أزمة استقبال طالبي اللجوء في بلجيكا تتفاقم.. ومنظمات إنسانية تدق ناقوس الخطر

تشهد بلجيكا أزمة غير مسبوقة في استقبال طالبي اللجوء، رغم أن الأزمة منذ أكثر من عام، لكن مؤخرا زادت حدتها بشكل كبيرة حتى أصبحت العديد من العائلات بدون مأوى ووصل بالبعض أن افترش الشارع، وسط مطالبات بضرورة إيجاد حلول سريعة.

وخلال هذا الأسبوع، بدأت أزمة اللجوء في بلجيكا تتفاقم، حتى أن منظمات المساعدة الإنسانية التي تعمل مع المهاجرين واللاجئين دقت ناقوس الخطر، بعد تلقيها المزيد من طلبات المساعدة من طالبي اللجوء، والذين لم يستطيعوا الحصول على سكن.

وبحسب المنظمات، تتزايد أوقات الانتظار في مركز تسجيل قسم الأجانب، مما يؤدي إلى تزايد عدد طالبي اللجوء الذين يسعون للحصول على المساعدة خارج العاصمة بروكسل، على سبيل المثال. في مدن شرق الفلمنكية غنت وسينت نيكلاس.

وفي الأيام الماضية، لم يتمكن قاصرون غير مصحوبين وعائلات لديها أطفال من الحصول على مأوى بسبب امتلاء مراكز الاستقبال بشكل كامل بل وفوق طاقتها القصوى، في وقت تخشى المنظمات غير الحكومية في بلجيكا من استمرار الأزمة حتى فصل الشتاء.

ازدحام أمام مركز تسجل طالبي اللجوء

كذلك، فإن تقارير صحافية محلية تشير إلى أن نظام استقبال طالبي اللجوء في بلجيكا آخذ في التدهور، لاسيما أنه للمرة الأولى لم تتمكن عائلات طالبي اللجوء ممن لديهم أطفال من العثور على مكان في نظام الاستقبال والإقامة الذي تديره الوكالة الفيدرالية لاستقبال طالبي اللجوء (فيدازيل)، والتي تشرف عليها الدولة.

هذا الأمر ترك حوالي 125 شخصا دون مسكن. كذلك فقد منع بداية الأسبوع الماضي، 21 قاصرا غير مصحوبين بذويهم من الدخول إلى نظام الاستقبال والاستفادة من المسكن، على الرغم من إتمامهم كل الإجراءات اللازمة.

هذه التطورات تأتي على الرغم من أن هذه الفئات قد تم إعطاؤها الأولوية من قبل الحكومة البلجيكية قبل عدة أشهر، في محاولة لمواجهة تشبع نظام الاستقبال.

الأزمة تزداد خطورة

تعلق “جيسيكا بلومارت” المسؤولة عن قضايا الحماية الدولية والاستقبال في شبكة (Ciré) البلجيكية، وهي عبارة عن مبادرات للتنسيق مع اللاجئين والأجانب، بالقول “الآن، نتجاوز كل الخطوط الحمراء. الأزمة التي شهدناها منذ نحو عام، أصبحت أكثر خطورة”.

من جانبها، تقول “إيفلين هوغ” من إحدى المنظمات البلجيكية التي ترعى شؤون اللاجئين:”هؤلاء أشخاص يسافرون من بروكسل ويبحثون عن سكن هنا لأنهم لا يتلقون المساعدة في العاصمة”.

وأضافت “لا يمكننا مساعدة هؤلاء الأشخاص لأننا لا نستطيع التعامل مع التزايد في الطلبات”، مؤكدة أن “النتيجة هي أن هؤلاء الناس أصبحوا بلا مأوى وتركوا يتجولون في الشوارع. وكل ما يمكننا فعله هو تسليمهم كيس نوم وملابس داخلية جديدة”.

أما “جوزيف هرتسنز” من منظمة (دعم اللاجئين – VOSN) فيقول إن القصص كلها متشابهة ، مشيرا إلى أن هناك أكثر من 70 شخصا بلا مأوى ومؤهلين حقا للإقامة.

وتسعى منظمة “EHVV” التي تعنى بشؤون اللاجئين إلى إيجاد حل هيكلي للأزمة، مؤكدة أن من أسبابها إغلاق العديد من مراكز اللجوء في السنوات الأخيرة.

أزمة مستمرة منذ أكثر من عام

أزمة طالبي اللجوء ليست جديدة في بلجيكا بل مستمرة منذ أكثر من عام، لكن مؤخرا أصبح الوضع صعبا للغاية، حيث يتزداد عدد طالبي اللجوء بشكل مستمر.

خلال سبتمبر/أيلول الماضي تقدم أكثر من 4 آلاف شخص للحصول على الحماية في بلجيكا، وهو ما يشكل رقما قياسيا مقارنة بالأشهر الـ12 الأخيرة.

تقول “نيكول دي مور” المتحدثة باسم وزارة اللجوء والهجرة إن بلجيكا تواجه ضغوطا نادرة، “يوم الإثنين (10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري) على سبيل المثال، كان 450 طالب لجوء يحاولون التسجيل في باتشيكو (مقر مكتب الأجانب حيث يتم تسجيل طلبات الحماية)، ويوم الجمعة(14 أكتوبر/ تشرين الأول)، كان 360 طالبا للحماية. هذه أرقام يومية لم نشاهدها إلا خلال أزمة عام 2015 “.

وأزمة استقبال طالبي اللجوء كانت موضع نقاشات منتظمة من قبل المنظمات غير الحكومية لمدة عام. وفي منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، أرسلت عدد من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية من بينها أطباء العالم ومنظمة العفو الدولية وغيرها، خريطة طريق إلى رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو.

المتحدثة باسم وزارة اللجوء والهجرة “نيكول دي مور”

وكان من بين خطوط العمل المقترحة، وضع خطة طوارئ اتحادية، وتنفيذ قانون يسمح بنقل المستفيدين من الهياكل المجتمعية إلى مساكن فردية بعد ستة أشهر، بالإضافة إلى ضمان وجود سعة دائمة تصل إلى 30 ألف مسكن.

لكن خارطة الطريق هذه لم تجد أي متابعة داخل الحكومة. حتى أن “نيكول دي مور ” أعربت من خلال لقاءات صحافية، عن عدم موافقتها على بعض المقترحات، واعتبرت أن “المنظمات غير الحكومية تقترح أشياء نقوم بها بالفعل”.

الآلاف بدون مأوى هذا الشتاء

يبدو أن أخطر ما في الأمر هو أن نحو 7 الآلاف من طالبي اللجوء قد يبقون يدون مأوى خلال الشتاء البارد، وفي مواجهة هذا الوضع الحرج، طلبت وكالة “فيدازيل” الدعم من المنظمات غير الحكومية، مما ساعد في إيجاد حلول طارئة من خلال دفع تكاليف حجز بعض الغرف في فنادق لعدد من العائلات والقصر غير المصحوبين بذويهم.

تقول تشير “بلومارت” في هذا السياق إن “المنظمات غير الحكومية هي التي تعوض عدم تحرك الدولة”، حيث تقوم شبكة “Ciré” بحملة منذ شهور، جنبا إلى جنب مع منظمات أخرى، “من أجل توفير إيواء فوري في الفنادق، لكن الحكومة لم تعط هذا الحل أي اهتمام”.

إلى ذلك، قالت وزيرة الخارجية “حجة لحبيب” حول هذه التطورات في تصريحات صحافية “الحقيقة المحزنة هي أن التدفق يتزايد بشكل غير متناسب في عدد قليل فقط من الدول الأعضاء في أوروبا، بما في ذلك بلجيكا، لا يمكن السكوت على هذا الوضع”، وتابعت “لقد أكدتُ على هذا مرة أخرى خلال اجتماعي مع المفوضة الأوروبية إيلفا يوهانسون”.

وكانت الحكومة البلجيكية أعلنت قبل عدة أيام عن إطلاق “خطة الشتاء”، لكن لا تزال الخطوط العريضة لهذه الخطة غامضة، لاسيما أنها “لا تزال قيد المناقشة في الحكومة”.

وحسب وزارة الهجرة واللجوء، فإنه يمكن فتح ما بين 450 و600 مكان جديد لإيواء طالبي اللجوء في بروكسل وتعزيز العمل مع السلطات الإقليمية.

ورغم ذلك فإن “بلوميرت” اعربت عن خشيتها من أن هذه الأماكن “ستمتلئ خلال يومين فقط، مؤكدة بالقول “نحن نتحدث عن 7 آلاف طالب لجوء سيكونون في الشوارع في الشتاء. هذا رقم غير مسبوق”، كما قال

والأسبوع الماضي، قالت وزيرة الخارجية “لحبيب” في تصريحات لصحيفة “لو سوار” المحلية إن”المشكلة ببساطة تكمن في الحدود التشغيلية لنظام الاستقبال (التي لا تكفي لسد الحاجات)”.

وتابعت”لا يمكن لوكالة فيدازيل وشركائها مثل الصليب الأحمر العثور على عدد كافٍ من الموظفين لتشغيل جميع المواقع بشكل كامل. ليس هناك حل سحري لهذا. لذا فضمن قيود القدرات لدينا، نعطي الأولوية للفئات الأكثر ضعفا”.

توظيف المزيد من العاملين

تقول “فيدازيل”، التي فتحت بالفعل أكثر من 5 آلاف مسكن ووظفت 600 موظف إضافي منذ بداية عام 2022، إلى مشكلة نقص الموظفين.

ويؤدي هذا النقص بشكل خاص إلى إطالة فترات معالجة طلبات اللجوء، وبالتالي إلى انخفاض معدل أماكن الاستقبال المتاحة.

وقالت بلومارت “نقترح طلب موظفين إضافيين إلى فيدازيل ومكتب الأجانب ووزارة الداخلية، للقيام بمهام معينة لعدة أشهر”، مشيرة إلى أنه قد تم بالفعل تجربة تلك الآلية لبعض الوقت، لتسجيل الأوكرانيين الذين وصلوا إلى بلجيكا في بداية عام 2022 وطلبوا الحماية فيها.

وتقول وزراة الهجرة واللجوء إنه “على المدى القصير، سيتم إخلاء سبيل 150 شخصا من المستفيدين من بعض مرافق الخدمات العامة، مما سيساعد في جعل أماكنهم متاحة وجاهزة للاستفادة منها (من قبل طالبي الحماية)”.

وأضافت الوزارة”في أقرب وقت ممكن، سيتم تشكيل مجموعة عمل لسد الاحتياجات الأساسية فيما يتعلق بنقص الموظفين”.

وسبق أن اقترحت الجمعيات أيضا الاعتماد على المواقع التي فُتحت لاستقبال اللاجئين الأوكرانيين، والتي لم تُستغل منذ ذلك الحين، مثل مركز “أريان” في منطقة “وولوي” في بروكسل.

وبدأ هذا المركز الأسبوع الماضي، باستقبال طالبي لجوء آخرين، بما في ذلك القصر غير المصحوبين بذويهم. لكن سرعان ما امتلأ بشكل كامل، ومن هنا لم تتمكن السلطات من إيجاد حلول للقصر الـ21 غير المصحوبين.

لكن “جيسيكا بلومارت” تصر قائلة :”يجب علينا توظيف المزيد من العاملين في هذا القطاع، وتقديم مأوى أكبر في الفنادق والمباني الخالية، واستغلال المواقع غير المستفاد منها من قبل الأوكرانيين”.

وأشارت إلى أن هناك سلسلة كاملة من الحلول قصيرة وطويلة الأجل من شأنها أن تسمح لنا بتنفس الصعداء، والبدء في الخروج من هذه الأزمة”.

لماذا باتت بلجيكا وجهة مفضلة للاجئين

رغم أن أزمة اللجوء في بلجيكا مر عليها أكثر من 12 شهرا، لكن ما زاد من حدة الوضع في الأسابيع الأخيرة هو أنها أصبحت وجهة مفضلة لطالبي اللجوء، وذلك بعد سماعهم بأخبار اكتظاظ مراكز الإيواء في هولندا باللاجئين إلى حد نوم بعضهم لليالٍ في الخيم وعلى الكراسي في مركز تسجيل طلبات اللجوء في “تير أبل”.

كذلك، فإن من الأمور التي ساهمت في جعل بلجيكا وجهة مفضلة، هو تغيير بعض القوانين لا سيما إجراءات اللجوء ولم الشمل في هولندا التي باتت أطول مما كانت عليه قبل أشهر. 

وتشهد الجارة هولندا منذ أشهر أزمة لجوء كبيرة لاتقل عن بلجيكا، الأمر الذي دفع الحكومة لتعديل بعض قوانين لم الشمل حيث بات لم الشمل مرتبطا بحصول اللاجئ على مسكن، كما أن فترة الحصول على الإقامة قد تصل إلى 15 شهرا.

ولا تمكن المشكلة فقط في قلة عدد الأماكن المهيئة لاستقبال طالبي اللجوء في بلجيكا، بل أن نظام اللجوء يعاني من عدم قدرته على معالجة طلبات اللجوء بالسرعة الكافية، حيث تكافح السلطات في هذا البلد من تراكم كبير في ملفات طلبات اللجوء التي وصلت إلى أكثر من 12 ألف ملف.

في هذا السياق، تقول المتحدثة “نيكول دي مور” إن هذا التراكم هو “إرث كورونا وسوق العمل الضيق”.

إلى ذلك، أفادت وسائل إعلام بلجيكية بأن السكان المحليين باتوا يشكون من طالبي اللجوء الذين يقضون حاجتهم في الشارع ويسببون الإزعاج، ما اضطر البلدية في بروكسل مؤخرا لتشكيل فريق شرطة لمنع طالبي اللجوء من النوم في الشارع.

وينتقل طالبو اللجوء كل فترة إلى أماكن أخرى، لكن المشكلة لا تزال قائمة، كما يقول “توماس ويليكنز” من منظمة مساعدة اللاجئين في بلجيكا :”المشكلة هي نفسها الموجودة في هولندا هناك عدد قليل جدا من الملاجئ، لذلك لا يزال الناس مضطرين للنوم في الشارع”.

جدير بالذكر أن العديد من الدول الأوروبية باتت تعاني من أزمة لجوء كبيرة والبعض ذهب إلى أن الوضع أصعب من عام 2015 في ذروة أزمة تدفق اللاجئين إلى أوروبا والتي وصلها نحو مليون لاجئ.

لكن الوضع حاليا صعب مقارنة مع 2015 على جميع دول الاتحاد الأوروبي. فهي من جهة تعاني من تضخم كبير وارتفاع في الأسعار، بسبب تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا، إضافة لتداعيات جائحة كورونا التي لم تنته بعد.

إضافة لهذا، فإن الدول الأوروبية وصلها مئات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين الذين فروا من الحرب المستمرة في بلادهم، ما جعل مراكز استقبال اللاجئين تمتلاء فوق طاقتها القصوى، لاسيما مع استمرار تدفق اللاجئين والمهاجرين من الدول الفقيرة أو التي تعاني حروب وصراعات، نحو دول أوروبا الغنية من البحر والبر وأحيانا عبر الجو.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.