أزمة اقتصادية “بلا حلول” تهدد خبز التونسيين

لا يزال التونسيون يعانون من تداعيات إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية التي عرفتها بلادهم منذ الاستقلال، على إثر انتشار جائحة كورونا والتجاذبات السياسية التي تصدرت المشهد خلال النصف الثاني من العام الجاري، إذ بلغ الدين العام مستويات قياسية، وتفاقم عجز الميزانية، فيما ارتفعت نسب البطالة والتضخم مع تراجع النمو الاقتصادي.

ووسط غياب مؤشرات عودة النمو الاقتصادي في البلاد، باتت الأزمة الاقتصادية تهدد خبز التونسيين، خاصة بعد الارتفاع في أسعار الحبوب بالسوق العالمية وعدم كفاية المخزونات المحلية، ما دفع الحكومة مؤخرا إلى زيادة أسعار الحبوب، بعد سنوات من المماطلة تحسّبا لاستمرار أزمة نقص المعروض.

خطوات مؤلمة..

كشفت وثيقة حكومية، اطلعت عليها وكالة رويترز للأنباء مطلع الأسبوع الجاري، أن الحكومة التونسية تخطط لرفع أسعار الوقود والكهرباء وفرض ضرائب جديدة العام المقبل في محاولة لخفض العجز المالي، مشيرة إلى أن الحكومة تتوقع أن تعزز تلك الإجراءات إيراداتها بنحو 3.5 مليار دينار أي ما يعادل 1.22 مليار دولار.

وكان الأمين العام لاتحاد الشغل التونسي، “نور الدين الطبوبي”، قد قال في وقت سابق، إن الحكومة اقترحت خفض فاتورة أجور الموظفين في القطاع العام بنسبة 10 في المئة، مشددا على أن الاتحاد يرفض هذه المقترحات.

وتواجه تونس أسوأ أزمة اقتصادية بعد أن انكمش الاقتصاد 8.8 بالمئة العام الماضي في حين وصل عجز الميزانية إلى مستوى قياسي عند 11.4 بالمئة، فيما شهد الدين العام نسقا تصاعديا منذ سنوات ما بعد الثورة، فبعد أن كان حجمه لا يتجاوز 43 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2009، ارتفع إلى 90 بالمئة في 2020.

وتشير توقعات قانون المالية الأصلي للعام الحالي، إلى بلوغ الدين العام مستوى قياسيا ليصل إلى 109.23 مليارات دينار نحو 37.6 مليار دولار منها 74.21 مليار دينار 25.5 مليار دولار، ديونا خارجية.

جمود المفاوضات ينذر بالأسوأ..

كانت تونس قد بدأت الشهر الماضي محادثات مع صندوق النقد للوصول إلى برنامج تمويل من أجل إنقاذ اقتصادها الذي يعاني وبشدة.

يشار إلى أن المحادثات مع صندوق النقد كانت توقفت في 25 يوليو/ تموز، على إثر القرارات التي اتخذها الرئيس “قيس سعيد”، بإقالة مجلس الوزراء وتعليق البرلمان وتولى السلطة التنفيذية، في مواجهة شلل حكومي استمر فترة طويلة.

ورغم التصريحات المتكررة بشأن مواصلة صندوق النقد تقديم الدعم إلى تونس، فإنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق مبدئي بين الطرفين، إذ يشترط الصندوق توفر الاستقرار السياسي وتوافقاً بين جميع الأطراف السياسية والمنظمات الوطنية، إلى جانب الالتزام بتنفيذ جملة من الإصلاحات المتأخرة.

يربط المحلل الاقتصادي “عبد اللطيف الشريتي” تعافي الاقتصاد التونسي بالتوافقات السياسية التي تفرض نفسها في البلاد بشدة، معتبرا أن المباحثات مع صندوق النقد لن تصل لنتيجة إيجابية في ظل ضبابية المشهد السياسي في تونس.

ويضيف “الشريتي”، أنه “تم تسجيل شبه وضوح في الخريطة السياسية للبلاد بالإعلان عن إجراءات سياسية حاسمة، غير أنه لم يقع بتاتاً تحديد خريطة اقتصادية لتونس في الفترة المقبلة، مشددا على ضرورة أن يحظى الملف الاقتصادي باهتمام متزايد من أعلى سلطة في البلاد حالياً، لان غياب الخريطة الاقتصادية تؤكد بحسب المحلل الاقتصادي أن “حكومة نجلاء بودن أصبحت في حكم المؤقتة، ما يطرح صعوبات وضغوطات اقتصادية جديدة، وفي مقدمتها الدخول في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي”.

ويقول “الشريتي” إن “صندوق النقد الدولي لا يتفاوض مع حكومات مؤقتة، في حين أن تونس ترغب في إبرام اتفاق قرض جديد يمتد في أدنى تقدير لمدى ثلاثة أعوام”.

في السياق، لفت المحلل الاقتصادي التونسي إلى أن “صندوق النقد الدولي اشترط على تونس أن تكون الإصلاحات الاقتصادية محل توافق واسع من المنظمات الوطنية والأحزاب، لكن دائرة المعارضين توسعت إثر قرارات سعيد الأخيرة، ما يجعل هذه الإصلاحات غير ممكنة من وجهة نظر الصندوق، ما سيعقد المسائل الاقتصادية والمالية بالنسبة إلى تونس أكثر”، مشيرا إلى أن “عام 2022 سيكون صعباً على تونس من الناحية الاقتصادية على الرغم من حلحلة الأوضاع السياسية نسبياً”.

الأزمة تطال خبز الفقراء..

مؤخرا، أعلنت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عن رفع أسعار الحبوب للإنتاج المحلي بالنسبة للموسم الزراعي 2021/ 2022 بزيادة قدرت بـ13 دينارا للقنطار الواحد لكل أصناف الحبوب.

وبينما قالت وزارة الزراعة في بيان لها، إن هذا الرفع “يندرج في إطار الحرص على توفير الظروف الملائمة لإنجاح موسم الزراعة، ودعم الفلاحين النشطين في قطاع الزراعات الكبرى وتحفيزهم من أجل تطوير الإنتاج”، يقول مراقبون أن السلطات تسعى عبر هذه الزيادة إلى تفادي أزمة مخزونات القمح التي قد تنتج عن مزيد من تراجع الإنتاج المحلي الذي أثرت فيه مواسم الجفاف وزيادة أسعار مدخلات الإنتاج، ما تسبب في إقصاء صغار الفلاحين من نشاط الزراعات الكبرى.

يشار إلى أن تونس تواجه صعوبات سداد فواتير وارادات القمح، إذ أكد كاتب عام النقابة الأساسية لديوان الحبوب مؤخرا، “عادل مرزوق”، أن الديوان عاجز عن سداد فواتير 4 شحنات من الحبوب لا تزال البواخر التي تحملها راسية في عرض البحر فيما تتحمل الدولة خسائر يومية عن انتظار البواخر.

وقال “مرزوق”، في تصريحات إن 4 بواخر وصلت في تواريخ مختلفة منذ شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي وديسمبر/ كانون الأول الجاري محملة بشحنات قمح صلب وقمح لين وشعير راسية في المنطقة المكشوفة قبالة جزيرة قرقنة من محافظة صفاقس في انتظار سداد رسوم الشحنات والإذن بتفريغها، مشيرا إلى أنه لم يتم خلاص هذه البواخر لتفريغها، مما سيتسبّب في خسائر يومية في شكل رسوم تأخير تتراوح بين 10 و20 ألف دولار على كل باخرة.

في تعليقه على قرار زيادة أسعار الحبوب، يرى أستاذ الاقتصاد والخبير الاقتصادي “خالد خير الله” أن ذلك سيمنع جزئيا انسحابات جديدة للفلاحين من النشاط، مؤكدا أن عوامل مناخية وأخرى ناتجة عن كلفة الإنتاج تسببت في تراجع مستوى الإنتاج المحلي من الحبوب في السنوات الأخيرة.

ويؤكد “خير الله”، أن الزراعات الكبرى هي أهم عنصر في الأمن الغذائي للتونسيين الذين يستهلكون أكثر من 70 بالمائة من القمح اللين المورد و50 بالمائة من القمح الصلب القادم من وراء البحار، مشيرا إلى أن تحسين المردودية المالية للمزارعين يحفّز على الإنتاج، لكنه يشترط ألا تشهد أسعار الخبز ارتفاعا متوازيا مع ارتفاع الحبوب.

يشار إلى أن تونس، تُعد من بين أكبر البلدان المستوردة للحبوب، حيث تتراوح احتياجات البلاد من هذه المادة الحيوية بين 30 و32 مليون قنطار سنويا، ولا تنتج منها إلا 10 ملايين قنطار، ويعود ذلك بالأساس إلى خلل منظومتي الاستهلاك والدعم، بحسب تقارير صحفية.

زيادة في الهدر..

على الرغم من قلة المخزونات وتقلص الإنتاج المحلي لا يزال التونسيون يهدرون خبزا ومعجنات بقيمة 35 مليون دولار سنويا، حسبما ذكرت دراسة لمعهد الاستهلاك الحكومي، مشيرة إلى أن مادة الخبز تتصدر قائمة المواد الغذائية المهدرة في البلاد، حيث يتم إلقاء 113 ألف طن منها سنوياً، بمعدل 42 كيلوغراماً لكل أسرة.

وبحسب الدراسة، فإن الأسر التونسية تخسر سنويا ما قيمته 321 دولارا من تبذير الخبز، فيما تتكبد الدولة 35 مليون دولار جراء تبذير الخبز المصنوع من الحبوب الموردة.

يذكر أن تقرير عن منظمة الأغذية والزراعة “فاو”، كان أفاد بأن واردات تونس من الحبوب لموسم 2020/ 2021 ستزداد بنسبة 20 بالمئة مقارنة مع الموسم السابق، وذلك إلى 3.8 ملايين طن، مؤكدة أن ذلك يعود للتوقعات بتراجع محصول الحبوب بواقع الثلث هذا العام.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.