أقوال أم أفعال.. هل ينقذ الغزل التركي لمصر أردوغان؟

كثفت تركيا في الأسابيع الماضية تصريحات التهدئة اتجاه مصر، في إطار تطلعها إلى إعادة العلاقات بعد سنوات من القطيعة، اذ أكد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، أن “تعاون بلاده مع مصر في مجالات الاستخبارات والدبلوماسية والاقتصاد مستمر بالفعل، ولا يوجود أي مشكلة في ذلك”.

الرئيس التركي “أردوغان” قال: “نتمنى من قلوبنا أن يستمر التعاون في هذه المجالات الاستخباراتية والاقتصادية، وبعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية، بالطبع سنخطو للأمام”. لافتاً إلى أن “الشعبين المصري والتركي ليسا بغرباء عن بعضهما البعض”.

وأعلن وزير الخارجية التركي، “مولود جاويش أوغلو” أمس الجمعة، بدء الاتصالات الدبلوماسية بين تركيا ومصر من أجل إعادة العلاقات إلى طبيعتها، زاعمًا عدم وضع البلدين أي شروط مسبقة من أجل ذلك. مؤكداً أن “تركيا ومصر لم تطرح أي شروط مسبقة من أجل إعادة العلاقات إلى طبيعتها بين البلدين، وذلك في معرض رده على سؤال بهذا الخصوص”.

دعوات متتالية..

العلاقات بين مصر وتركيا توترت، بسبب تدخلات أنقرة في شؤون أكثر من بلد عربي، والتي ازدادت مع التدخل بالسلاح والمرتزقة لمساعدة الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق في ليبيا، ودعم جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها مصر كـ”منظمة إرهابية”.

وكان وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار”، أكد أن “موقف مصر والمستجدات الأخيرة تصب جميعها في مصلحة البلدين ودول المنطقة” بينما كشف مصدران من المخابرات المصرية عن طلب قدمته أنقرة للتعاون الثنائي”.

بدورها، نقلت وكالة “رويترز” أمس الجمعة عن مصدرين من المخابرات المصرية لم تسمهما أن تركيا اقترحت عقد اجتماع لبحث التعاون، لكنهما ألمحا إلى أن الاتصالات ما زالت في مراحل تمهيدية.

وأكد المصدران في المخابرات المصرية أن “مسؤولا أمنيا مصريا تلقى اتصالا هاتفيا من مسؤول في المخابرات التركية يوم الخميس يبدي الرغبة في عقد اجتماع بالقاهرة لبحث سبل التعاون على الأصعدة الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية”. لافتاً إلى أن “المسؤول المصري رحب بالدعوة ووعد بالرد في أقرب وقت ممكن”.

كما جاء الكشف عن المكالمة في أعقاب اتصالات غير رسمية بين مسؤولين أمنيين مصريين وأتراك لبحث سبل التواصل بين الجانبين، الا أن “المصدرين المصريين أكدا أنه “لم تُطرح قضية الحدود البحرية، التي تمثل مصدر توتر بين تركيا ودول أخرى في شرق البحر المتوسط”.

وسبق أن أفاد تقرير أعدته إذاعة «صوت أمريكا» الأمريكية، بأن تركيا تتطلع إلى إعادة العلاقات مع مصر بعد سنوات من العداء، في خطوة قد تكون جزء من تحول استراتيجي أوسع من جانب تركيا، ويشير المحللون إلى أن الرئيس “رجب طيب أردوغان” يبحث عن طريقة للتراجع عن سياسة دعم “الإخوان المسلمين”.

الرد المصري..

بعد المغازلات التركية المتتالية والحديث عن عودة العلاقات الدبلوماسية، وضعت مصر شروطا محددة لإقامة علاقات طبيعية مع أنقرة.

وتعليقا على تصريحات المسؤولين الأتراك، قال مصدر رسمي مصري اليوم الجمعة: إنه “ليس هناك ما يمكن أن يطلق عليه توصيف استئناف الاتصالات الدبلوماسية” لافتاً إلى أن “البعثتين الدبلوماسيتين المصرية والتركية موجودتان على مستوى القائم بالأعمال اللذين يتواصلان مع دولة الاعتماد وفقاً للأعراف الدبلوماسية المتبعة”.

وحدد المصدر المصري شروطاً معينة لرفع مستوى العلاقات مع تركيا، موضحاً أن “الارتقاء بمستوى العلاقة بين البلدين يتطلب مراعاة الأطر القانونية والدبلوماسية التي تحكم العلاقات بين الدول على أساس احترام مبدأ السيادة ومقتضيات الأمن القومي العربي”.

وأضاف المصدر لوسائل الاعلام أن “مصر تتوقع من أي دولة تتطلع إلى إقامة علاقات طبيعية معها أن تلتزم بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وأن تكف عن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة”. مشدداً على أنه “في الوقت ذاته على أهمية الأواصر والصلات القوية التي تربط بين شعبي البلدين”.

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية الأسبق، “السفير جمال بيومي”، إن “تصريحات الرئيس التركي بخصوص التقارب مع مصر، تأتي في ظل الصعوبات الكبيرة التي يعاني منها على المستويين السياسي والاقتصادي، ولا سيما في ظل توتر علاقتها مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بسبب موقف أنقرة تجاه اليونان وقبرص”.

وأكد السفير السابق “بيومي” لوسائل الاعلام، أن “أردوغان”يحاول أيضا قطع الطريق على المعارضة التي دائما ما تحاول الضرب على وتر توتر العلاقات مع مصر، وأنه ليس مصلحة أنقرة أن تكون علاقتها مع القاهرة بهذا الشكل، وأن التقارب معها سيحقق كثير من الفوائد”.

بالتزامن، أعلن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، عن نيته إرسال وفد إلى مصر خلال الأسابيع القليلة المقبلة، مشيراً إلى أنه “تم إخبار مصر عن نيتهم، ثمة فراغ سياسي كبير حدث بعد تخفيض التمثيل الدبلوماسي لأقل مستوياته بشكل متبادل بين مصر”، في إشارة لبدء تحرك نظام الرئيس، رجب طيب أردوغان لإعادة تلك العلاقات.

ولفت مساعد السفير السابق “بيومي” إلى أن “الموقف المصري ثابت لم يتغير منذ بداية الأزمة وحتى الآن، وأن مشكلة القاهرة، هي وقف التدخل في شؤون الدول العربية الداخلية سواء في ليبيا أو سوريا أو العراق، والتوقف عن الأحلام الإمبراطورية التي تراود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واتباع سياسة حسن الجوار”.

الدبلوماسي المصري “بيومي” أكد أن “أحاديث الرئيس التركي دائما ما تسير في اتجاه، وأفعاله تسيره في اتجاه معاكس، وكل ما علينا هو الانتظار حتى يتحقق ما يتحدث عنه، ومصر لن يتغير موقفها على أي صعيد دون تغير حقيقي من الجانب التركي على أرض الواقع”.

الغاز وشرق المتوسط..

التصريحات التركية المفاجأة، اعتبرها محللون مرتبطة بقضية غاز شرق المتوسط، ولا سيما أن تركيا تريد الخروج من “العزلة” التي تعيشها في الشرق الأوسط وأوروبا، اذ تخلت تركيا عن استفزازاتها لمصر واستبدلتها بتصريحات تعبر عن مصالح أنقرة في شرق المتوسط، اد بات الغاز ورقة تحدّد سياساتها وتفرض توجّهاتها”.

ونقلت وسائل اعلام عن مصادر دبلوماسية أن “الموقف التركي المستجد يندرج ضمن مسار بدأته أنقرة منذ فترة لتخفيف حدة التوترات مع عدد من الدول العربية والأوروبية، لا سيما في مواجهة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن التي لا تكتم تحفظاتها على نهج الرئيس أردوغان”.

كما لفت مراقبون إلى أن “احترام مصر للجرف القاري لتركيا في المناقصة التي طرحتها للتنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط لا يعني أنها تسعى للتقارب مع تركيا كما يجري التسويق له، فالقاهرة ومنذ البداية تحاول تجنّب أي تصادم أو انخراط في معارك ليست ذات أولوية بالنسبة إليها، كما أنها لا تريد أن تكون جزءا من صراعات الآخرين دون أن يكون هناك ثمن حقيقي يمكن أن تجنيه”.

وكانت مصر أعلنت مؤخرًا عن مناقصة للتنقيب عن الهيدروكربون (النفط والغاز) في شرق البحر المتوسط، مع مراعاة حدود الجرف القاري الذي أعلنته تركيا للأمم المتحدة.

الوزير التركي “أوغلو” أكد الأسبوع الفائت أنه “بناءً على سير العلاقات يمكننا التفاوض مع مصر بشأن مناطق الصلاحية البحرية وتوقيع اتفاق معها بهذا الخصوص”. لافتاً إلى أن “عروض التنقيب التي طرحتها مصر احترمت الجرف القاري لتركيا وإن أنقرة نظرت إلى هذا الأمر نظرة إيجابية”.

ويرى محللون أنه “على خلفية كل هذه التغييرات، حدث تطور كبير في مصر التي أبرمت حكومتها اتفاقية لترسيم مناطق الصلاحية البحرية مع اليونان، والتي كانت محاولة لإلغاء الصفقة التركية الليبية، فقد نشرت القاهرة في الآونة الأخيرة خريطة تعكس اعترافها بالسلطة البحرية لتركيا بحسب تفسير الخبراء”.

يذكر أن المحادثات حول شرق البحر المتوسط توقفت في العام 2016، وسط تصاعد التوتر بين اليونان وتركيا، البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في ظل أزمة دبلوماسية متصاعدة منذ أشهر على خلفية اتهام أثينا لأنقرة بالتنقيب في مياهها الإقليمية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©