أطفال تايلاند وأطفال العرب

نجحت تايلاند في انقاذ أطفالها بينما قتل العرب أطفالهم

وحدة الرصد والمتابعة في المرصد

نجحت تايلاند في لفت أنظار العالم أجمع الى فريقها الرياضي الصغير، الذي كان يقوم برحلة رياضية جميلة، غير أن كهفاً موحشاً ابتلعهم لبرهة من الوقت. نجحت في ذلك، على الرغم من أنه وقت انشغال العالم بمباريات كأس العالم بروسيا، التي تشغل حيزاً مهماً من وسائل الاعلام العالمية، بحيث لا تتسع نشرات الأخبار لكثير من الاخبار الرئيسية في مجالات عديدة كالسياسة والاقتصاد، والحروب وغير ذلك، لكن تايلاند رفعت صوتها، وأصرت على انقاذ فتيتها، وكان لها ما أرادت.

التفاعل العالمي مع حكايتهم كان كبيراً، فأصبحت ولعدة أيام حكاية الفريق الرياضي الصغير تترافق مع قصة نجوم المنتخب، وصوت اللاعبين الذين غرد العديد منهم للأطفال، فمنظمة الفيفا دعتهم لحضور الحفل الختامي لكأس العالم، بينما اللاعب الفرنسي (بول بوغا ) أهدى فوز فريق فرنسا على نظيره البلجيكي، الى ذلك الفريق التايلندي الصغير، ناهيك عن العرب، والذين أطلقوا أكثر من هاشتاغ خاص بالأطفال، شاركت فيه أصوات إعلامية معروفة، وأصبح الهاشتاغ منصة إعلامية للتعبير عن الآراء حول الحادثة، لكن الصبغة الأكثر كانت عملية المقارنة بين أطفال الكهف في تايلاند، وبين أطفال الكهوف العديدة في الوطن العرب.

أطفال سوريا كانوا الحكاية الأكثر مقارنة في المشهد، فقد حضرت تلك المفارقة، بين حكومة في تايلاند تستنفر كل الجهود لإنقاذ أطفالها الاثني عشر مع مدربهم، بمقابل ذلك، يستنفر نظام الأسد كل الجهود، ويحضر المرتزقة من كل حدب وصوب، مستخدماً كل المتاح بين يديه من السلاح الفتاك، لملاحقة أطفال سوريا، وكان المشهد الحاضر آنذاك وجود عشرات آلاف الأطفال على الشريط الحدودي مع الأردن، وكان النظام السوري حريصاً على ملاحقتهم حتى آخر لحظة، وآخر زاوية من زوايا الأمان القليلة في سوريا، وهكذا أصابت القذائف النازحين، ووصلت بعض القذائف الى داخل الحدود الأردنية.

في مكان اخر كان الحديث عما يقوم به الحوثيون الذين يخطفون الأطفال اليمنيين من أهاليهم، ثم يقومون بإجبارهم على حمل السلاح، ولا يكترثون لأبسط المواثيق الدولية، وهناك صوت ثالث كان يرثي حال أطفال فلسطين، والمواجهة غير المتكافئة مع الجيش الإسرائيلي، وهناك صوت رابع من داخل فلسطين، انتقد سياسات حركة حماس واعتبر إرسال الأطفال الى مسيرات العودة، حيث الدخان والغازات والرصاص، كل هذا بمثابة إرسال الأطفال الى أماكن الخطر الذي ينبغي ان نجنب الأطفال الوصول اليه.

الرسالة العربية عبر مواقع التواصل الاجتماعي على اختلافها كانت تتمنى لأطفال العرب أن يجدوا ذلك الاهتمام الذي وجده أطفال تايلاند، وكانت الاتهامات تختلط أحياناً بين توجيهها لدول خارجية، وبين التقصير العربي، لكن الاجماع كله كان واضحاً، أن الجميع يريد لأطفال العرب حياة أفضل.

أطفال سوريا

أطفال سوريا هم غصة القلب، وهم المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتق الإنسانية جمعاء، فقصة الطفولة في سوريا معقدة، بل هي الأشد تعقيداً حتى من أطفال الحرب العالمية الثانية، على الرغم من تشابه أوجه الدمار الكارثي في الحياة المدنية في سوريا بما جرى من تدمير للبنى التحتية في مدن عالمية عديدة إبان الحرب العالمية الثانية. فالإشكالية التي تواجه أطفال سوريا هي متنوعة، تبدأ من ضيق المكان وضيق المساحة الجغرافية للهروب من ساحة الحرب.

لا يوجد جغرافيا آمنة للطفل السوري، فالقتل الجنوني يلاحق السوريين من القرى والمدن حتى المخيمات التي تنتشر أولاً في محيط سوريا ذاتها، وهي خيام بائسة قسوة الجغرافيا وقسوة الطقس والحياة، ناهيك عن الازدحام والحرمان من الخصوصية والأمان، وحتى أبسط مقومات الحياة من المأكل والمشرب.

المعاناة الثانية هي مسألة العلاج، ووجود مئات الاف الأطفال الذين يحتاجون للعلاج، وعشرات الالاف منهم الذين يحتاجون رعاية خاصة بسبب فقدان أطرافهم أو أجزاء من أجسادهم مما شكل لهم إعاقة جسدية دائمة، وهناك الآلاف منهم لا يملكون القدرة على العلاج أو مواصلته، خصوصا وأن الخيام ذاتها هي أكبر بيئة مسببة للأمراض، فاللجوء طويل الأمد، يفرض معادلات صحية قاسية يصعب متابعة علاجها مستقبلا.

بيئة إضافية من الألم تتشكل في معظم المخيمات، تلك هي بيئة الايتام، أو الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين، أو أولئك الذين يعيشون الى جانب أب مصاب غير قادر على العمل، وهنا تجد آلاف الأطفال في سوريا وحتى في دول الجوار، وقد أجبروا على التخلي عن طفولتهم، لكي ينضموا الى طريق العمل القاسي، وهو ما أوقع الأطفال في مآسي عديدة، فالكثيرون منهم باتوا ضحية الاستغلال في العمل، حيث يعملون لساعات طويلة بلا رحمة، بمقابل أجور زهيدة، ناهيك عن وجود  مظاهر استغلال شنيعة تتعلق بعفة الأطفال وبراءتهم، وما تم كشفه أمام وسائل الاعلام عما حدث لعشرات الأطفال في دول الجوار يعتبر أمراً شنيعاً للغاية.

الأطفال الذين يذهبون الى سوق العمل يقعون ضحية لحرمان التعليم، وحرمان التعليم يعني أننا بتنا أمام جيل، وقطاع كبير من الشاب قادم الينا في المستقبل ولكنه جيل فقد اللبنة الأساسية لأي نهضة مجتمعية، ألا وهي التعليم.

أطفال اليمن

بالعموم، الحالة الاجتماعية لأطفال سوريا لا تختلف عن الحالة لأطفال اليمن. اليوم بات ملايين اليمنيين يحلمون بالحصول على وجبة واحدة يومياً، فالحرب هي الحرب، ورغم مساعدة الاشقاء العرب لأخوتهم اليمنيين، لكن تبقى الأيادي الحوثية تعبث في أماكن سيطرتها، حيث سرقت مليارات الدولارات من المؤسسات المالية، ما جعل اليمن يعيش حالة مأساوية لا تطاق، كما تسببوا بكوارث صحية كبيرة منها انتشار الكوليرا التي أصابت قرابة مليون يمني خلال العام الماضي بحسب ما وثقته المنظمات الدولية، ناهيك عن سرقاتهم لقوافل الإغاثة والأدوية، واحراقهم للمدارس.. ولكن كل من يشاهد ما يحدث في سوريا واليمن، هو بكل تأكيد يرى العقلية الإيرانية، ويرى الحقد الإيراني الواضح على عموم المشهدين السوري واليمني.

أطفال غزة

يضع عزت الرشق صورة لطفل صغير وجهه مليء باللون الأسود نتيجة وقوفه بجانب الإطارات المحترقة، في إحدى المسيرات في جمعة أطلقتها حماس وأسمتها جمعة الكاوتشوك. يتباهى عزت الرشق بالصورة، ويكتب تحتها عبارة أجمل الأبطال، ولا يراعي هذا القائد أبسط القيم الإنسانية، فهل من المعقول أن يتم ارسال الأطفال الى أماكن خطرة، فهذا الطفل الذي اسود وجهه من الدخان، كم يا ترى يكون قد دخل الى رئتيه منه؟؟ وهنا أيضا تجد أن هدف تلك المسيرات كان مجرد رسائل إيرانية بسبب ملف النووي الذي ألغته أمريكا.

نجحت تايلاند في حماية أطفالها وانقاذهم، وفشل العرب، لأن إيران والاستبداد موجودان في البلدان العربية.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي©.