المدخل

هذه الورقة تتحدث عن سبل تحقيق الديمقراطية بشكلها المطلوب؛ وحتى يحدث ذلك التحول الديمقراطي لا بد من وعي بحقيقة الديمقراطية ودورها، إضافة إلى وعي التيارات والمؤسسات والأحزاب التي تدعو إلى الديمقراطية من ضرورة تواجد الأقانيم الديمقراطية الثلاثة المتمثلة بمنع سلطة الدولة في تجاوز القوانين المشروعة؛ ووضوح التمثيل الديمقراطية في مؤسسات الدولة بشكله الصحيح، والسيادة الشعبية والمواطِنية.

ثم لتحقيق ما تقدم يجب تذليل العقبات والمطبات التي تعرقل تحقيق الديمقراطية. هذا كله نناقشه في هذه الورقة من خلال المحاور التالية:

  • المدخل
  • عملية البناء والتحديث المستمرة للديمقراطية!
  • الديمقراطية كظاهرة تاريخية
  • الديمقراطية والوهم الديمقراطي
  • دول غير ديمقراطية وتدعي الديمقراطية!
  • في تطور مسالك الديمقراطية وتنوع مطالبها
  • المواطنة الكاملة شرط ضروري في العملية الديمقراطية
  • من معوقات الديمقراطية
  • أولاً: المعادلة الصفرية مع الآخر
  • ثانياً: الهويات المتقاتلة
  • ثالثاً: المال السياسي ودوره بتقويض الديمقراطية
  • الخاتمة والتوصيات

المدخل

يتفق دعاة الديمقراطية على أنها كي تتحقق؛ تحتاج لأسس ثلاثة، تتمثل بمنع تجاوز الحكومة لما قد تم التفاهم عليه في العملية الديمقراطية، والتمثيل البرلماني للمعارضة تمثيلاً حقيقياً لا صورياً، والسيادة الشعبية من خلال تحقيق المعنى العميق للمواطنة، إذ دون هذه الأقانيم الثلاثة، أو إذا طغى أحدهما على الآخر تتحول الديمقراطية إلى شيء آخر مشوه تماماً، ما يعني أن الديمقراطية هي عملية موازنة دقيقة لدور كل أقنوم من هذه الأقانيم؛ والدور الذي ينبغي عليه أن يلعبه في عملية صناعة الديمقراطية.

ومن هنا بالذات، من اختلاف هذه الأدوار بين ديمقراطية وأخرى؛ يكون لدينا أشكال متعددة ومتنوعة من الديمقراطيات، ومن هذا الصراع الديمقراطي بين هذه المكونات تتطوّر الديمقراطية، وتنمو وتتغير، وقد تتراجع! وتنحط! إذا لم تتمكن هذه الأقانيم من إيجاد صيغ تلائم عملية تحولها إلى سياسة متفق عليها بين جميع الأطراف.

عملية البناء والتحديث المستمرة للديمقراطية!

مما تقدم في مدخل هذه الورقة، يتضح لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن الديمقراطية هي عملية بناء وتحديث مستمرة للعمل الديمقراطي، إذ لا يوجد ديمقراطية منجزة وجاهزة ومنزلة من السماء، بل إن كل ديمقراطية هي وليدة شروطها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا ما سنراه بوضوح بعد مناقشة معنى ودور كل أقنوم من هذه الأقانيم داخل العملية الديمقراطية في هذه الورقة، وهي محددة بجملة من الشروط التي تؤدي إلى ولادتها أو إجهاضها.

الديمقراطية كظاهرة تاريخية

ومما تقدم آنفاً؛ نستنبط أيضاً أنها عملية تاريخية، فنحن هنا إزاء عملية تاريخية تُقرأ على ضوء الأحداث التاريخية، بحيث لا يمكن لنا اليوم قراءة الديمقراطية الفرنسية أو الإنكليزية أو الأميركية بعيداً عن تاريخانية كل بلد من هذه البلدان، سواء في التاريخ القديم أو الحديث والمعاصر.

فلا يمكن لنا دراسة الديمقراطية الفرنسية بمعزل عن أفكار فلاسفة التنوير والحداثة والجمهورية والعلمانية والثورة الفرنسية، بكل ما جرى داخل هذا التاريخ من عنف وتوتاليتارية وتراجع وتقدّم.

كما لا يمكن لنا فهم الديمقراطية الأميركية وتطورها أو تراجعها بعيداً عن الظاهرة الشعبوية “الترامبية” التي ولدت من صلب الديمقراطية الأميركية.

فنحن هنا أمام ظاهرة تاريخية بامتياز، قابلة للتقدم والتراجع على ضوء أسئلة التاريخ وتعقيداته الكثيرة، وهذا ما يعطي عموماً بعض الأمل لشرقنا البائس التي يكثر فيها اليوم الحديث عن التراجع الديمقراطي على ضوء النتائج والمآسي التي وصل إليها الربيع العربي اليوم، من حيث إن هذا التراجع ليس هزيمة نهائية، بل هو شيء تاريخي قابل للتجاوز حين تتغير الظروف التي أدت إلى هذا التراجع، كما حصل مع الكثير من الديمقراطيات الغربية التي عاشت مرحلة تراجع وتقدم قبل أن تستقر على أسس راسخة.

ما يعنينا هنا، في نهاية المطاف، أن الديمقراطية ليست “نهاية التاريخ” كما قال فرانسيس فوكوياما، وليست أيضاً بدايته، فهي ليست قدراً تاريخياً أو حتمية تاريخية بلغة الماركسيين، بل هي ظاهرة تاريخية قابلة للتحقّق؛ وقد لا تتحقق في مجتمع ما لعدم توفر الشروط الذاتية التي تيسر عملية ولادتها.

فإنْ توفرت شروطها وُلِدت، وإنْ لم تتوفر شروطها كانت صورية لا أكثر، دون أن يعني هذا الوقوع في أحابيل العدمية التاريخية أو الحتمية التاريخية المضادة، والقائلة بأن ثمّة مناطق عصية على الديمقراطية مثل شرقنا البائس، أو أن لنا خصوصية ديمقراطية، فالديمقراطية هي الديمقراطية، قد تختلف أشكالها، ولكن لا يختلف جوهرها، مهما تعددت أشكالها وتنوعت وهذا ما يسمح لنا بتمييز الديمقراطية عن غيرها.

 الديمقراطية والوهم الديمقراطي

يسمح لنا مما تقدم ذكره بعدم تصديق العديد من الحكومات التي تلصق كلمة الديمقراطية بممارساتها أو حتى أسماء دولها، فالديمقراطية الشعبية التي جاءت بها التجارب اليسارية في الحكم مثلاً، لا أحد يصنفها اليوم بوصفها ديمقراطية، بل هي تحولت إلى توتاليتارية فظيعة.

كما أن ممارسة العملية الانتخابية وحتى التداول السلمي للسلطة في بعض الدول، كما يحصل في بعض دول العالم الثالث اليوم، لا يمكن تسميتها بالديمقراطية لأنها لا تقوم في العمق على الأسس والأقانيم الثلاثة التي تحدثنا عنها أعلاه باعتبار أنها الديمقراطية.

أي ديمقراطية لا يمكن لمواطنيها الحد من سلطة حكومة دولتهم، أو تعسفها؛ تخرج من سياق كونها ديمقراطية، حتى ولو تحقق فيها الأُسان الآخران ـــ التمثيل البرلماني والمواطنة ـــ فهناك دول كثيرة تقوم فيها انتخابات دورية، ولكن تبقى السلطة مع ذلك ممسوكة من قبل أوليغارشية حزبية، أو عسكرية، أو دينية، أو رأسمالية، ما يُسْقط عن هذه الدول أو تلك صفة الديمقراطية؛ وهذا هو وهم الديمقراطية؛ الذي تروجه السلطات الحاكمة من خلال ببروغندتها الإعلامية؛ لتوهم أنصارها بأنها في حضيرة الديمقراطيين، ولكن الواقع مختلف تماماً عن الادعاء.

وحتى تحوز أي سلطة على صفة الديمقراطية؛ ينبغي أن يمتلك الشعب والقوى المجتمعية الحية القدرة الدستورية والقانونية دون عراقيل من السلطة الحاكمة على تنظيم أنفسهم؛ إنْ من خلال مؤسسات المجتمع المدني؛ والأحزاب السياسية المعارضة؛ والتمثيل البرلماني المعارض للاعتراض على سلطة الحكومات؛ والحد من تسلطها؛ ومعارضة القوانين المخالفة للدستور والديمقراطية التي تسنها، فتقوم بعملية التغيير ضمن أسس دستورية وقانونية متفق عليها، تكون هي جزء من النظام الديمقراطية ككل.

دول غير ديمقراطية وتدعي الديمقراطية!

وفي هذا الصدد يمكن لنا أن لا نعدَّ دولاً مثل مصر وروسيا والصين وسورية وإيران وتركيا بشكل ما وكثير من دول قارة إفريقيا وآسيا في مصاف الدول الديمقراطية؛ ولا علاقة لها بحقيقة المفهوم الديمقراطي، لأن شعوبها لا تمتلك أي قوى للحد من سلطة تلك الحكومات.

وهذا الأمر، يقودنا إلى الأقنوم الثاني؛ ونعني به السيادة الشعبية أو تمثيل الشعب، فإذا كانت الديمقراطية في أبسط أشكالها تعني حكم الشعب، فإن هذا يقودنا إلى مسألة التمثيل، أي من يمثل من؟ وكيف يمثل الشعب نفسه؟ وكيف يطرح مطالبه؟

هنا لا يمكن لهذه العملية أن تتحقق إلا من خلال الأحزاب السياسية التي لها تمثيل برلماني حقيقي؛ من المفترض أولاً وقبل كل شيء أن يمثل التنوعات الهائلة والتعدديات والاختلافات الكبيرة في وجهات النظر الموجودة داخل مجتمع ما، ويجب أن يكون لكافة هذه التيارات الفكرية والسياسية حق الوجود والتمثيل في حزب سياسي.

وعليه يمثل هذا الحزب مطالب تلك الشريحة المجتمعية التي تؤمن بأفكاره ومشروعه، ليصبح هؤلاء ممثلين للشعب، وبهذا يتحقق شرط التمثيل في السيادة الشعبية، ولكن هذا بحد ذاته ليس كافياً، لأن اللعبة السياسية قد تنغلق على نفسها أيضاً! وتصبح العملية السياسية محتكرة لمجموعة من الأحزاب؛ التي قد تتفق فيما بينها، وتمنع دخول أي أحد جديد على حقل السياسة، أو قد تصل بعد طول ممارسة للسياسة إلى أن تتشابه في برامجها، ولا تعود معبرة عن التنوع المجتمعي، وبالتالي لا تمثل مصالح المواطنين والمجتمع كلهم على حقيقتها.

في تطور مسالك الديمقراطية وتنوع مطالبها

وحتى يتحقق هذا تمثيل الاجتماعي السابق الذكر، لا تكون الديمقراطية ديمقراطية دون قدرة المجتمع على تكوين قوة مجتمعية فاعلة وساعية بشكل دائم للتغيير والتطوير والتحديث لعملية الديمقراطية ذاتها، وهذا لا يتم إلا بوجود النقابات ومنظمات المجتمع المدني وعن طريقهم؛ التي تشكل صلة الوصل بين المجتمع المدني من جهة؛ والمجتمع السياسي من جهة ثانية.

وهكذا يمكن للفاعلية المجتمعية عن طريق مؤسسات المجتمع المدني ونقاباته أن تشكل عملية ضغط دائم على الحقل السياسي، بحيث ترفده دوماً بمطالب مجتمعية ومعاشية وبالتحولات الجارية فيه، والحقل السياسي يعبّئ هذه القوى بما يحد من قدرة السلطة، ويحقق مصالح المجتمع، وهذا ما نلمسه بوضوح على سبيل المثال بمسألة البيئة التي لم تكن مطروحة في منتصف القرن الماضي على جدول الأحزاب السياسية، ولكن مطالبات المجتمع المدني والجمعيات البيئية؛ جعلت منها اليوم مطلباً رئيسياً على جدول السياسة العالمية.

بل ولدت أيضاً أحزاب سياسية تتبنى هذه المطالب كالأحزاب الخضر في أوروبا مثالاً، وهذا أمر ما كان ليكون لو لم يتحقق أمر الحد من سلطة الحكومات، وعدم انغلاق الحقل السياسي على مجموعة من الأحزاب، وتطور مسالك الديمقراطية ومطالبها وتحديث ذلك كله، حيث نرى كيف لعب المجتمع المدني والنقابات والفاعليات المجتمعية في أوروبا مثلاً دوراً كبيراً في عملية تطور الديمقراطية وتحديثها، وذلك من خلال الضغط على الحقل السياسي من جهة والحد من سلطة الحكومة من جهة أخرى. والأمر ذاته ينطبق على الحركات النسوية.

المواطنة الكاملة شرط ضروري في العملية الديمقراطية

لكن أيضاً إن هذا كله لا يمكن أن يتحقق دون تأصيل مسألة المواطنية وتحقيقها، والتي تعني أن على الجميع الإيمان بأنهم مواطنون في دولة الحقوق، بحيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات، ودون أن يصادر هذا اختلافهم وتنوعهم الثقافي الذي يجب صيانته من قبل مؤسسات الدولة، إذ لا بد لنجاح الديمقراطية من وجود مواطنين يؤمنون بالحيز الجغرافي الذي يشغلوه، ويعترفون به، ويناضلون من خلاله، وأن يكون وعيهم وتمثيلهم وانتخابهم قائم على أمر المواطنة لا على الطائفة، أو القبيلة، أو أية عقيدة، أو جهة كانوا ينتمون لها.

فالديمقراطية تسمح للمواطن بممارسة متنوعة لمسالكها؛ وثقافتها المختلفة؛ على أن يكون هذا بعيداً عن الحقل السياسي الذي يجب أن يدخله مواطن له مجموعة من الحقوق والواجبات التي تحدد علاقته بالدولة والحقل السياسي.

وعليه فإن من ينتخب بناء على طائفته أو دينه أو جماعته أو قوميته، لا يمكن أن يكون ديمقراطياً، وبذلك تسقط أحد أهم أسس الديمقراطية، التي تعني حكم الأكثرية بالمعنى السياسي، وليس بالمعنى الديني أو الطائفي أو القومي، وهذا ما يكون دائماً صعباً جداً في البلدان المتعددة الطوائف والإثنيات كما نشهده في مجتمعاتنا، ولكنه ليس مستحيلاً أيضاً، بل هو ممكن؛ شرط امتلاك ثقافة الديمقراطية؛ التي هي صناعة من جهة؛ ونتاج تحول معرفي صيروري وسيروري تاريخيين من جهة أخرى، لأن درب الديمقراطية ليس معبداً بالورد؛ كما أثبتت لنا التجارب التاريخية؛ بل هو معبد بالشوك والثورات والعنف في أحيان كثيرة،

معوقات الديمقراطية

للديمقراطية معوقات كثيرة؛ تمنع ولادتها ولادةً سليمة؛ تكمن داخل تلك المفاهيم المؤسسة لها، وتحتاج من كل شعب يسعى لترسيخ أسس الديمقراطية أن يجد حلولاً مبدعة وخاصة لها بناء على تجربته التاريخية، وسنذكر عدداً من هذه المعوقات التي قد تكون كامنة في قلب النضال الطويل نحو الديمقراطية. منها:

أولاً: المعادلة الصفرية مع الآخر

تحدثنا أعلاه عن الدور الذي تلعبه الفاعلية المجتمعية في عملية صناعة الديمقراطية وتطورها، ولكن من الضروري الانتباه أن المبادرات الشعبية التي قد تنتج عن هذه الفاعلية هذه تكون من طبيعة صدامية مع الحكومة والمؤسسات، وهذا أمر طبيعي لأن أغلب الفاعليات المجتمعية تقوم على الضد من السلطة، وفي كثير من الأحيان قد تسعى لنسف النسق السياسي القائم برمته.

ففي سعيها للحد من سلطة الحكومة وانغلاق النظام السياسي في وجه مطالبها، قد تعمل على نسفه بالكامل وعدم القبول به، وهذا ما قد يؤدي إلى الثورة عليه أو السعي لتغيير نظام الدولة بأكمله، مما قد يدخل البلاد في دوامة حرب أهلية تقضي على الديمقراطية نفسها؛ كما انتهى إليه حال دول الربيع العربي.

إذن؛ فإن عملية إلغاء الآخر صفرياً كما حدث لحزب البعث في العراق من قبل الاحتلال الأمريكي والإسلام السياسي الشيعي؛ سلوك لا يمت للديمقراطية بصلة، ولقد شاهدنا آثاره في العراق؛ وكيف حوله إلى دولة فاشلة؛ كما أن هذا الإلغاء الصفري أياً كانت مبرراته؛ فهو مقدمة لولادة دكتاتورية جديدة؛ تتعارض مع العملية الديمقراطية؛ وإنْ ادعتها.

وفي هذا السياق، يقول آلان تورين في كتابه “ما هي الديمقراطية”: “الصفة التمثيلية تفترض أيضاً أن تكون لدى الطلبات المجتمعية بالذات رغبة بتمثيل نفسها، أي أن تكون قابلة بقواعد اللعبة السياسية وبقرار الأكثرية. والحال أن كثيراً من الأفعال الجماعية هو من طبيعة أخرى. ونعني بذلك تلك الطلبات التي لا تجد جواباً لدى النظام السياسي، إما لكون هذا النظام محدود أو مشلول أو مسحوق من قبل دولة سلطوية، وإما لأن المطالب نفسها ليست قابلة للتفاوض، بل هي جعلت نفسها وسيلة لتعبئة قوى معينة ترمي إلى قلب النسق المؤسساتي. بموازاة ذلك، لا يستطيع النشاط الجماعي الذي يتحدد بالقطيعة مع النظام القائم أن يحدد قوى مجتمعية فاعلة”.

الأمر الذي يعني أيضاً هنا أن القوى المجتمعية الفاعلة، حتى تكون ديمقراطية وفاعلة، يجب أن تكون قابلة بالأسس القائمة عليها الديمقراطية، وهذا ما يقودنا إلى سؤال متعلق بشرقنا البائس كثيراً، حيث تقف المطالبة بالديمقراطية أمامه، وهو: كيف يمكن لهذه القوى أن تتشكل في ظل استبداد السلطة أساساً؟ وكيف يمكن أن تبقى ضمن حدود النظام السياسي، في حال رفض هذا النظام الرضوخ لمطالبها، والتي هي من طبيعة ديمقراطية تفاوضية؟

صحيح أن الديمقراطية تعني حرية القول والفعل وأن يكون هناك قوى مجتمعية جديدة ترفد السوق السياسية باستمرار، ولكن يجب الانتباه إلى أن الأفكار والقوى السياسية التي تتوجه للشعب هي أيضاً قوى وأفكار ديمقراطية، حيث يقول لنا التاريخ إن أغلب القوى اليسارية، وهي قوى مجتمعية وفاعلة في زمنها، كانت قد قدمت أفكاراً تنسف النظام السياسي، وتدعو إلى الثورة عليه.

وعليه يتوجب هنا على هذه القوى أن تمتلك وعياً بالشروط التاريخية، وأن تتبنى مطالب قابلة للتفاوض عليها، حتى في حال أغلق النظام السياسي الملعب السياسي عليها.

ولكن، علينا أن نعترف بأن تجارب التاريخ، وهذا ما لاحظناه في شرقنا البائس خلال فترة الربيع العربي، تقول لنا (التجارب) عكس ذلك، إذ كثيراً ما أطيح بالديمقراطية من قبل القوى المجتمعية الجديدة التي تسمح لها الديمقراطية نفسها بقول قولها، وهذا أحد معوقات الديمقراطية.

ثانياً: الهويات المتقاتلة

يقول آلان تورين، في كتابه “ما هي الديمقراطية”: “ما فائدة البحث والتفكير في الديمقراطية اليوم إن لم يكن من أجل الدفاع عنها ضد عدويها الشرسين: الهوس بالقومية أو الأثنية أو الدينية من جهة، والاتكال الخمول على القوى الاقتصادية التي تقولب الاستهلاك الجماهيري من جهة أخرى”.

والحق أن “تورين” بذلك يضع يده على أحد أهم معوقات الديمقراطية في شرقنا البائس، حيث تشكل الهويات ما قبل الوطنية والوطنية أحياناً ـــ حينما تتحول إلى وطنية مغلقة ومتقاتلة ـــ أحد أهم معوقات الديمقراطية ذاتها، حيث تشكل هذه الثقافات حجر عثرة أمام المسار الديمقراطي، إن لم يتم العمل على إيجاد مخارج ديمقراطية وحداثية لها في كل بلد.

إذ يخشى أن تتحول مفردة “حكم الأكثرية” إلى حكم الأكثرية الدينية أو الاثنية أو المكوناتية، ولهذا تم اعتبار المواطنية واحدة من أهم أسس الديمقراطية، لأنها تتيح للأفراد الاحتفاظ بالبعد الثقافي للأديان والقوميات، دون أن تتحول إلى أكثرية عمودية في النظام السياسي.

لكن ما يزيد الطين بلة في شرقنا البائس، حينما تكون الأحزاب السياسية مبنية على أسس قومية أو دينية أو طائفية تجعل من الدين والقومية هويتها الأساسية في العمل السياسي، الأمر الذي يعوق عملية تطور الديمقراطية، وأحياناً حتى ولادتها كما هو الحال في بلادنا التي ما تزال متعثرة وفاشلة في طريقها نحو الحياة الديمقراطية بسبب هذه المطبات والتخندقات القومية والطائفية والدينية.

ثالثاً: المال السياسي ودوره بتقويض الديمقراطية

هناك أيضاً من بين المعوقات القوى الاقتصادية والرأسمالية، والتي تعمل على تحويل المواطنين إلى مجرد مستهلكين من خلال المال السياسي، وتعمل من خلال امتلاكها المال والقوة الاقتصادية إلى التحكم بمجريات العملية السياسية، حيث يتحوّل السياسيون مع الزمن إلى مجرد “كومبارس” للشركات الكبرى، وهذا ما يؤدي إلى قتل أو كبح المبادرات المجتمعية التي تواجه تسلّط هذه القوى ومحاولة تحويلها باسم الديمقراطية إلى مجرّد لعبة.

إذ ليس العسكر وحدهم من قد يعمل على تحويل الديمقراطية إلى مجرد إجراءات وقوانين ولعبة سياسية، بل أيضاً رأس المال الذي يضع الربح هدفاً أساسياً له، ويعمل على تطويع النظام السياسي لتحقيق أهدافه، رغم أن العملية الديمقراطية تبدو وكأنها تسير بشكل صحيح من ناحية القوانين والالتزام بالدستور أو عمل المؤسسات.

ولذلك يسعى أصحاب المال السياسي إلى صياغة دستور بحيث يتناسب مع مصالحهم الاقتصادية، ويعملون على وسم كل من يعترض عليه باسم الخارجين على النظام السياسي، ومن هنا يغدو من الضرورة بمكان ربط الديمقراطية بقدرة القوى المجتمعية على بلورة نفسها؛ وتحديد مطالبها لتعديل هذا النظام السياسي والقانوني وإعادة النظر به باستمرار، وذلك بالضبط كي لا تتحول الديمقراطية إلى مجرد لعبة انتخابات دورية ومجرّد إجراءات قانونية.

الخاتمة والتوصيات

إن طريق ولادة ديمقراطية غير مشوهة وطبيعية في شرقنا البائس عملية صعبة جداً، ولكنها ليست مستحيلة؛ فعندما نؤسس الشارع ثقافياً واجتماعياً بأن المشروع الفكري المؤسس للوعي له أسبقية على المشروع السياسي، وعندما يسمو المجتمع والمواطن فوق أيديولوجياته الطائفية والمذهبية والإثنية، وعندما يتوقف المؤدلجون طائفياً أو دينياً أو إثنياً عن الاقتناع بأنهم يمتلكون الصواب المطلق، ولا شيء يتقدم على حرية المواطن وحقوقه، وأن التشاركية بين الجميع حلٌ، والقطيعة مشكلة، وعندما يؤمن كل طرف بأن الطرف الآخر يمتلك نقاطاً بيضاء؛ وأن مجموع النقاط البيضاء عند تجميعها من كل الأطراف؛ تشكل كلمة سواء يُبنى عليها، حينئذ ستكون ولادة الديمقراطية ولادةً صحيحة، ويكون مناخ العمل السياسي مناخاً طبيعياً غير ملوث.

مراجع تمت الاستعانة بها لإعداد هذه المادة:

  • ما هي الديمقراطية؟، آلان تورين، دار الساقي.
  • الثورة الديمقراطية، لاري دايموند، دار الساقي
  • طريق إلى الديمقراطية، جاد الكريم الجباعي، دار الريس.
  • التحول الديمقراطي، سورية نموذجاً، دار الريس.
  • معوقات الديمقراطية في الوطن العربي، د. برهان غليون. الجزيرة نت.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.