أزمات قطاع الطاقة في العراق متفاقمة… فساد وإشكاليات رغم الثروات الهائلة

يصنف العراق من الدول الكبرى على الصعيد العالمي في مجال الطاقة والثروات الباطنية لاحتوائه ثروات هائلة نفطية وثروات هائلة أخرى “منسية” هي ثروات الغاز الطبيعي التي ورغم ما تمتلكه بغداد من احتياطيات ضخمة للغاز الطبيعي، لكنها لم تستفد منها حتى الآن، بعد أن قادت الحروب التي عاشتها البلاد في العقود الماضية، بالإضافة لقوى سياسية.. حالت دون تحقيق ذلك.

احتياطيات ضخمة مهدورة

يحتوي العراق على احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي رغم عدم الاستفادة الفعلية من تلك الثروات!!

وتشير تقارير وزارة التخطيط العراقية ولجنة الطاقة البرلمانية ه‍ناك، أن احتياطي البلاد من الغاز يصل إلى نحو 125 تريليون متر مكعب، تتواجد في الحقول النفطية التي تقع في الجنوب كحقول الرميلة والزبير وغرب القرنة. ي حين تهدر البلاد بشكل شهري كميات ضخمة من الغاز المرافق لاستخراج النفط الخام (المتكثفات الغازية) في الحقول النفطية الغنية، حيث تصل قيمة المهدور إلى نحو 5 مليارات دولار، في حين يستورد الغاز بتكلفة تبلغ 7 مليارات دولار.

يقول الخبير النفطي “فرات الموسوي” وفق صحيفة “العين” الإماراتية، أن خطوات التنقيب عن الغاز في العراق في مراحها الأولى ولا تشكل رقمًا في موازنات البلاد السنوية”.

أما غالب محمد، عضو لجنة الطاقة البرلمانية العراقية، أوضح أن تراجع العمل واستثمار القطاع الغازي يعود إلى جهات سياسية تسعى لاستمرار هدر الغاز”. في حين تؤكد البيانات الرسمية أن محافظة الأنبار (غرب البلاد) تحتوي على كميات هائلة من الغاز، مازالت حبيسة، بسبب السياسات النفطية غير الواضحة من قبل السلطات العراقية”.

الهدر بالحرق

يرتبط إحراق الغاز وإهداره بعملية استخراج النفط الخام في حقول النفط.. حيث تلجأ الكثير من شركات النفط المنتجة في العالم إلى حرق الغاز المصاحب لحقول النفط بكميات كبيرة في سبيل مضاعفة أرباحها، فتستخدم في سبيل ذلك أرخص السبل للتخلص من الغاز الطبيعي الذي لا تريده.

وتشير آخر التقارير الصادرة عن البنك الدولي، في يوليو تموز الماضي، أن العراق جاء بالمركز الثاني عالميًا للسنة الرابعة على التوالي بين أعلى الدول حرقًا للغاز الطبيعي بعد روسيا. حيث تؤكد تلك البيانات أن شركات نفط بالعراق أحرقت عام 2016 ما مجموعه 17.73 مليار متر مكعب من الغاز، ثم ارتفع ذلك عام 2019 ليصل إلى 17.91 مليار متر مكعب يحرق في الأجواء.

من جهتها، تقديرات بيانات الأقمار الصناعية، وفق البنك الدولي، تشير إلى أن حرق الغاز على مستوى العالمي ارتفع إلى مستويات غير مسبوقة منذ أكثر من عقد، حيث بلغت 150 مليار متر مكعب، أي ما يعادل إجمالي استهلاك الغاز السنوي في أفريقيا جنوب الصحراء.. حيث يجري حرق الغاز، أي حرق الغاز الطبيعي المرتبط باستخراج النفط، بسبب القيود التقنية أو التنظيمية أو الاقتصادية أو بسببها كلها.

مساعٍ حكومية

عاصم جهاد، المتحدث باسم وزارة النفط، في تصريحات للـ “العين” أكد أن بغداد استطاعت عبر التعاقد مع شركات أجنبية، رفع استثمار الغاز والانتاج .. الوصول إلى قرابة مليار قدم مكعب قياسي في اليوم عبر أربعة حقول نفطية في محافظة البصرة. ليوضح المتحدث أن القطاع النفطي العراقي يسعى من خلال خطة استثمارية الى تحقيق إنتاج يصل إلى ألفي مليون متر مكعب قياسي يوميا بحلول عام 2025.

أما تأخير النهوض والخطط الاستثمارية في غاز الحقول النفطية طوال السنوات الماضية، فيعود – بحسب جهاد – إلى الحروب التي شهدتها البلاد خلال العقود الأربعة الماضية التي قادت لتدمير منشآت استثمار الغاز المصاحب التي كانت قد بدأت في تشييدها في سبعينيات القرن الماضي.

حيث تعتمد محطات التوليد الكهربائية في العراق على استيراد الغاز بأكثر من 850 ألف متر مكعب يوميًا وبمبالغ تصل إلى أكثر من 4.5 مليار دولار سنويًا.

إلغاء عقود وضربة للشركات التركية

أنهت مؤسسة النفط العراقية، عقد حقل غاز المنصورية المبرم مع تحالف “تي .بي. أي او” الذي يضم شركات تركية وكورية جنوبية وكويتية بعد تعثرها في تنفيذ التزاماتها.

ضربة قوية مثلها إلغاء عقد تطوير وتنمية حقل غاز المنصورية في مدينة ديالى.. تلقتها شركة النفط الوطنية التركية “تي.بي.ايه.أو” المملوكة للدولة في خسارة جديدة تضاف لما تتكبده الشركات التركية من خسائر ضخمة ومتتالية.

بدوره، كشف وزير النفط العراقي إحسان عبد الجبار إسماعيل، وجود تنافس جديد لعدد من الشركات العالمية لتطوير الحقل الواقع بالقرب من الحدود الإيرانية، في خطوة تسعى للتخلص تدريجيًا من أطماع الشركات التركية ونفوذها في ثروات العراق.

حيث صرّح “عبدالجبار” لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن “وزارة النفط ألغت العقد المبرم مع تحالف الشركات الثلاث بقيادة شركة (تي.بي.إيه.أو) التركية و(كوكاز) الكورية و(كويت إنرجي) الكويتية”.

ليؤكد المسؤول العراقي أن “الوزارة وجهت الدعوة لعدد من الشركات العالمية للدخول في جولة التنافس على تطوير حقل المنصورية الغازي في ديالى الذي يعتبر الأول من نوعه في المحافظة وتقديم أفضل العروض”.

ليشير إلى أن “وزارة النفط ستقوم باختيار الشريك الجديد الذي سيقدم أفضل الحلول التقنية لتشغيل وتطوير الحقل وبما يضمن أفضل مردود اقتصادي للعراق”.

يذكر أن ائتلاف الشركات الثلاث، اقتنص جولة التراخيص الثالثة التي أقامتها وزارة النفط العراقية أواخر عام 2010 للاستثمار في الحقل الذي تم اكتشافه في عام 1979 في ناحية المنصورية التابعة لقضاء الخالص، على بعد 50 كم شرق بعقوبة، ويبلغ طوله 52 كم وعرضه 5 كم، ويقدر المخزون الغازي فيه بـنحو 4.5 تريليون متر مكعب من الغاز.

إلى ذلك.. وفي المرحلة التي سبقت الإعلان عن إلغاء العقد مع التحالف بقيادة الشركة التركية، كانت وزارة النفط تسعى للوصول بإنتاج حقل المنصورية الغاز إلى 2.8 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول العام 2023، من خلال استثمار الغاز المصاحب أو حقول الغاز الحر، وسد حاجة البلاد، خصوصًا قطاع الكهرباء من هذه المادة.

روسيا تنافس

نقلت الوكالة العراقية للأنباء، في منتصف شهر مايو أيار الماضي، عن السفير الروسي في بغداد “ماكسيم ماكسيموف” تأكيده، عن وجود عرض روسي لاستثمار ضخم في حقل غاز “المنصورية” في محافظة ديالى، حيث أوضح حينها أن العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع العراق في غاية الأهمية والقوة.

وأضاف ماكسيموف، في تصريحات صحفية، أن “الشركات الروسية تسعى إلى استثمار ضخم وقد قدمت مناقصة للاستثمار في حقل غاز المنصورية في ديالي”.

قطاع النفط يعاني

تشكل صادرات العراق النفطية 98 % من تدفقات العملة الأجنبية إلى البلاد، حيث يشكل النفط 45 % من الناتج المحلي الإجمالي، و93% من إيرادات الموازنة العامة.

وتعتبر بغداد هي ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك”، لكن الإيرادات النفطية لم تمكن العراق من استرداد عافيته..

فسبب انخفاض أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 (هبطت الأسعار من معدل 100 دولار للبرميل إلى أقل من 40 دولاراً، أي أن البرميل خسر 60 % من قيمته) أزمة كبيرة لبغداد في ظل تعويل عراقي على النفط لتمويل 97 % من ميزانيته الحكومية. من زاوية ثانية ورغم الصعوبات التي تواجه العراق.. واجه مشكلة تتعلق بالتفاهمات مع أوبك، التي وجد نفسه ملزمًا بقيود خفض إنتاج النفط العالمي الذي تنفذه دول أوبك+، منذ مطلع مايو/أيار الماضي.

فنفذت دول التحالف خفضا قياسيا بمقدار 9.7 مليون برميل يوميا أو ما يعادل 10 % من الإنتاج العالمي، بعد أن دمر فيروس كورونا ثلث الطلب العالمي. حيث ومن الأول من أغسطس آب، جرى تخفيف الخفض إلى 7.7 مليون برميل يوميًا حتى ديسمبر/كانون الأول المقبل.. في أغسطس/آب الماضي، بلغ العراق أعلى معدل امتثال في السنوات القليلة الماضية، لكنه قال إنه ربما يحتاج لتمديد فترة التعويض شهرين، بعد أشهر من الإنتاج فوق مستهدف أوبك+.

وكان العراق قد خسر 11 مليار دولار من عائدات بيع النفط خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، بسبب تراجع أسعار النفط، إثر أزمة فيروس كورونا، بحسب وزارة النفط. لكن يظهر أن أزمة أسعار النفط سيطول أمدها في ظل ارتفاع أعداد الإصابات بفيروس كورونا، حيث يوضح تقرير حديث للبنك الدولي، إنه في حالة استقرار أسعار النفط ضمن حدود 30 دولارًا المتدنية وعدم اتخاذ أي تدابير إصلاحية، فإن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن عجز الميزانية سيتجاوز 29 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020.. في حين ستصل احتياجات التمويل الإجمالية إلى 67 مليار دولار (أكثر من 39 % من الناتج المحلي الإجمالي).

يذكر أن الإيرادات النفطية وصلت في شهر أغسطس/آب الماضي، 3.5 مليار دولار.. أما الإيرادات الأخرى فتصل إلى أكثر من 400 مليون دولار، وفقا لما قاله عضو اللجنة المالية في مجلس النواب، جمال كوجر، مشيرا إلى أن “هذه الأموال لا تكفي لتسديد النفقات الشهرية ورواتب الموظفين”.

خطط جديدة

تسعى الحكومة خفض أسعار البنزين عالي الأوكتين، ضمن خطة لتوفير البنزين عالي الجودة بأسعار مناسبة للمواطنين، مراعاة للظروف الاقتصادية للبلاد.. حيث يستهلك العراق ما بين 18-25 مليون لتر بنزين يوميًا، توفر المصافي المحلية منها نحو 15 مليون يوميا، فتضطر الوزارة إلى استيراد كميات من دول مجاورة.

ويعتمد العراق على استيراد المشتقات النفطية من الخارج لسد النقص في الإنتاج المحلي (زيت الغاز، الغاز الطبيعي، البنزين)، بالإضافة لتوفير احتياجات الوقود لمحطات التوليد الكهربائية الوطنية. فيستورد العراق نحو 10 ملايين لتر يوميا من البنزين، وبحسب مصادر رسمية (وصلت قيمة استيراد العراق من المشتقات النفطية خلال السنوات التي أعقبت 2003 نحو 24 مليار دولار).

وشكل استيراد البنزين عالي “الأوكتين” النسبة الأكبر في واردات العراق، وهو عالي الجودة يسمى بـ”المُحسَن”.. حيث تبلغ قيمة اللتر الواحد نحو 750 دينارا عراقيا بما يعادل 0.631 دولار أمريكي، حسب آخر التسعيرات الصادرة من وزارة النفط.

أخطاء حكومية

اعتبر، عبد الحسن الهاشمي الخبير النفطي، وفق ما ذكره لـ “العين”، أن السياسة النفطية في العراق استندت إلى عمليات الاستخراج والتصدير دون الاهتمام بعمليات تكرير النفط والاستفادة من المشتقات النفطية في تسيير عجلة الحياة اليومية في البلاد، أمر عملت الوزارة على تداركه مؤخرا.

حيث تعهدت وزارة النفط العراقية بتأمين المشتقات النفطية عبر خطط استثمارية لإنشاء عدة مصاف، بهدف رفع الطاقة التكريرية للنفط الخام من الطاقات الحالية البالغة 680 ألف برميل يوميًا إلى مليون و140 ألف برميل يوميًا خلال العامين المقبلين.

وتشمل الخطة الجديدة إضافة وحدات جديدة للمصافي الحالية العاملة في بغداد والبصرة وبيجي، أو من خلال بناء مصاف جديدة بطاقة 150 ألف برميل لكل مصفاة في محافظات ميسان وكركوك وذي وقار لسد الاستهلاك الداخلي من المشتقات النفطية وبناء مصفاة الفاو في محافظة البصرة بطاقة 300 ألف برميل يوميا لأغراض التصدير واستكمال بناء مصفاة التكرير في محافظة كربلاء، قيد الإنشاء حاليًا بطاقة 140 ألف برميل يوميًا.

وكانت وزارة النفط العراقية قد مع شركة “جايكا” اليابانية، مطلع الشهر الجاري، عقدًا بقيمة 4 مليارات دولار، لتحويل المخلفات الفائضة في الصناعات النفطية إلى منتجات بيضاء (جازولين، زيت الغاز، نفثا مختلطة، زيت وقود) بمواصفات عالمية ضمن مصافي الجنوب في البصرة.

انعكاسات متداخلة

انتجت الأزمة المالية، بحسب بيانات البنك الدولي، إلى توقف التدفقات الاستثمارية وتدني الثقة بالاقتصاد العراقي، من قبل المستثمر الوطني أو الأجنبي على حد سواء، ما تسبب في حالة من الركود الاقتصادي.

فقد ارتفع العجز الكبير بالموازنة إلى 19.5 مليار دولار عام 2019، وإلى 57 مليار دولار عام 2020 (ما يعادل 70.6 تريليون دينار)، تمثل الفجوة التمويلية، حيث بلغ إجمالي الدين العام 132 مليار دولار (الدين الداخلي والخارجي).

قاد ذلك إلى تقلص الإنفاق الحكومي في مجال الاستثمار، خصوصًا في مجال صناعة النفط، كما توقف دعم مشروعات الاستثمار في قطاع الإسكان والبنى التحتية والإعمار والخدمات، وفي القطاعين الخاص والحكومي، ما انعكس سلبًا على الاقتصاد العراقي؛ فزاد عدد العاطلين عن العمل وارتفعت معدلات الفقر والبطالة والتضخم.

أما تقديرات البنك الدولي، فأشارت إلى أن اقتصاد العراق سينكمش 9.7 % في 2020، في ضوء انخفاض أسعار النفط وفيروس كورونا، مقارنة مع نمو 4.4 % في 2019، مسجلاً بذلك أسوأ أداء سنوي منذ عام 2003.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©