أملاك المهاجرين السوريين.. تصادرها الإدارة الذاتية في محافظة الحسكة

وحدة الرصد والمتابعة في مرصد مينا

ثغرات قانون إدارة أملاك الغائبين في مناطق الإدارة الذاتية تتحول إلى فجوات قانونية تثقل كاهل المدعين في المحاكم المدنية.

تعرضت الأملاك والأموال الخاصة للمهجرين والغائبين في الشمال السوري والمناطق التي تديرها الإدارة الذاتية الديمقراطية، من جراء الأوضاع التي مرت بها البلاد، لكثير من عمليات النصب والاحتيال في عمليتي البيع والشراء العشوائي، ما تسببت في خلق أزمات ومشكلات ودعاوى عشائرية لا حدود لها في وسط غياب السلطة.

في إثر ذلك سن المجلس التشريعي في إحدى جلساته الخاصة في 15/9/2015 قانون إدارة أموال المهاجرين والغائبين وحمايتها، إلا أنه ومع سن المجلس التشريعي لهذا القانون اتسعت فجوة الأحكام القضائية أكثر بين المدعين وأصحاب الدعوات، هذا القانون الذي اعتبره بعضهم شرعنة لمصادرة أملاك الغائبين بغطاء قانوني نظراً إلى سرعة تطبيق القانون والسير في عمليات المصادرة العاجلة التي نُفِّذت فور إصدار القانون، ما يؤكد الأهداف المبيتة لهذا القانون بحسب أراء بعضهم، وليس من أجل المصلحة العامة أو المحافظة على هذه الأملاك كما تدعي الإدارة الذاتية بعكس ما يقال ويروج لها كثيرون.

يناقش هذا التقرير هذه المسألة من خلال:

  • المجلس التشريعي يرجئ إصدار قانون حماية أملاك المهاجرين لاستفحال ظاهرة الاستيلاء عليها.
  • الهدف الحقيقي من القانون بحسب وجهة النظر القانونية للإدارة الذاتية.
  • الثغرات القانونية لهذا القانون.
  • اللجنة القانونية ومدى ضمان عودة ريع الممتلكات لأصحابها.
  • المادة الثامنة عشرة فجوة قانونية برعاية وسلطة مركزية.
  • القانون الجديد شرعنة لمصادرة أملاك الغائبين بغطاء قانوني.
  • هل يُطبق هذا القانون مع أموال المكون السرياني وممتلكاته؟.

إرجاء المجلس التشريعي إصداره قانون حماية أموال المهاجرين وأملاكهم نظراً إلى استفحال ظاهرة العبث والاستيلاء العشوائية.

من بين القوانين التي سنها المجلس التشريعي في إحدى جلساته الخاصة في 15/9/2015 قانون إدارة أموال المهاجرين والغائبين وحمايتها، ويتألف هذا القانون بعد الرصد والبحث فيه من 19 مادة توضح حيثيات هذا القانون وآليته بشكل مفصل، إلا أنه وككل القوانين لديه ثغرات قانونية تحتاج إلى التوقف عندها وتطويقها.

هذا القانون الذي أحدث كثيراً من الإشكالات والثغرات القانونية في التطبيق والتنفيذ قبل شرح أبعاد أهداف المجلس التشريعي لسنه هذا القانون، ولكن بحسب إفادات المجلس التشريعي فإن إقرار هذا القانون جاء من أجل المحافظة على “أموال الغائبين والمهاجرين وأملاكهم المنقولة وغير المنقولة كالسيارات والآليات والعقارات السكنية والتجارية والأراضي الزراعية والمنشآت الصناعية سواء أكانت ملكاً أم انتفاعاً أم إيجاراً أم استثماراً من العبث والاستباحة ووضعها في خدمة المجتمع وسكان الإدارة الذاتية”.

لذلك فقد أرجأ المجلس التشريعي في مقاطعة الجزيرة إصدار مثل هذا القانون في هذا الوقت للحد من استفحال ظاهرة الاستيلاء من الغير على أموال الغائبين والمهاجرين، مؤكدين أن غاية المشرع، وقف نزف الأموال من المقاطعة، والمحافظة عليها وعلى التنوع والفسيفساء الموجودة في المقاطعة من دون تغيير ديموغرافي.

الوجه القانوني والهدف الحقيقي منه

كان الوجه القانوني الذي أعلنه أعضاء اللجنة القانونية في المجلس التشريعي في المقاطعة، يشير إلى أن “هذا القانون جاء من أجل المحافظة على أموال الغائبين والمهاجرين وأملاكهم المنقولة وغير المنقولة، التي تشمل السيارات والآليات والعقارات السكنية والتجارية، والأراضي الزراعية، والمنشآت الصناعية، سواء أكانت ملكاً أم انتفاعاً أم إيجاراً أم استثماراً، وحمايتها من العبث والاستباحة ووضعها في خدمة المجتمع”، بحسب قولهم.
وبأن غاية المشرع هي وقف نزف الأموال من المقاطعة، والمحافظة على هذه الأموال، وعلى التنوع والفسيفساء الديموغرافية فيها، من دون أن يعني مصادرتها، وأن قانون إدارة أموال الغائبين والمهاجرين وأملاكهم يمنع العبث والاستباحة والاستيلاء عليها من الغير، ولا يتضمن المصادرة أو الاستيلاء، وأن القانون يحتوي على مواد “تعطي الحق لصاحب الملك والمال المهاجر أو المهجر في استلام أصل أمواله حال عودته، ومن الخطوات العملية التي ساروا فيها لتطبيق هذا القانون تشكيل هيئة مختصة من مكونات المنطقة كلها وبالتعاون مع الكومينات لإدارة هذه الأموال ورصد ريعها في خدمة المجتمع وسكان مقاطعة الجزيرة.

الثغرات القانونية لهذا القانون

بحسب مداخلات بعض الحقوقيين والقانونيين، رأوا أن المشرع حينما يشرع أي قانون لا بد له أن يوضح الأسباب الموجبة لذلك أي الضرورات التي تقتضي إصداره وتلك الأسباب تعد جزءاً لا يتجزأ من القانون نفسه ويجب أن تكون متناغمة ومنسجمة مع مواده إضافة إلى أن القوانين كلها في العالم تصاغ وتشرع من أجل تنظيم حياة المجتمع وحماية المصلحة العامة وصون حقوق الأفراد وحمايتها وبث الطمأنينة في أنفسهم مستهدفة من ذلك إحداث نوع من التلاحم والتقارب بين المجتمع والسلطة الحاكمة، وزيادة الثقة في ما بينهما حتى يكون سهل التطبيق ويحظى بالاحترام لا أن يكون سبباً في إحداث نوع من الشرخ وازدياد الهوة بينهم وأن لا يكون اعتباطياً وغير مسؤول، لذلك وبالعودة الى الاسباب الموجبة لهذا القانون وكما ورد في إحدى بنود هذا القانون “من أجل المحافظة على أموال الغائبين والمهاجرين وأملاكهم من العبث والاستباحة ووضعها في خدمة تنمية المجتمع وسكان الإدارة الذاتية بعد استفحال ظاهرة الاستيلاء على أموال الغائبين والمهاجرين فقد تقرر سن هذا القانون”، فلا يوجد في أنظمة العالم كلها قوانين بمسمى إدارة أموال الغائبين وأملاكهم ولا توجد حاجة إلى سن قوانين كهذه لأنه من غير المعقول وجود أموال وأملاك سائبة لا مالك ولا وكيل لها لإدارة شؤونها إلا في نظام البعث.

كان هناك قانون إدارة شؤون أملاك اليهود بعد هجرتهم من سوريا، وقانون مصادرة أملاك المنتمين إلى الإخوان المسلمين، فمن غير المعقول لسلطة تسمي نفسها إدارة ديمقراطية أن تقلد نظاماً شمولياً ومستبداً وتسير على خطاه وتستنسخ قوانينه الجائرة، والقانون هو انتهاك لحق الملكية الذي هو حق مقدس وفقاً للقوانين والشرائع جميعها بما في ذلك العقد الاجتماعي، ولا يجوز المس به ويتناقض مع نص المادة الثانية والأربعين من العقد الاجتماعي الذي يشرعن وجود الإدارة التي تنص على أن (للجميع حق التملك والملكية الخاصة مصانة ولا يحرم أحد من التصرف بملكه إلا وفق القانون ولا ينزع منه إلا لأغراض المنفعة العامة بشرط تعويضه تعويضاً عادلاً حال رفع يده عن ملكه) ومن ثم يعدّ هذا القانون باطلاً لمخالفته الصريحة لنصوص العقد الاجتماعي ومواده التي هي بمنزلة الدستور.

من بين الثغرات التي توقف عليها القانونيين هي المادة الأولى (المهاجر والغائب هو المواطن الذي يحمل الجنسية السورية وغادر المقاطعة إلى الدول بقصد الإقامة الدائمة ولم يترك أحد الاقارب من الدرجة الأولى والثانية) هذه المادة تؤكد أولاً تبعية المقاطعة للجمهورية السورية التي لها نتائج وآثار قانونية، إضافة إلى أن القانون لم يوضح المقصود بالقرابة، هل هي قرابة مباشرة أم قرابة الحواشي أم قرابة المصاهرة لأن درجة قرابة أقرباء الزوجة هي درجة قرابة الزوجة نفسها بهم، أي إن والد الزوجة يعدّ قريباً من الدرجة الأولى للزوج وكذلك أخ الزوجة يعدّ قريباً من الدرجة الثانية للزوج وفقاً لقرابة المصاهرة، والسؤال الذي يطرح نفسه من هم الأقارب من الدرجة الأولى والثانية وفقاً للقانون؟

 الأقارب من الدرجة الأولى هم (الأب والأم والأولاد) والأقارب من الدرجة الثانية هم (الجد والجدة والإخوة والأخوات والأحفاد (وبالنظر إلى قائمة الأقرباء تلك نجد إنه نادراً ما تجد غائباً ليس له أحد من هؤلاء الأقرباء في المقاطعة.

ومن ثم تنتفي الفائدة المرجوة من سن قانون كهذا.

فيما المادة الثانية أشارت إلى أن هذا القانون يشمل مغادري أراضي مقاطعة الجزيرة كلهم بقصد الهجرة والإقامة الدائمة في دولة أخرى، من تاريخ إعلان الإدارة الذاتية الديمقراطية، إذ يسري مفعول هذا القانون على المهاجرين من المقاطعة بعد إعلان الإدارة الذاتية فقط، من دون أن يشمل من هاجرها قبل ذلك ولو بشهر أو أيام وهذا يتناقض مع طبيعة القوانين التي تتصف بالعمومية والشمولية.

اللجنة القانونية ومدى ضمان عودة ريع الممتلكات إلى أصحابها

جاءت المادة الثالثة لتطرح ما تسبب بإشكالية مبهمة حيث (يعد المغادر غائباً ومهاجراً إذا غاب وهاجر من دون عذر مشروع سنة كاملة تبدأ من تاريخ مغادرته المقاطعة) هذه المادة مبهمة ومطاطية وغير واضحة وقابلة للتأويل والتفسير لأكثر من معنى، وأما المادة الثانية عشر (تقوم اللجنة بإدارة أموال الغائب والمهاجر طوال مدّة غيابه ويعاد أصل المال والملك إليه أو لأحد أفراد أسرته من الدرجة الأولى أو الثانية حين العودة من دون إعادة الريع والثمار) وهذه الفقرة تشير إلى أنه ما دام مشروع القانون قد منح اللجنة المكلفة بإدارة أموال الغائب صفة القيّم، فلا يجوز قانوناً للقيّم أن يستولي على ثمار أموال الغائب وأملاكه ونتاجها، الغائب الذي لا يستطيع إدارة أملاكه لوجود أوضاع تمنعه من ذلك لأنه يعدّ أميناً على تلك الأموال، ويجب قانوناً إعادة الريع والثمار مع أصل المال والملك بعد حسم المصروفات والأجور وإلا يعدّ مسيئاً للأمانة ويدخل عمله في خانة السرقة المقوننة.

وقد ناقشت المادة السادسة عشر (أي عقد شراء أو بيع أو استثمار قبل صدور هذا القانون لا يترتب عليه أي أثر قانوني ما لم يكن موقعاً من الجهات صاحبة العلاقة في المقاطعة وفقاً للقوانين والقرارات ذات الصلة)، ولم يحدد المقصود بعبارة قبل صدور هذا القانون وترك ذلك على إطلاقه فهل المقصود به قبل تاريخ إعلان الإدارة أم بعده، ونص في المادة الثانية منه التي حدد بموجبها الأشخاص المغادرين الذين يسري القانون عليهم والقاعدة القانونية تفيد بأن ما ترك على إطلاقه يطبق على إطلاقه وهذا تناقض صريح مع المادة الثانية منه.

المادة (18) فجوة قانونية برعاية وسلطة مركزية

وذكر في المادة الثامنة عشر (تلغى الوكالات الصادرة من الغائبين والمهاجرين كلها سواء كانت منظمة من الكاتب بالعدل أم مندوبي الوكالات القضائية الذين يشملهم هذا القانون)، فهذه المادة لا يمكن وصفها إلا بأنها اعتباطية وعبثية وتنم عن جهل بالقانون لمن صاغها لأن الوكالة هي تعبير قانوني عن إرادة الموكل ولا يجوز لقانون ما مصادرة إرادة الأفراد أو الحد من تصرفاتهم القانونية سيما إذا كانت موثقة لدى جهة رسمية معترف بها كالكاتب بالعدل ومندوبي الوكالات الذين يتبعون للدولة السورية التي تتبعها الإدارة الذاتية بموجب عقدها الاجتماعي، وفقا للمادة الثانية الفقرة /ب/ منه التي تنص على أن مقاطعات الإدارة الذاتية الديمقراطية (الجزيرة – كوباني) جزء من سوريا جغرافياً وكذلك وفق نص المادة الأولى من مشروع هذا القانون الذي بموجبه حدد جنسية الاشخاص الذين يسري عليهم هذا القانون (السورية) وهذه تعدّ مخالفة دستورية صريحة لأنه لا يجوز للمقاطعة إصدار قوانين تكون متناقضة مع قوانين الدولة المركز) هذا من الناحية القانونية.

أما من الناحية السياسية فإن وجود مادة كهذه يلغي أسباب الإبقاء من الإدارة في مقاطعة الجزيرة على الدوائر التي تتبع الدولة السورية التي ما زالت تقوم بعملها ومهماتها مثل دائرة الكاتب بالعدل ودائرة الوكالات والمحاكم المدنية والشرعية المكلفة بتثبيت التصرفات القانونية للمواطنين من توثيق وتثبيت لعقود البيع والشراء والرهن والوكالات وعقود الزواج وليس هناك من داع لوجود تلك الدوائر التي تعدّ من أركان النظام السياسي السوري وبقاياه ما دامت لديهم النية بإصدار قانون كهذا من شأنه إلغاء النتائج والآثار القانونية كافة المترتبة على القرارات الصادرة عن تلك الدوائر، والقرارات القضائية بخصوص تثبيت البيع والشراء والرهن والأجار وتوثيق العقود وغيرها، وتناولت المادة عشرون (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تزيد على مليون ليرة سورية كل من وضع اليد أو باع أو أجر أو تصرف بأموال الغائبين والمهاجرين خلاف هذا القانون)، وجود هذه المادة ينفي ويلغي مسوغات سن هذا القانون وصوغه برمته لما يتضمنه من عقوبات رادعة من شأنه وضع حد للعابثين بأموال الغائبين ومنعهم من ذلك، كانت هذه بعض الثغرات القانونين المتضاربة في ما بينها.

ربما يكون القانون الجديد شرعنة لمصادرة أملاك الغائبين بغطاء قانوني

نظراً إلى عدم تفهم كثيرين لهذا القانون ولتدخل كثير من الحقوقيين والقانونيين، مستندين إلى عدد من النقاط التي من شأنها إضعاف أركان القانون ومرتكزاته، ليخرجوا بنتيجة بأن قانون حماية أملاك المهجرين والغائبين، قانون شرعنه لمصادرة أملاك الغائبين بغطاء قانوني، إلى جانب خلق هذا القانون كثير من المشكلات والدعوات إلى المحاكم العامة لملاحقة المتورطين في مصادرة وامتلاك وشراء وبيع العقارات والأراضي وغيرها من المواد العينية لأكثر من شخص في وقت واحد، حتى باتت تلك الدعوات تثقل كاهل المواطنين لما تعرضوا له من عمليات نصب واحتيال في ظل غياب السلطة والمحاكم المدنية لحماية الممتلكات الخاصة.

هل يُطبق هذا القانون مع ممتلكات المكون السرياني وأمواله؟

عندما سن القانون المذكور أعلاه كان قد تحفظ عدد من أعضاء المجلس على بعض مواده، أغلبهم من المكون السرياني، وقال بيان صادر عن المجلس التشريعي في “مقاطعة الجزيرة” إن المجلس سنّ قانون إدارة أموال المهاجرين والغائبين وحمايتها، بعد تحفظ عدد من أعضاء المجلس على بعض مواده، موضحين فيه آنذاك “أن العدد الأكبر من المتحفظين كانوا من المكون السرياني”، جاء هذا الإجراء لما لدور الكنيسة من وضع يدها وإدارة أموال الغائبين والمهجرين وممتلكاتهم من أبناء المكون المسيحي وبخاصة في مدينة ديرك، ويبقى هذا القانون غير ساري المفعول عليهم.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.