أزمة التعليم في مناطق الإدارة الذاتية بالحسكة

وحدة الرصد والمتابعة في مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

لم تكن العملية التعليمة في محافظة الحسكة والمناطق الشرقية من سوريا أفضل من باقي المناطق، وبخاصة بعد أن بسطت الإدارة الذاتية سيطرتها ونفوذها على المدارس الواقعة فيها معظمها باستثناء المدارس الواقعة في المربعين الأمنيين في القامشلي والحسكة، وكانت بداية سيطرتها على المدارس الابتدائية وبشكلٍ تدريجي منذ بدايات الثورة في سوريا، لتمنع التعلم بمنهاج التربية السورية، وتستبدل به مناهج خاصة بها، وقد عينت مدرسين دربتهم وفقاً لمناهجها وأيديولوجيتها، لقي هذا الأمر استحساناً بعض الشيء من أنصار الإدارة الذاتية، فيما لقي استنكاراً من شريحة واسعة من الأكراد والمكونات الأخرى الذين أبدوا رفضهم لهذه المناهج بسبب تخوّفهم على مستقبل أولادهم، خصوصاً أنّه لم يجرِ الاعتراف بهذه المناهج رسمياً من أي جهة، واعتبروا ذلك ترسيخاً لسياسة الأمر الواقع التي فرضت من قبل طرف سياسي واحد.

وقد أثار فرض الواقع التعليمي الجديد كثيراً من الجدل والمناقشة حتى الساعة ورفضاً لهذه المناهج بحجة أنها مؤدلجة، علاوة على تغيب مادة الديانة الإسلامية لشريحة كبرى من مكونات المنطقة المعتنقين لها.

ثم إعلان قرار هيئة التربية والتعليم ورؤساء الكنائس في الفرات والجزيرة بقاء تدريس مناهج الإدارة حبراً على ورق ومتابعة تدريس مناهج النظام السوري كما في السابق.

واقع العملية التعليمية الفوضوية في الحسكة والقامشلي

 بعد أن بسطت الإدارة الذاتية الديمقراطية سيطرتها على مختلف المناطق في الشمال السوري مع بداية الثورة السورية أو ما يسمى بالأزمة، وكأولى خطواتها سيطرت على بعض المدارس وبدأت بتطبيق نظام تعليمي يعتبر الأول من نوعه في عموم سوريا، وانطلقت من المدارس الابتدائية، لتشكل بعد ذلك هيئة التربية والتعليم لتكون هي المسؤولة والمتابعة للعملية التعليمية، ومن ثم ليصدر عنها قرار في شهر تشرين الأول 2016، يلزم المدارس العامة والخاصة في مناطق الشمال السوري بتدريس المناهج الكردية المقرّرة حديثاً، في صفوف الأول والثاني والثالث، ليلحق بها قرار آخر مع نهاية عام 2016 أبلغت فيه هيئة التربية والتعليم قرار إغلاق المعاهد وتغيير المناهج لمرحلة التعليم الأساسي بما فيها منهاج الشهادة (الإعدادية)، ممهلة إياهم حتى بدء العام الدراسي الجديد في شهر أيلول 2017 ، وإلغاء الدروس الخاصة ومنع تدريس الطلاب حتى في المنازل، تحت طائلة المساءلة المسلكية والقانونية.

بعد انتهاء عام 2017 الدراسي، ووفقاً لمصادر خاصة من هيئة التربية والتعليم أكدوا أن عدد الطلاب الذين التحقوا بمدارس الإدارة الذاتية زاد مقارنة بالسنوات الماضية، فقد بلغ عدد الطلاب الملتحقين بها عام 2017 حوالى 137000 ألف طالب وطالبة في المرحلة الابتدائية، وتقدموا لامتحانات الفصل الثاني باللغات (العربية والكردية والسريانية) في 1500 مدرسة تابعة لهيئة التربية والتعليم للإدارة الذاتية في الشمال السوري.

كادر تدريسي يجهل العملية التربوية قبل التعليمية

عانت الإدارة الذاتية مع بداية تأسيسها لنظامها التعليمي نقصاً في الكادر التدريسي كماً ونوعاً، وكان ذلك من كبرى الصعوبات التي واجهتها وتعثرت بها العملية التعليمية وما تزال، فمع مرور الوقت استطاعت أن تتجاوز الكم لتؤمن أعداداً كبيرة من المدرسيين، ولكن من دون أن تنتبه إلى النوع، لأن أغلب مدرسيها لم يكن لديهم أي صلة بالعملية التعليمية سابقاً على الرغم من الدورات المكثفة التي اتبّعوها في معاهد الإدارة الذاتية، إضافة إلى عدم معرفتهم بأسلوب التعامل مع الطلاب لأن العملية التعليمية وبخاصة الابتدائية قبل أن تكون تعليمية هي عملية تربوية، ولأن أعمار التلاميذ لا تتجاوز اثنتي عشرة سنة، فكما هو معروف يتلقى الطفل أي شيء ثم يبقى مخبوءاً في ذاكرته في السنوات الأولى من عمره.

ثم إن العملية التعليمية لديها تفتقد إلى كادر ذي اختصاصات تربوية خاصة بالإرشاد النفسي، ومعلم الصف وغيرهما من الاختصاصات التي لها علاقة بالعملية التربوية والإرشاد النفسي التي تعمل على متابعة حالة الطلاب في المدارس وعلاقتهم بالمحيط سواء العلاقة المتبادلة بينهم وبين المدرسة أم المعلمين أم أسر الطلاب، فكان لا بد من تحضير الكادر التوجيهي لتسيير العملية التربوية والتعليمية قبل البدء بأي خطوة.

يخضع المدرسون لدورات مغلقة لأشهر عدة، ويخضعون لدوراتٍ تدريبية على المناهج، وفي المرحلة الإعدادية إذ يُختار المدرسون الاختصاصيون كلّ بحسب اختصاصه، وذلك بعد خضوعهم لدورات عدة على المناهج، ففي العام الفائت جرى تخريج (13000) معلم مدرّب للمرحلة الابتدائية فقط، وتأهيل 2000 معلم ومدرس للمرحلة الإعدادية وزعوا في المدارس، وبلغ عدد المدارس التابعة للإدارة الذاتية (1958) مدرسة، إلّا أنّ عدد الطلاب في تزايد، وهناك حاجة متزايدة إلى المقاعد الصفية.

اللغات الرسمية في المناهج الإدارة الذاتية هي (الكردية والعربية والسريانية)

تعتبر الكردية والعربية والسريانية لغات رسمية في المدارس الابتدائية والإعدادية الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية، إذ تتطابق المواد العلمية في اللغات الثلاث، مع وجود فوارق بسيطة في المواد النظرية، مثل (التاريخ والثقافة والأخلاق)، وذلك بحسب خصوصية كل مكون وثقافته وحياته الاجتماعية، ويعلل القائمون على العملية التعليمية في الإدارة، اعتماد هذا النظام لاستئصال فكرة اللغة الواحدة واللون الواحد الذي كان معتمداً من قبل النظام السوري السابق في العملية التعليمية، وفي الصف الرابع الابتدائي يختار كل مكون من المكونات الثلاث إحدى اللغات الرسمية الأخرى -غير لغته- ليتعلّمها، والتعليم مجاني لمكونات المنطقة كلهم بمن فيهم النازحون الوافدون إلى محافظة الحسكة، والمتوزعون في مناطق حكم الإدارة الذاتية.

يدرس النازحون منهاج الإدارة الذاتية لكن بلغتهم، ويُجرى سبر معلومات لهم، في حال لم يكن بحوزتهم وثائق تحدد الصف الذي سيدرسون فيه، وبناءً على هذا السبر يُوزّعون في الصفوف.

الإدارة الذاتية تتكفل بمنح المدرسين رواتبهم في حال التحاقهم بمدارسها

كانت (الإدارة العامة للمدارس) التابعة لـ “الإدارة الذاتية” الكردية قد أعلنت مع بداية عام 2017 أنها ستدير المدارس جميعها بما فيها الخاضعة لحكومة النظام في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، ومع بداية العام الدراسي دعت المعلمين في مدارس النظام إلى الالتحاق بها في بيان عممته، موضحة أن على المعلمين في مدارس النظام العمل لديها، مؤكدة أنها ستتكفل بدفع رواتبهم.

وأوضحت “الإدارة العامة” أنها ستدرس مناهجها في المحافظة عدا مناهج المرحلة الثانوية، وستشرف على تعين الكوادر، وأصدرت هيئة التربية قراراً آخر يقضي بإغلاق المعاهد الخاصة جميعها التي تدرس مناهج الشهادتين الإعدادية والثانوية العائدين إلى التربية السورية، ومنع الدورات الخاصة في البيوت، وذلك تحت طائلة المحاسبة، وأعلنت تكفلها بفتح مراكز للدورات الخاصة لمنهاج المرحلة الثانوية مجاناً للطلاب.

موجة من الانتقادات تلاحق مناهج الإدارة الذاتية

ووفقاً للرصد والمتابعة لذوي التلاميذ ومدى تقبلهم لمناهج الإدارة الذاتية وتقويمهم للعملية التعليمية، وبحسب تعبيرهم فإن المناهج الجديدة لا تتلاءم مع الحاجات التربوية والتعليمية للتلاميذ، وفيها نقاط ضعف كبيرة، لكن على الرغم من ذلك يسجّلون أبناءهم في هذه المدارس، معتبرين ذلك أفضل من أن يبقى أطفالهم من دون تعليم، وأن يقضوا أوقاتهم بعيداً من أجواء المدارس التي اعتادوا عليها.

فالمناهج الجديدة ضعيفة، ولا تلبي حاجات أطفالهم التعليمية والتربوية، وأكدوا أنهم متخوفون على مستقبلهم الذي يلفه الغموض، في ظل عدم وجود أي اعتراف رسمي بهذه المناهج، إلّا أنهم مضطرون إلى تسجيل أولادهم في هذه المدارس فليس أمامهم خيارٌ آخر، ومن خلال موجة الانتقادات الشديدة لمنهاج اللغة الكردية المعتمد من قبل الإدارة الذاتية، يختلف منهاج الإدارة الذاتية عن منهاج الحكومة السورية، فهو من جهة أفضل، وأكثر ملاءمة للكرد لأنه بلغتهم، وهو مشابه له، من جهة أخرى نظراً إلى اتباعه أيديولوجية حزبية واحدة، ومن جهة ثالثة هو دون مستوى منهاج التربية السورية من حيث الحرفية واتباع الأساليب التربوية والعلمية الحديثة وسويات المؤلفين، فضلاً عن وجود كم كبير من الأخطاء اللغوية والتربوية في هذا المنهاج، وأنّ طريقة تطبيق المنهاج وآلياته خاطئة، وتسببت في ابتعاد كثيرين عنه، وتفضيلهم للمدارس التي تدرّس المناهج العربية السابقة.

مناهج تجهل كل ما يتعلق بالديانة الإسلامية

وهناك ما يشوب مناهج الإدارة الذاتية في مناطق الشمال السوري من حيث غياب مادة الديانة والعقيدة، إذ لا يوجد منهاج خاص لتدريس الطلاب مفهومات الديانة وتعاليمها سواء كانوا مسلمين أم مسيحين على الرغم من أن أعلى نسبة بين مكونات هذه المناطق هي من أبناء الديانة الإسلامية، ويقتصر تعليم نسبة ضئيلة من الأطفال على ذهابهم إلى دور العبادة والجوامع في فصل الصيف لتعلم الديانة وبعض المبادئ الإسلامية، والباقي لا يعرف حتى قراءة الفاتحة، ويجهل كل ما يتعلق بأصول الديانة الإسلامية من أركان وعقيدة، والمكون السرياني أيضاً يتعلم أبناؤه ديانتهم في الكنائس وبعض المدارس الخاصة به إذ كان قد خصص تعلم ديانته بدعم وتوجيه من الكنيسة.

قرارات بضم المرحلة الإعدادية والثانوية إلى هيئة التربية

قبل بداية العام الدراسي 2017-2018، أصدرت هيئة التربية التابعة للإدارة الذاتية في حزيران/ يونيو 2017، قراراً تعلن فيه إدارتها للمدارس كافة الموجودة في “مقاطعة الجزيرة”، متجاهلةً بقرارها المدارس الخاضعة لسيطرة النظام السوري في القامشلي والحسكة، وأوضحت في قرارها الصادر أنّه سيجري تدريس مناهج الإدارة الذاتية في المرحلة الإعدادية، أما المرحلة الثانوية، فسيبقى منهاج التربية السورية فيها كما هو، مع تعيين الكادر التدريسي من قبل هيئة التربية في مقاطعة الجزيرة، وهذا ما لم يحصل، إذ بقي المنهاج ذاته وبقي المعلمون التابعون للتربية السورية أنفسهم، وعزت الهيئة بقاء المرحلة الثانوية على حالها إلى حساسيتها بالنسبة إلى الطلاب، ودعت هيئة التربية في قرارها المعلمين الموظفين في سلك التربية السورية إلى الانضمام إلى كوادرها، مع تكفّلها بدفع الرواتب.

كلمة الفصل بشأن إغلاق المدارس السريانية في يد رؤساء كهنة الكنائس

كان آخر قرار صدر عن هيئة التربية والتعليم في مناطق الإدارة الذاتية هو إغلاق المدارس السريانية والأشورية في مدينة ديرك وتربه سبيه، هذا القرار الذي لاقى استياء من جانب قسم من المكون السرياني والأشوري فخرجوا ببيان يستنكرون فيه هذا القرار بوصفه قد اخترق القوانين والمبادئ كافة التي كانوا قد اتفقوا عليها مع بداية تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية، وبأن هذا القرار صدر عن الهيئة المسيحية وبعض من المتفردين بالسلطة في الإدارة الذاتية الديمقراطية، من أجل بث الخلافات وتأجيجها بحسب ما ذكر في البيان الصادر عن الجمعية الثقافية السريانية الذي صدر في 10/8/2018، هذا وما يزال القرار معلقاً ولم يصدر من جانب الإدارة الذاتية أي توضيح لقيامهم بخرق هذه الاتفاقية، إضافة إلى الغموض في مؤسسات الإدارة الذاتية وهيئاتها كافة في ظل اللقاءات التي تجمع بين مجلس سوريا الديمقراطية والحكومة السورية خصوصاً على شكل المؤسسات الرسمية والخدمية وإدارتها في مناطق الشمال السورية بالتزامن مع المناقشة والتحضير للانتخابات المحلية في سوريا في منتصف شهر أيلول المقبل، إلى جانب قيام رؤساء الكنائس وكهنتها في الجزيرة والفرات في القامشلي باجتماع نتج منه تنديدهم بتدخل أي طرف من الأطراف في المدارس حول التعليم باللغة السريانية والبقاء على وضع المدارس كما كانت في السابق، لتدرس بمناهج النظام ولتقول الكنيسة كلمة الفصل.

ختاماً

توقفنا في محطات كثيرة حول ما يتعلق بالعملية التعليمية في محافظة الحسكة والمناطق الشرقية من سوريا، لنجد شكل العملية التعليمية ونظامها فوضوياً، وذلك منذ أن بدأت الإدارة الذاتية بفرض مناهجها ونظامها التعليمي على أبناء الشمال السوري، من خلال سنها عدداً من القرارات المتعاقبة في خطوة غير مدروسة وغير مجهز لها بدءاً من المناهج التعليمية وصولاً إلى الكادر التعليمي، ليدمر جيل بأكمله ويبقى خيار تعلم هذا المنهاج أو ذاك أو البقاء من دون تعلم خيارين أسوء من بعضهما لا ثالث لهما.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.