من موقعها الطبيعي كأجزاء من المجتمع متشاركين في العيش المشترك، إلى وحدات اجتماعية طائفية مغلقة متصارعة. وتتشكّل الطائفية الاجتماعية إذا صح التعبير، والشخص الطائفي بوصفه عضواً في الطائفة أولاً، وليس فرداً حراً في المجتمع الذي يعرّفه معجم أوكسفورد (The sectarian person) بأنه: “الشخص الذي يتبع بشكل متعنت طائفة معينة، ويرفض الاعتراف بالطوائف الأخرى، ويسلب حقوقها بدافع التعصّب لطائفته في جميع الظروف والأحوال”.

“واصل الطائفية ليس بوجود التعدد المذهبي والديني في المجتمع، كما هو في التصور الإستاتيكي، والطائفية داخل الدولة ليست انعكاساً للطائفية داخل المجتمع، إنما أصل الطائفية هو في غياب الدولة-الأمة”(29). ويرى غليون أن الطائفية هي “السوق السوداء أو الموازية للسياسة الطبيعية، وهي ممارسة سياسية ملتوية في ميدان الصراع على السلطة بالمعنى الواسع للكلمة، لا نزوعاً طبيعياً لدى الطوائف أو الجماعات إلى نشر دينها وقيمها؛ وهذا يعني أنه لا علاقة للطائفية بتعدد الطوائف أو الديانات”(30).

ويصف عزمي بشارة الطائفية السياسية، بالطائفية المتخيلة “فالطائفية في العالم العربي اليوم تعبر عن سيرورة معاكسة للتجربة الأوروبية -التي أنشأت دولها الديمقراطية الحديثة بعد الحروب الدينية- أي فشل الدولة الوطنية معطوفاً على الصراعات الإقليمية أدى إلى الطائفية السياسية، ونشوء الطوائف المتخيلة”. “فيقصد بالطائفية في عصرنا هم اتباع دين أو مذهب سواء تشكلوا اجتماعيا فعلاً أم لا. إلا أنهم يتخيلون أنفسهم كأنهم جماعة مع أنهم ليسوا كذلك، لذلك نقول طائفة متخيلة”. “والطائفية هي ظاهرة سياسية واجتماعية ويجب مواجهتها، وهي ليست مؤامرة للتجزئة، أو هي حالة أبدية مزروعة منذ الأزل”. “إنما الطوائف هي نتاج العصر الحديث، حين أصبح ممكناً مشاركة العامة في السياسة”. “وظاهرة الطائفية السياسية ممكنة في المجتمعات الحديثة التي لم تنجز فيها سيرورة الحداثة، وعلمنة الوعي الاجتماعي” “وهي نتاج للعلمنة المتأخرة أو المعاقة التي لم تستطع إقامة دولة المواطنين”. مثل مجتمعاتنا العربية. لأن الطائفية لا تنمو في المجتمعات التي سلكت طريق الحداثة والعلمانية.

وهناك تمييز بين الطائفية والقومية، إذ تعتمد الثانية على اللغة والثقافة، وهي ذات سيادة، أما الطائفية فهي تشتت الوحدة الوطنية. وكذلك الفرق بين الطائفية والإثنية، حيث الإثنية جماعة بشرية لها تاريخ مشترك، وقد عملت مع الإثنيات الأخرى في تشكيل الأمم. أما الطائفية لا تشكل الأمم، إنما تعمل على تفتيتها. “وتتميز عن الجماعة الأهلية التي كانت تعبر عن أهل المدينة القديمة، حيث يعيش الفرد في الجماعة، في حين تعيش الجماعة في الفرد وتسكنه، ولا يتشارك معها في القيم بالضرورة”(31).

لكن يجب التفريق بين الطائفية والمذهبية، أو بين الطائفية والتدين، كما يراها عزمي بشارة، “باعتبار أن الطائفية علاقة تبعية لطائفة دينية من بين طوائف عدة، والمذهبية علاقة تبعية لجماعة مذهبية من ضمن مذاهب عدة في إطار دين بعينه”. “وفي الطائفية عموماً يتغلب التعصب للجماعة على التعصب للدين، وفي المذهبية والتدين يتغلب التعصب للمذهب أو الدين على التعصب للجماعة، وغالباً ما يتقاطع التعصبان”. و”ثمة فرق بين الطائفية والتمذهب، فالطائفية لا تعني إيماناً دينياً أو مذهبياً، لكن المذهبية تتبع لمذهب أو دين محدد، والتعصب لمذهب محدد دينية يعني الطائفية”. وبذلك يمكننا أن نفهم كيف يمكن لشخص علماني (يحيد السياسة عن الدين) أن يكون طائفياً، وشخصاً متديناً غير طائفي”. “في حالة الطائفية وخلافاً للجماعة الأهلية لا يعيش الفرد في الجماعة، بل تعيش الجماعة فيه وتسكنه”(32).

والثالثة:

 في تاريخنا العربي الإسلامي لم يكن أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أصحاب مذاهب، ولم يكونوا قديسين، إنما جرى تقديسهم في ما بعد، عند الإسلام السياسي، السني والشيعي، تحت راية “الإسلام دولة ووطن، أو حكومة وأمة” كما أوردها “حسن البنا” في “الأصول العشرين” لفهم الإسلام. وكذلك “ولي الفقيه” عند الشيعة الذي ينوب عن الإمام المعصوم والغائب في إقامة حكم الله علي الأرض.

والنبي محمد يمثل الإسلام. وهو بشر ولم يكن طائفياً. وقد عُرف بخبرته ورؤيته للطوائف اليهودية والمسيحية آنذاك، بقوله “ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة والباقي هلكى”. قيل ومن الناجية؟ قال “أهل السنة والجماعة”. قيل: وما السنة والجماعة؟ قال “ما أنا عليه اليوم وأصحابي”(33) ويعدد الشهرستاني في كتابه أكثر من تسعين فرقة.

وقد حاز المنتصرون -الأمويون- على الشرعية، ويسميهم بن خلدون “دولة مضر في الاسلام” باعتبار مضر هي الكبرى في قريش. واعتبروا أنفسهم “الفرقة الناجية”، وأنهم “أهل السنة والجماعة”، وهم الأغلبية في المستوى العالمي، وفق مفهوم “الملة الإسلامية” المنتشرة في العالم كله. في حين إن السنة “ليست إسلاماً أصلياً انشقت منه الفرق الأخرى. انما أهل السنة والجماعة هم بداية أهل الحديث ضد أهل البدعة”(34). وكان المسلمون جميعاً يسمون “ملة” حين اجتماعهم على الإيمان بالإسلام. ولم يكن وصف السنة بالطائفة لأنهم كانوا الأغلبية. إنما بعد رسم الحدود القومية الحديثة، أصبح السنة أقلية في مكان، وأغلبية في مكان آخر، ومن ثم يمكن وصفهم بالطائفة. والحديث عن مظلومية “الأكثرية” كما هو في سوريا، يجعلهم يتصرفون بوصفهم أقلية، لأن الطائفية مفهوم مرتبط بالأقليات. ولأن الجميع مظلوم في الدولة الطائفية.

بالمقابل، عمل الفريق المهزوم على تأسيس مذهبه اعتماداً على السلالة البيولوجية التي تربط الائمة بـ “أهل البيت”، وصولاً إلى “ولاية الفقيه الراهنة في إيران. وعبروا عن الهزيمة، و”المظلومية التاريخية” بالطقوس التي تعمل على تجييش الطائفية، كما وصفها علي الوردي: بأن “طقوس الشيعة في زيارتهم السنوية لقبر الحسين واللطم والنواح، والسلاسل التي يضربون بها ظهورهم، هي نفسها السيوف التي كانوا يحاربون بها الحكام التي تم إخمادها، وقد تتحول إلى سيوف صارمة من جديد، بانتظار فرد مشاغب من طراز ابن سبأ”. وابن سبأ هو من الغلاة في حب علي وحتى تأليهه، وهو مشعل التمرد في عهد عثمان. و”زيارة كربلاء تشبه الحج… ومن يشهد هرج الزوار في كربلاء يدرك أن وراء ذلك خطراً دفيناً”.(35). تمثلت النسخة الحديثة لابن سبأ بالآيات الإيرانية، التي تعيد الصراعات الطائفية إلى المربع الأول.

الطائفية ضد الوطنية والمواطنة والدولة الحديثة، وضد الديمقراطية والعلمانية، ولا تعمل على مشاركة العموم بالعمل السياسي، إنما تحصر عملها في حدود طائفتها. كما أنها “في عصرنا ليست غير الدين فحسب، بل قد تكون عكس الدين أيضا. فالطائفية لا تقوم على نشر الدين، إنما تثبت حدود اتباع معتقد ما اجتماعياً، في حين الدين قائم على نشره بين غير مقتنعيه. فالحدود المطلقة للطائفية تهمش الدين نفسه، وتصبح الطائفية هي الدين، إنه إيمان الأفراد بالجماعة وليس إيمان الجماعة بدين معين”(36).


الهوامش

  1. حتي. فيليب، تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، ج1، دار الثقافة، بيروت،ص 7.
  2. بشارة. عزمي، الطائفة، الطائفية، الطائفية المتخيلة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، طبعة أولى آذار، 2018، ص 467.
  3. فيليب حتي، المرجع السابق، ص232.
  4. زيدان. يوسف، اللاهوت العربي وأصول العنف الديني، دار الشروق، مصر، ص105
  5. فيليب حتي، السابق، ص397
  6. يوسف زيدان، المرجع السابق،110
  7.  يوسف زيدان، المرجع السابق، ص115.
  8. الطوائف المسيحية وتاريخها الدامي، إعداد: عشتار جرجي ميسان، http://www.mesopot.com/old/adad12/15.htm)
  9. الطوائف المسيحية، المرجع السابق.
  10. الطوائف المسيحية،المرجع السابق.
  11. منقول من: عبد الحسين صالح الطائي، مفهوم الطائفية السياسية، http://www.iraqicp.com/index.php/sections/objekt/17761،2014،08،02،20،49،26
  12. أبي الفرج الشهرستاني، الملل والنحل، ص13
  13. تاريخ الطبري، ج2، ص234
  14. هادي العلوي، وعلاء اللامي، الظاهرة الطائفية في العراق، الحوار المتمدن، الإعداد (222،224،226،228،231)،2002.
  15. هادي العلوي، المرجع السابق.
  16. هادي العلوي، المرجع السابق
  17. الطائفية في العهد العثماني، عبد الخالق الحسين، http://islamicbooks.info/H،24،Arabic/Abdul%20Khaliq،3،Math’habs%20in%20otoman%20time.htm)
  18. عادل علوش، الصراع الصفوي العثماني.
  19. المقتطفات السابقة من كتاب: النصيرية العلوية بسورية، رشيد الخيون، دار مدارك للنشر،2012
  20. (د.فان دام، نيقولأوس، الصراع على السلطة في سوريا، الطبعة الالكترونية الأولى 2006، ص20).
  21. (الصراع على السلطة في سوريا، المرجع السابق، ص19).
  22. الصراع على السلطة، المرجع السابق، ص21.
  23. الصراع على السلطة في سوريا، المرجع السابق، ص20
  24. الصراع على السلطة، المرجع السابق،ص21
  25. بطاطو، حنا، فلاحو سوريا، ترجمة عبد الله الفاضل، المركز العربي للأبحاث، ص250
  26. فلاحو سوريا، المرجع السابق، ص67
  27. الصراع على السلطة، المرجع السابق، ص 57
  28. القرآن الكريم، سورة الحجرات، آية٩
  29. غليون، برهان، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط3، بيروت، ص13.
  30. غليون، المصدر السابق، ص 14
  31. بشارة. عزمي، الطائفة، الطائفية، الطائفية المتخيلة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، طبعة أولى آذار، 2018، ص(69،78،217،337،340،164،421)
  32. بشارة. عزمي، الطائفة، الطائفية، الطائفية المتخيلة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، طبعة أولى آذار، 2018، ص 95،101،164
  33. الشهرستاني، أبو الفتح، الملل والنحل، ص5
  34. عزمي بشارة، ص 199
  35. الوردي، علي، وعاظ السلاطين، ص355
  36. عزمي بشارة، ص 421

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.