أزمة مستمرة.. الأدوية من صيدليات لبنان إلى مافيات التهريب

يعيش لبنان أزمة دواء، يفاقم منها الحديث عن رفع دعم المصرف المركزي عنها، الأمر الذي دفع شركات الأدوية والصيدليات إلى إخفاء الكثير من الأصناف لبيعها بعد ارتفاع أسعارها أو بيعها في السوق السوداء لجهات تعمل على تهريبها خارج لبنان.

وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال “حمد حسن”، دعا في وقت سابق من الشهر الحالي، إلى “ترشيد توزيع الأدوية”، بهدف تأمين حاجات الناس، في ظل انقطاع أدوية كثيرة من الصيدليات، وتهافُت المواطنين على تخزينها، موضحا أن الأدوية المتوافرة في لبنان تكفي فقط لثلاثة أشهر.

انقطاع أدوية الأمراض المستعصية

“هادي مراد” عضو مجلس أطباء القمصان البيض، يؤكد فقدان أكثر من 60 صنفا من الأدوية، غالبيتها لأمراض مستعصية مثل أمراض القلب، الضغط، الكلى، الأعصاب، الكوليسترول، السكري، بالإضافة لأمراض السرطان، ويعتبر “مراد” أن انقطاع أدوية الأمراض المستعصية يشكل خطرا على حياة المرضى، نتيجة المضاعفات التي قد يخلفها عم تعاطيهم للأدوية الضرورية.

في السياق، يحذر رئيس قسم الطوارئ في مستشفى الحريري، الدكتور “نبيل شاشا”، من تبعات فقدان الأدوية المخصصة لمرضى القلب، لافتاً إلى أنّ هذا الشهر شهد زيادة في عدد المراجعات بنسبة 40 بالمئة في قسم الطوارئ من مرضى يعانون من عجز في القلب، وغيره من المضاعفات، في مقابل الشهر الماضي. وأوضح “شاشا” أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء المرضى كان يؤكّد توقّفه عن تناول أدويته لأنّها مفقودة من السوق، ولم يجد سبيلاً لتأمينها.

يشار الى أن مرضى القلب في لبنان يعانون من فقدان نوعين من الأدوية بشكل أساسي، وهما: “لازيكس Lasix”، وهو دواء يُصنّع محلياً برخصة من معمل فرنسي، وله بديل “جنريك”، ولكنّ البديل مفقود من الأسواق أيضاً، و”سنتروم sintrom”، ولا يوجد له في لبنان أي بديل.

حديث “شاشا” و”مراد” تؤكده “غالية تويني”، وهي مريضة سكري، إذ تؤكد انها دفعت ثمن حقنة “الأنسولين” أضعاف سعرها الاعتيادي، بعد بحث استمر لأكثر من 11 يوما في صيدليات بيروت، مؤكدة أن مخاوفها من انقطاع الدواء دفعها لطلبه من اليونان بأسعار أقل من السعر الذي دفعته للحصول عليه من لبنان وجهد أقل.

وتشير “تويني”، الى أنها ربما لن تستطيع دفع ثمن الدواء لفترة طويلة ، نتيجة أوضاعها المادية، معربة عن أملها في أن تجد السلطات في لبنان حل قريب لمشكلة انقطاع الدواء.

تهريب الى خارج لبنان

إخفاء شركات الأدوية والصيدليات للكثير من الأدوية لبيعها بعد ارتفاع أسعارها أو بيعها في السوق السوداء وتهريبها لقبض ثمنها بالدولار، هو السبب الرئيسي لأزمة الأدوية في لبنان، حسبما يعتقد صيدلاني رفض الكشف عن اسمه، ويؤكد الصيدلاني لمرصد مينا أن عمليات تهريب الأدوية بدأت في لبنان قبل سنوات أي قبل بدء الأزمة الاقتصادية الأخيرة، موضحا أن عشرات الشبكات كانت تعمل على تهريب الأدوية لكن بعد الأزمة تضاعفت أعداد هذه الشبكات، لتصبح عمليات تهريب الأدوية مصدر دخل الكثير من الجماعات وخاصة المسلحة منها.

الى جانب ذلك، يشير الصيدلاني إلى أنه قبل الأزمة الاقتصادية الأخيرة كانت عمليات تهريب الأدوية محصورة الى سوريا عبر “تجار الشنطة” الذين يجمعون عددا قليلا من الأدوية ويبيعونها في سوريا بأضعاف سعرها، لكن مع تزايد أعداد الشبكات اصبحت الأدوية اللبنانية تهرب الى مصر وليبيا والعراق، بكميات كبيرة جدا حتى تصل أحيانا لعشرات الكيلوغرام.

وكانت قوى الأمن اللبنانية أعلنت بدايات شهر تشرين الأول \ اكتوبر الحالي، إحباط محاولة تهريب كمية كبيرة من الأدوية من لبنان الى مصر عبر مطار بيروت الدولي، كما ضبطت خلال الاسبوع الأخير من الشهر ذاته كمية كبيرة من الأدوية مخزنة في شقة في منطقة الروشة لتهريبها.

وزير الصحة اللبناني، “حمد حسن” كان أعلن في وقت سابق، أن السلطات الصحية بدأت بحملات تفتيش واسعة على مستودعات الأدوية في البلاد، في ظل تزايد الأنباء عن تخزين كميات كبيرة من الأدوية المدعومة من الدولة استعداداً لتهريبها إلى خارج لبنان، موضحا أن حملات التفتيش تأتي ضمن سلسلة إجراءات طارئة لبحث أزمة الدواء وإيجاد الحلول اللازمة لها، بالإضافة إلى تحديد آلية رقابة تدخل في السوق اللبنانية.

حسن أكد أنه “في هذه المرحلة لن يوجه إنذارات، بل سنتخذ قرارات سريعة بالإقفال لمدة لا تقل عن أسبوع لمن يرتكب تجاوزات”.

دور حزب الله

الحديث عن دور ميليشيات “حزب الله” يفرض نفسه عند مناقشة أي أزمة لبنانية أو عملية تهريب، باعتباره الجهة الوحيدة المسيطرة على مساحات شاسعة من الحدود مع سوريا وعُرف بنشاطاته السابقة في تهريب الأسلحة والمخدرات وغيرها، وفي هذا السياق يقول الصيدلاني الذي رفض الكشف عن اسمه خشية الملاحقة، إن الحزب يسعى للسيطرة على سواق الدواء مستغلا إقفال بعض الصيدليات لشرائها بأسعار منخفضة جدا و امتلاك الأدوية المخصصة لها لتهريبها وبيعها خارج لبنان، ما قد يمنحه مصدر تمويل جديد لميليشياته على حساب الشعب اللبناني.

ويشير الصيدلاني الى أن الحزب يزود الصيدليات التي اشتراها مؤخرا بأدوية أرخص و نوعيات سيئة مهربة من سورية وإيران، دون الالتفات لخطورة توزيع أدوية قد تكون منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمواصفات التي تعتمدها الصحة اللبنانية.

وكانت مصادر لبنانية كشفت لمرصد مينا اتباع حزب الله “تكتيك مالي” جديد من خلال تشغيل أمواله في المجال الطبي والصيدلاني، مشيرة الى أن ابن شقيق لوزير ونائب سابق في “حزب الله” من منطقة قضاء صور ويمتلك ثلاث شركات للدواء، اشترى ثلاث صيدليات متعثرة من أصحابها خلال فترة زمنية لا تتجاوز الشهرين.

ونوهت المصادر الى أنه رغم أزمة الدواء في لبنان فإن المقربين من الحزب قاموا بتزويد الصيدليات بمخزون كبير من المصرية والسورية والإيرانية لضرب سوق الدواء والوكالات الحصرية التي يشغلها ويمتلكها اشخاص مناوئين له سياسياً.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©