أذا ما استخرج لبنان الغاز من بحره، عن أي طريق سيصدّره؟

حيّان سرور

ستكون حقول الغاز في البحر اللبناني، موضوع الصراع المركزي شرقي المتوسط، امتدادً لاحتمالات حرب وهذا ما تنبؤ به تداعيات التنقيب في حقل “كاريش” الإسرائيلي، مع ملاحظة أن لبنان يعدّ لاعباً صغيراً في سوق الغاز في المنطقة ولاعباً سياسياً أكبر في المنطقة.

لقد تأخر لبنان كثيراً في التعامل مع ثروته الغازية ولم يشهد سوى محاولة يتيمة قامت بها شركة “توتال” الفرنسية لاستكشاف الغاز في البلوك 4 الذي كان يعتدّ به.. جاءت نتيجة الاستكشاف المعلنة أن الكميات الموجودة فيه غير تجارية دون الثقة في في هذه النتيجة المحكومة ربما لأبعاد سياسية، وهذا لبنان اليوم يخوض أيضاً معركة ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل في مفاوضات غير مباشرة.

لقد نشرت العديد من الدراسات حول حقيقة الغاز في البحر اللبناني، غير أن مايمكن اعتباره أكثر جدية من الدراسات والأبحاث التي تمكنا من الاطلاع عليها، كانت دراسة موسعة نشرتها “مجلة الجيش اللبناني”، وهي المؤسسة الاكثر ثقة بالنسبة لمجمل اللبنانيين.

لبنان وسط الصراع

حملت الدراسة عنوان: “غاز لبنان ثروة وطنية وسط صراع جيوبوليتيكي عميق”، ونشرت في نيسان 2021 بتوقيع ضابط في الجيش اللبناني هو حسن صفا، فما الذي حملته هذه الدراسة؟

تبدأ دراسة صفا بالقول” شغلت ثروة لبنان النفطية، وبالأخص الغاز الطبيعي، حيزًا كبيرًا من اهتمام مجمل اللبنانيين على مدى العقد الأخير”. ويتابع “واختلفت التكهنات بحجم هذه الثروة، وتوالت فصول الأحلام من أن لبنان سيدخل زمن الثروة والبحبوحة من بابها الواسع وأن مشكلاته آيلة للاندثار، في حين ذهب البعض إلى الهجوم على طريقة استغلال هذه الثروة وهي لا تزال في الأغوار”.

هذه المقدمة استدعت “تكبير الصورة”، ابتداء من الانطلاق من شقين أساسيين داخلي وخارجي

ـ في الشق الأول، وأخذًا بعين الاعتبار حالة لبنان الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الهشة، هل ستتمكن هذه الثروة، إن وجدت وتم استخراجها، من إصلاح البلد؟

ـ أما الشق الثاني، فإننا على يقين بأن الشرق الأوسط ككل، وشرق المتوسط بشكلٍ خاص له ثقل جيوبوليتيكي وجيواستراتيجي لا يمكن إغفاله حتى في المشاريع الداخلية. والحقيقة أن طرق إمداد أوروبا بالغاز يشكل أحد أهم أوجه الصراع الجيوبوليتيكي المحتدم، لذا قد يكون محتمًا علينا “والكلام لمجلة الجيش”، أن نجد مكانًا لنا في الخارطة الغازيّة المزدحمة أصلًا، والخاضعة لحساباتٍ دقيقة تتعلق بالأمن القومي للقوى الكبرى.

إنّ الاستغلال الصحيح لهذه الثروة لا بد أن يترافق مع دراسة متوسط المخزون النفطي والغازي (كونه من شبه المستحيل تحديد الكميات الموجودة بشكلٍ دقيق قبل إجراء مسح شامل، وهو مكلف على الصعيدَين المالي والزمني)، وتحديد عائداته السنوية، ومن ثم احتساب الكميات التي يمكن تصديرها، ليصار بعدها إلى تحديد مدى جدوى هذه الثروة الحقيقية.

الثروة النفطية في لبنان

يعود الحديث عن الثروة النفطية في لبنان إلى زمن طويل جدًا، فلطالما سمعنا أن سهل البقاع يطفو على مخزون كبير من مواد الطاقة الأحفورية، كما سمعنا مرارًا عن أكثر من منطقة من المرجح أن تحوي آبارًا نفطية، إلا أن الإعلان الصريح الذي أصدرته وزارة الطاقة اللبنانية في العام 2012 وكالنت مجلة الجيش اللبناني قد اكدت ذلك في عددها الصادر في نيسان 2021 بأن المسح الزلزالي الثلاثي الأبعاد يُنذر بوجود كميات ضخمة من الغاز الطبيعي في المياه الاقتصادية الخالصة وخاصة جنوب البلاد، وضع قطار رحلة لبنان نحو استكشاف ثروته على سكة التطبيق العملي للمرة الأولى.

تتبيّن من خلال الدراسات والمسوحات الجيولوجية القائلة بأن حقول الغاز الجنوبية هي الأهم والأكثر احتواء لكميات الغاز التي يمكن الاستفادة منها تجاريًا، وبالتالي فإن الفروقات الحدودية الصغيرة والممتدة على مسافات كبيرة، تؤدي إلى خسارة أو ربح مساحات غير صغيرة نسبيًا، وهو الأمر الذي دفع إسرائيل إلى المطالبة بحصةٍ كبيرة هي من حق لبنان.

إذا ما استخرج الغاز، ماذا عن التصدير؟

لنفرض أن لبنان بدأ فعلًا بعمليات الحفر والاستخراج وباتت كميات الغاز الجاهزة للتصدير متوافرة؛ ما هي الآليات التي يمكن للبنان أن يستخدمها لتصدير غازه؟

الحقيقة هي أن الخيارات الأساسية لتصدير الغاز بالمجمل ليست عديدة، وتكاد تنحصر بين ثلاث خيارات: التصدير برًا، بحرًا عبر الأنابيب، أو عبر ناقلات الغاز المخصصة. وبعيدًا عن التكلفة التي قد تفرضها كل من هذه الخيارات، ما هو المتاح للبنان بينها؟

خيارات التصدير برًا

إن الوجود «الإسرائيلي» على الحدود الجنوبية للبنان يحصر خيار الأخير بتصدير غازه برًا بالجمهورية العربية السورية التي تشاركه الحدود الشمالية والشرقية، وبالتالي، فإن هذا التوجه لا بد أن يأخذ في الاعتبار خطوط أنابيب الغاز السورية أو التي تمر عبر أراضيها، أو مشاريع الخطوط التي قد تمر من هناك مستقبلًا، وفي سوريا مجموعة من خطوط الغاز والمشاريع التي قد تفي بهذا الغرض وأهمها: الخط الإيراني السوري، خط الغاز القطري التركي، وخط الغاز العربي.

الخط الإيراني السوري

بدأت إيران، صاحبة ثاني أكبر احتياط غاز في العالم بعد روسيا، مفاوضات مع الجانبَين العراقي والسوري في بدايات العام 2010 لمد خط غاز ينطلق من إيران وصولًا إلى سوريا ولبنان عبر الأراضي العراقية، لكن الهدف الإيراني النهائي من المشروع هو إيصال غازها إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، وقد تم الوصول إلى اتفاق بين الأطراف الثلاثة في العام 2011 لإنشاء الخط بتكلفة 10 مليارات دولار، إلاّ أن تم التوقيع على الاتفاق النهائي في العام 2013 على الرغم من استمرار الأزمة السورية. غير أن مسار الأحداث في الأزمة السورية يحول دون إتمام هذا المشروع حتى يومنا هذا.

خط الغاز القطري التركي

تُعد قطر ثالث أكبر دولة من حيث احتياط الغاز، وهي في سعي دائم إلى إيصال هذا الغاز إلى تركيا، حليفتها الإقليمية الأساسية، بغية الدخول إلى الأسواق الأوروبية والحفاظ على أمن الطاقة لها، من هنا كان مشروع خط الغاز القطري التركي الذي يمر بالأراضي السورية، وقد تم الحديث عن مفاوضات قطرية سورية تركية لإنشاء هذا الخط في العام 2009، لكن سوريا رفضت الموضوع لاعتباراتٍ تتعلق بحليفيها الرئيسَين روسيا وإيران، وهما في الوقت عينه المنافسَين الأساسيَين لقطر على صعيد الغاز، وبالتالي فإن هذا المشروع بدوره لم يتم تحقيقه على الأرض، إلا أنه لا شك لدينا أنه لم يغب لحظة عن التخطيط الجيوبوليتيكي لكل من قطر وتركيا لما يحمله من أهمية استراتيجية، ومن هنا يمكننا القول إنه يمكن أن يكون أحد الخيارات المتاحة للبنان عبر وصل غازه بهذا الخط في حال تبدلت موازين القوى في الأزمة السورية وأدت الظروف لصالح السماح بالخط القطري التركي بأن يُبصر النور.

خط الغاز العربي

على عكس الخطَين الإيراني السوري والقطري التركي اللذين لا يزالان خططًا غير مكتملة، فإن خط الغاز العربي موجود على الرغم من الصعوبات والمطبات التي واجهها والتي تعيق بشكلٍ مستمر عمله بالشكل المطلوب، وقد تم الاتفاق على إنشاء هذا الخط في العام 2000، والذي يمتد من مصر وصولًا إلى تركيا عبورًا بالأردن وسوريا ولبنان.. خط الغاز هذا كان من المفترض أن يضع الغاز العربي في السوق الأوروبية عبر وصله بخط نابوكو، وقد أُنجزت مراحله بالفعل وهو موجود على أرض الواقع، لكن للواقع أيضًا روايته الخاصة، فحالُ العالم العربي، وهو بعيد كل البعد عن الصدفة كون الأحداث المؤثرة في استراتيجيات الدول تكاد لا تحصل بالصدف على الإطلاق، جعل من هذا الخط مجموعة من الأنابيب الممدودة وغير القادرة على الإمداد بالغاز، وهو الغاية منه، حيث تعرّض لمجموعةٍ من الهجمات منذ اندلاع ما سمي بالربيع العربي، كان أبرزها في مصر ابتداء من العام 2011، وسوريا التي سجلت آخر اعتداء على هذا الخط ليل 24 آب 2020 .

بناء عليه، لا يبدو أن لدى لبنان حاليًا سوى خط الغاز العربي كخط نقل للغاز الطبيعي والذي يمكن أن يتم إيصال الغاز اللبناني إليه كونه يمتد في الأراضي اللبنانية، وكون مدينة حمص السورية والقريبة من الحدود اللبنانية تُعد محطة رئيسية فيه، غير أنه لا يمكن للبنان أن يربط آماله بالكامل على هذا الخط نسبة إلى المخاطر الكبيرة الناتجة عن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المناطق التي يمر بها، حيث تعرّض لمجموعةٍ من الهجمات أدت إلى تعطيل عمله في العديد من المرات، فلبنان يراهن على غازه للخروج من أزمته الاقتصادية المزمنة، وبالتالي، فإن أي توقف لتصدير غازه في المستقبل، ولو كان مؤقتًا، سيكون له ارتدادات كارثية على عملية النهوض الاقتصادي نظرًا لهشاشة وضعه، أما باقي الخطوط فلا تزال مشاريع تحتاج إلى توافق سياسي إقليمي ودولي وتلاقي استراتيجيات ومصالح دول متعددة ليتحولوا إلى أنابيب موجودة على أرض الواقع.. من هنا، نرى أن خيار تصدير الغاز عبر البر هو أحد الخيارات المتاحة، وتحديدًا عبر خط الغاز العربي، لكنه بحاجةٍ لدراسة اقتصادية دقيقة تنطلق من تحليل سياسي للقوى الفاعلة لمعرفة استقرار الخطة، ودراسة للاستراتيجيات الكبرى التي تتحكم بالمنطقة.

خيارات التصدير بحرًا

لدى لبنان واجهة بحرية على امتداد حدوده الغربية، وتتوسط هذه الواجهة الساحل الشرقي للبحر المتوسط، الموقع الذي بدوره أعطى هذا البلد الصغير الحجم، عبر مرفأَي بيروت وطرابلس، أهمية جيوبوليتيكية كبيرة.

تؤدي الواجهة البحرية لأي بلد دورًا فاعلًا في ما خص تصريف إنتاجه من الغاز الطبيعي، وبطبيعة الحال يمكن للبنان أن يستفيد من حدوده البحرية للتفكير بتصدير إنتاجه من الغاز عبر هذه الوسيلة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التصدير عبر البحر يمكن أن يتم من خلال طريقتَين: أنابيب وخطوط غاز بحرية، أو ناقلات الغاز البحرية.

في ما خص خيار أنابيب الغاز، لا يمكن للبنان أن يقوم بمد أنابيبه الخاصة منفردًا، أولًا لأنه مشروع مكلف جدًا ولا قدرة للبنان على الشروع به، وثانيًا لأن موقع لبنان البعيد نسبيًا عن أقرب أسواق الطاقة الكبرى له وهي أوروبا، يحتم على أي مشروع من هذا النوع أن يمر في مياه غيره من الدول، وبالتالي يصبح لزامًا على لبنان أن يفتش عن موقع له في الأنابيب القريبة منه إذا ما أخذ القرار بأن يصدر إنتاجه عن طريق البحر.

يأتي كل هذا في سياق محاولة لبنان إيجاد الحلول الكفيلة بتصدير غازه عبر البحر في حال تم استخراجه فعلًا، فخارطة خطوط الغاز البرية في المنطقة معقدة للغاية، وتخضع لرحمة الأطراف المتحكمة بالأزمات التي رافقت المنطقة عبر مختلف الحقبات التاريخية، والتي لا يبدو أنها ستفارقها في المدى المنظور.

إذا ما استقر لبنان على خيار نقل غازه بحرًا، ولم يتسنَّ له فرصة إيصاله إلى خطوط نقل الغاز البحرية، فإنه بالإمكان دائمًا اللجوء إلى خيار الناقلات، والحقيقة هي أن هذا الخيار يُعدّ الأسهل والأكثر براغماتية، نظرًا إلى أنه لا يشترط وجود بنى تحتية معقدة كتلك التي تتطلبها الأنابيب، غير أن لبنان سيكون عليه أن يعمل على إيجاد معمل لتسييل الغاز بغية نقله بهذه الوسيلة، لكن خيار نقل الغاز عبر الناقلات سيضع لبنان أمام سؤال جوهري:

هل يستطيع بلد يعاني ما يعانيه لبنان على الصعيد الاقتصادي من شراء ناقلات معقدة ومكلفة؟

على الرغم من بداهة هذا التساؤل المشروع، فإن الحلول البديلة الأخرى بديهية بدورها، حيث يمكن للبنان أن يقوم باستئجار الناقلات أو رمي عبء نقل الغاز على الدولة المستوردة مع حسم كلفة النقل من الثمن الإجمالي للحمولة، كما أن التوجه العالمي المتزايد نحو الطاقة المتجددة، وتقليص الدول لاعتمادها على مختلف مواد النفط والغاز، يجعل الناقلات الخيار الأكثر واقعية لأنه يُعطي مستخدمه هامش مناورة على وقف إمداداته إذا ما تبيّن أنه لم يعد مجديًا اقتصاديًا، ومن دون الحاجة إلى خسارة ما يكون قد استثمره في البنية التحتية للأنابيب.

اليوم يحضر المرفأ

في هذا السياق يأتي انفجار مرفأ بيروت وتبعاته على الاقتصاد اللبناني وإمكان تصدير الغاز، فهو يُعدّ من أهم المرافئ على الحوض الشرقي للبحر المتوسط نظرًا لموقعه وعلاقاته القوية مع عشرات الموانئ العالمية، ويُعدّ بوابة العالم العربي البحرية على هذا الحوض، لكن الانفجار الأخير عطّل عمل المرفأ ما سيكون له تبعات كبيرة على صعيد مكانته العربية، وبخاصةٍ مع موجة التطبيع الأخيرة حيث يشكل مرفأ حيفا بديلًا واقعيًا عن مرفأ بيروت، نظرًا لقربه وتمتعه بخصائص مشابهة، وشبكة المواصلات البرية التي تنوي إسرائيل إقامتها لربط ساحلها بالعمق العربي، وعليه، إن انعكاس الانفجار على تصدير الغاز اللبناني بحرًا سيكون كبيرًا لما يحتاجه من إعادة بناء لإعادة المرفأ إلى قدرته السابقة، فالتقييم الأولي الذي أنجزته مجموعة البنك الدولي، يُظهر حاجة لبنان الملحة إلى تمويل عاجل بمتوسط مليارَي دولار لتغطية الأضرار المباشرة وإعادة الإعمار للتشغيل، كما بلغ متوسط الخسائر في الأصول المادية 4.2 مليار دولار والخسائر الاقتصادية بنحو 3.2 مليار دولار، في حين يرجح أن يتعدى إجمالي الخسائر المباشرة عتبة الـ10 مليار دولار بعد مسح المباني والأضرار على الممتلكات، إنّ هذه الخسائر العظيمة ستترك أثرها من دون شك على إمكان لبنان لتصدير غازه بالدرجة الأولى، ومن الاستفادة من العوائد تاليًا لما تحمّله الاقتصاد اللبناني من خسائر على إثره.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.