أنشطة جماعة الإخوان المسلمين في مقدونيا الشمالية!

هل سيحظى الإسلام السياسي كما قدمته جماعة الإخوان المسلمين بمساحة للنجاح في البلدان التي يسكنها مسلمون أصليون في أوربا الشرقية والوسطى؟ وهل سيختلف نجاحه وفقاً لأشكال التدين الإسلامي في هذه البلدان، والتكوين المؤسس للمجتمعات الإسلامية ومستوى الاندماج أو التمييز أو الوجود من القوى الإسلامية الراديكالية؟

بدأت منظمة GLOBSEC ([2]) بمشروع مكافحة التطرف (CEP)، والأنشطة المشبوهة في أوروبا الوسطى والشرقية التي يقوم بها تنظيم الإخوان المسلمين، للمساعدة في الإجابة على هذه الأسئلة في خمسة بلدان من وسط وشرق أوروبا: هي البوسنة والهرسك، جمهورية التشيك، مقدونيا الشمالية، بولندا، وصربيا. التي يشكل كل منها مشهداً مختلفاً للمجتمعات الإسلامية والمنظمات الدينية التي تمثلها، وتمثل هذه الدراسات حالة متميزة لرسم خريطة لأنشطة حركة الإخوان المسلمين في تلك البلدان ونجاحها وفشلها بمرور الوقت. ([3])

تتركز هذه الدراسة التي أعدتها مؤسسة مينا مينوتور حول الإسلام السياسي عن المنظمات والجمعيات والتيارات الإسلاموية في مقدونيا الشمالية؛ إضافة إلى البلدان الأخرى المذكورة أعلاه التي شملتها عدة دراسات ستنشر لاحقاً؛ وفيها أوجه تشابه للنشاط الإخواني. ثم نحاول إجراء مقاربات عن حالات تشابه للنشاط الإخواني فيها مع بيان خصوصية كل بلد على أن تكون هذه الدراسة متعلقة بمقدونيا الشمالية؛ وسننشر دراسات أخرى عن بقية البلدان المذكورة.

تتعرض المجتمعات المسلمة في مقدونيا الشمالية لتأثير مجموعات إسلاموية مؤدلجة سياسياً ومتنوعة، وهناك بعض الإسلاميين الذين جاءوا إلى مقدونيا واختفوا مع مرور الوقت، وبعضهم الآخر جاءوا من تركيا. أما الحالة في البوسنة والهرسك فهي تختلف اختلافاً كبيراً نظراً لتاريخها الطويل في الانفتاح على جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من أن الانفتاح لم يكن ناجحاً جداً أو مباشراً.

ومع ذلك، لا تزال حركة الإخوان المسلمين تشكل إلهاماً لشريحة معينة من السكان المسلمين المحليين لها رغبة في تمدد الإسلام السياسي أوروبياً! لذلك تم إنشاء المنظمات الطلابية والشبابية لهذا الأمر منذ عقود وبدأت تدريجياً في احتلال مساحة هامشية في المجتمعات الإسلامية هناك! حيث يعمل قادتها بعيداً عن الأنظار. هذا عن الفئة الأولى.

ولكن هناك فئة ثانية من المنظمات وهي المجموعات الرئيسية ولديها نطاق واسع للعمل، ومع ذلك، فإن هذه الجماعات “انغمست في دائرة أيديولوجية الإسلام السياسي لفترة وجيزة فقط في مرحلة ما من ماضيها من خلال الاتصال بالمؤسسات التي تتخذ من الغرب مقراً لها! والتي يُفترض أنها مرتبطة بالإخوان المسلمين.

أما الفئة الثالثة فهي تحتوي على العديد من النشطاء السياسيين المنظمين في عدة تجمعات منها المنظمات الشبابية؛ وجميعهم يدعمون بشكل علني حراك الإخوان المسلمين في مصر، كما يدعمون الحراك الشعبي والسياسي لما يسمى الربيع العربي في مصر الذي حدث في 2011-2013، وهم يستلهمون من أيديولوجية الإخوان المسلمين أفكارهم، ويحافظون على الروابط معهم ومع مؤسساتهم في بروكسل. أما الفئة الأخيرة فتشمل المنظمات التي تقترب ببطء من مجال الإسلام السياسي بمساعدة جهات فاعلة غير جماعة الإخوان المسلمين.

مقدونيا الشمالية ديمغرافياً

وفقا للتعداد الأخير الذي تم إجراؤه في عام 2002، فإن ثلث سكان مقدونيا الشمالية مسلمون، وهم مقسمون أيضاً بحسب العرق، والعرق الأكبر بينهم من الألبان (25 ٪)، يليهم الأتراك، والبوشناق (البوسنيين)، وتوربيشي، ومع ذلك تعتبر هذه المعلومات قديمة بالنسبة للكثيرين، مما يشير إلى أن السكان الحاليين من المسلمين في مقدونيا الشمالية يكونون ما بين 36.6٪ 3 و43.6٪.

أما السلطة الدينية الرئيسية للمسلمين في مقدونيا الشمالية تتمثل بالجماعة الدينية الإسلامية (мак. Исламска верска заедница، alb. Bashkësisë Islame، IVZ). وتم إنشاء IVZ في عام 1991 واعترفت بها الحكومة في عام 1994. ويدعو الموقع الرسمي لـ IVZ إلى نشر السلام بجدية، وقد شجب في السابق الإجراءات المتطرفة في مقدونيا الشمالية. ([4])

 الانتماء للإخوان المسلمين في مقدونيا الشمالية

هناك فجوة كبيرة في الأبحاث الأكاديمية والسياسية التي تركز على وجود الإخوان المسلمين كحركة للإسلام السياسي في البلاد ومع ذلك، ومن خلال البحث الذي تم إجراؤه بشأن المجتمع والمنظمات المقدونية المرتبطة بشبكة الإخوان المسلمين، وُجِد أن إحداها عضو في منتدى المنظمات الشبابية والطلابية الإسلامية الأوروبية (FEMYSO). وتسمى المنظمة Forumi Rinor Islam (المؤتمر الإسلامي للشباب، FRI)، ومقرها في تيتوفو؛ وقد حضر ممثلوها أحداث ومؤتمرات FEMYSO، وانتخبوا أعضاء في فريق قيادة FEMYSO.

وتوصف FRI بأنها منظمة شبابية غير حكومية، تأسست عام 2000 نتيجة لنشاط وإرادة الشباب، وتتمتع المنظمة بحضور على الإنترنت عبر موقع إلكتروني وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك قناة على YouTube وصفحة Facebook مع أكثر من 5000 متابع وInstagram مع 1700 متابع! كما تتحكم FRI أيضا في مجال ويب قديم لا يتم استخدامه حالياً ولا يمكن الوصول إليه.

على عكس FEMYSO من البوسنة والهرسك، AKOS، يحتوي موقع FRI على بعض المقالات حول موضوع جماعة الاخوان المسلمين، والغالبية العظمى من تلك المقالات، حوالي 15 مقالاً، مؤرخة بين عامي 2012 و2016 وتغطي الأحداث المحيطة بالإخوان المسلمين في مصر، هناك مقابلة واحدة مع انتصار خريجي، رئيسة FEMYSO وأخرى مع ابنة زعيم حزب النهضة التونسي راشد الغنوشي، موجودة على الموقع، على الرغم من عدم ذكر الإسلام السياسي أو الإخوان. كما يعرض موقع FRI مقالاً واحداً فقط عن حياة وعمل مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا. ([5])

تدور أنشطة FRI بشكل أساسي حول التعليم والمساعدات الإنسانية، كما يتضح من مخرجاتها على وسائل التواصل الاجتماعي؛ وتقدم المنظمة دورات تدريبية متعددة للشباب حول موضوعات الصحة والتعليم، وتقدم جوائز مثل “العالم الشاب لهذا العام”، وذلك خلال احتفالها السنوي برأس السنة الهجرية. كما يتم جمع الأموال للأغذية ومنتجات النظافة للأسر المحتاجة في جميع أنحاء مقدونيا الشمالية. لكن لا توجد معلومات متاحة تحت علامة التبويب “النشاط” على موقعها على الإنترنت فيما يتعلق بمعالجة الموضوعات السياسية، فقط مناشدات لمنظمي موكب LGBT Pride والشباب فيها.

الجبهة الشبابية الإسلامية بمقدونيا وعلاقتها بحركة الإخوان المسلمين

رغم أن مقدونيا، التي تدعو إلى وضع حد للممارسات التي تؤدي إلى “عدم توازن المكونات الأخلاقية”؛ لكنّ الجبهة الشبابية الإسلامية غير المرتبطة رسمياً بأي حزب سياسي في مقدونيا الشمالية، قد نظمت في آب/ أغسطس2011 مؤتمراً بعنوان “الإسلام في أوروبا (الخطر أو الخلاص) اجتذب اهتماماً عاماً كبيراً بسبب صلاته المشبوهة بالتطرف الإسلامي، حيث كان المتحدث الضيف الإخواني هاني رمضان شقيق طارق رمضان وحفيد حسن البنا.

وأعربت منظمة IVZ في مقدونيا الشمالية عن مخاوفها بشأن هذه الأحداث لأنها تعتقد أن مشاركة المنظمات غير الحكومية في تنظيم اجتماعات ومحاضرات دينية وكذلك أنشطة جمع التبرعات تعني تدخلاً في الشؤون الدينية، وهي مسؤولية المجتمع، ولكن من المثير للاهتمام ملاحظة أنه لا يوجد أي ذكر لهذا المؤتمر في حسابات FRI الحالية على وسائل التواصل الاجتماعي، باستثناء التسجيل على قناتها على YouTube. ([6])

وعلاوة على ذلك، فإن أحدث المنشورات المتاحة تعود إلى ثماني سنوات، مما قد يدل على نأي المنظمة بنفسها عن هذا الحدث الماضي وانعكاساته. وقد أشار أحد الخبراء الذين تمت مقابلتهم إلى أن FRI تتمتع حالياً بسمعة طيبة وأن التنظيم غير مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين.

بالإضافة إلى ذلك جذبت منظمة Legis، وهي منظمة غير حكومية في شمال مقدونيا، الانتباه بسبب مشاركة ياسمين ريديبي، الرئيس السابق للمجموعة وزوجة الرئيس الحالي، في أسطول الحرية إلى غزة في العام 2010، مما أثار الجدل حول صلاتها المحتملة مع الإخوان المسلمين. ([7])

تعمل منظمة LEGIS منذ عام 2009، على المستويين الوطني والدولي، بما في ذلك البوسنة والهرسك وغزة والصومال وميانمار وسوريا واليونان، وذلك من خلال جمع وتقديم المساعدات للتخفيف من آثار الكوارث الطبيعية، كالفيضانات ومساعدة المهاجرين واللاجئين، وتأتي اتصالات الإخوان المسلمين من خلال اثنين من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المصريين، الدكتور محمد البلتاجي والدكتور حازم فاروق، اللذان اعتقلا على متن سفينة الأسطول واحتجزا في سجن إسرائيلي في أعقاب غارة الكوماندوس الإسرائيلي على السفينة.

وقد أنكر Redžepi، الذي كان على متن سفينة الأسطول مافي مرمري، أن تكون له صلات بجماعة الإخوان المسلمين، مشيراً إلى أنه شخص بارز يهتم بالشؤون الإنسانية كان ينوي شحن المساعدات الإنسانية التي يديرها “نشطاء حقوق الإنسان”. وبعيداً عن التكهنات، لم يتم العثور على مؤشرات إضافية لإثبات مزاعم وجود صلات بجماعة الإخوان المسلمين.

التأثيرات الخارجية للوجود الإخواني في مقدونيا (إخوان تركيا مثالاً)

على الرغم من عدم وجود مؤشرات على وجود جماعة الإخوان المسلمين في مقدونيا الشمالية، فقد لوحظ هناك وجود جهات أجنبية أخرى لها تأثير كبير على السياقات السياسية والدينية في البلاد وفي جميع المحادثات، كما ثبت أن لتركيا وحزب العدالة والتنمية تأثيراً كبيراً في مقدونيا الشمالية؛ على غرار صربيا، ولكن يوصف تأثير تركيا بأنه مؤسسي ومنهجي.

ذكر أحد الذين تمت مقابلتهم أن المنظمة التركية TİKA دائماً حاضرة في خلفية التطورات المهمة في مقدونيا الشمالية؛ ويمكن تفسير ذلك بسبب العلاقات مع تركيا بما فيها التأثيرات التاريخية والثقافية للإمبراطورية العثمانية في البلقان، وبخاصة مقدونيا الشمالية، بالإضافة إلى وجود نسبة جديرة بالملاحظة من الأتراك بين السكان. بالإضافة إلى ذلك، فإن الصلات الشخصية للسكان المقدونيين بتركيا واضحة للعيان فالكثير من الألبان لديهم أقارب وأصدقاء في تركيا، والعديد منهم تلقوا تعليمهم في تركيا.

وعلى سبيل المثال، تمول تركيا إعادة بناء المساجد في مقدونيا الشمالية، مثل مسجد علي باشا التاريخي الذي يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر في أوهريد؛ بالإضافة إلى ذلك، تتبرع تركيا بالمال للحيوانات المستخدمة في أضاحي المسلمين، ولأن IVZ قامت بجعل التبرعات محدودة، ساعد ذلك في إعلاء السمعة الجيدة لتركيا في مجتمعات مقدونيا الشمالية؟ كما يُزعم أن نفوذ تركيا مرتبط بتأسيس حزب بيسا السياسي؛ وهو حزب سياسي ألباني يميني يعمل منذ عام 2014، ويُذكر أن حزب بيسا فاز بأربعة مقاعد في البرلمان المقدوني في انتخابات عام 2020.

ووفقاً لعدة روايات، يتمتع حزب بيسا بخلفية إسلامية، وتمولها دول أجنبية، ولا سيما تركيا! بينما تنفي قيادة حزب بيسا وجود روابط مباشرة، ولديها محررون معروفون لمنافذ إعلامية موالية لأردوغان ويتبعون خط أردوغان بشكل علني! وأثناء حشد الأصوات على مستوى المجتمع، كانوا يستحضرون “بطاقة أردوغان”، ولكن بين النخب وعلى المستوى الوطني، وكان خطابهم يدور حول المسألة العرقية و”الترويج للقضايا والقيم الألبانية” ولزيادة نفوذها، تحافظ تركيا على علاقات جيدة مع الأقلية القومية التركية في مقدونيا الشمالية، بالإضافة إلى المجموعة المسلمة المقدونية الصغيرة Torbeši بسبب تشابه آرائهم السياسية المحافظة. ([8])

ويشكل الألبانيون الأصليون التعداد الأكبر للمسلمين في البلاد ولهم ثقل سياسي واجتماعي بارز! وتركيا تعتزم استخدام هذا التأثير كجزء من هدفها الاستراتيجي المتمثل في العثمانية الجديدة من خلال سياسة أردوغان الواضحة في أوروبا كلها؟! وفي نفس السياق ذُكر أنه في الفترة ما بين 2011-2014، نظمت تركيا أكاديميات سياسية للشباب في أنقرة، بما في ذلك شخصيات من مقدونيا الشمالية، حيث كان أعضاء آخرون من حزب العدالة والتنمية التركي حاضرين.

هذه الأعمال والنشاطات المذكورة أعلاه؛ كانت موازية لمزاعم حول تعبئة حزب العدالة والتنمية لشباب الإخوان المسلمين، مما يشير إلى أن الوقت قد حان لانضمام حركة بيسا السياسية للخط الإخواني، ومع ذلك لم تستخدم خطاب الإسلام السياسي في خطابها السياسي العام، ولكن شخصيات تركية محسوبة على حزب العدالة والتنمية دعت إلى “إعادة تقوية العلاقات” مع مقدونيا الشمالية لكسب المزيد من الحقوق والاحترام للألبان في البلاد، حيث غالباً ما يتم تقويضها أو إهمالها.

حزب بيسا مرتبط أيضا بدار النشر Logos-A، ولقد نشرت كتباً لحسن البنا ويوسف القرضاوي من بين العديد من الكتب لمؤلفين الآخرين! هذه الكتب تُرجمت بشكل حصري تقريبا إلى الألبانية، على سبيل المثال تم العثور على إعلانات لكتاب يوسف القرضاوي الشهير (الحلال والحرام في الإسلام) على صفحة Logos-A وعلى Facebook نظراً لارتباطها ببيسا، يُزعم أن شركة Logos-A تعرضت للهجوم من قبل الأحزاب السياسية الأخرى في مقدونيا، وتحديداً VMRO-DPMNE51، لأنها نشرت كتباً ملهمة ومرجعية لحركة فكرية جديدة في السياسة تعتمد أيديولوجية الإسلام السياسي الإخوانية. ([9])

أكد أحد المحاورين الخبراء على وجود روابط بين بيسا ودار النشر Logos-A، مما يشير إلى أن تياراً واحداً داخل حزب بيسا يركز بشدة على التطورات الأيديولوجية من خلال الكتب والتعليم بينما يتعاطف في نفس الوقت مع رئيس الوزراء التركي السابق داود أوغلو ولديه علاقات شخصية قوية مع أفراد من قطر.

كما تم تسليط الضوء على وجود حركة غولن، التي كانت في صراع مع حكومة أردوغان، في المقابلات المتعلقة بمقدونيا الشمالية؟ حيث يتواجد أتباع غولن بشكل أساسي في قطاع التعليم من خلال مدارس مثل كلية يحيى كمال في سكوبي، التي تم تهديدها بالإغلاق في آب / أغسطس 2016 بسبب صلاتها بحركة غولن.

كما كشفت رواية شخصية لأحد الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات (رفض الكشف عن اسمه) عن مزاعم بأن تركيا حرضت على اضطهاد أعضاء حركة غولن في مقدونيا الشمالية مقابل التأثير على قبول الحزب السياسي الصاعد بيسا في الائتلاف مع حزب VMRO-DPMNE الحاكم آنذاك! بالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن دار النشر Logos-A ترتبط بقوة بحزب بيسا، مما يشير بشكل ثانوي إلى روابط مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

وقد لوحظ أن “الاضطراب الداخلي في تركيا ينعكس دائماً على مقدونيا الشمالية سياسياً”! وقد تم تأكيد هذا الشعور في جميع المقابلات التي أجريناها، مما أدى إلى زيادة النقاش حول حساسية مقدونيا، وقد وصف ذلك بأنه ذو أهمية قصوى، حيث يقترح أن “هناك قتالاً خفياً من أجل الخلافة الجديدة يحدث في العالم الإسلامي الآن”، في إشارة إلى العلاقات بين تركيا ودول الخليج! ومن المهم ملاحظة أن الشخص الذي تمت مقابلته يرى من وجهة نظره، أنه يعتقد بأن حزب العدالة والتنمية يروج الأجندة الإخوانية ذات الاهتمام السلطوي.

صراع تركي/إخواني مع السلفية المعاصرة على مقدونيا والبلقان!

أشارت كل من المقابلات والأدبيات المنشورة التي توزع في مقدونيا إلى أن التأثيرات الأجنبية الأخرى قد شقت طريقها إلى مقدونيا الشمالية، مثل المملكة العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة حيث تم إدراجها جميعاً على أنها مؤثرة بطريقة ما، على الرغم من أن تأثيرها أقل بكثير من تركيا في كثير من الأحيان.

يتم نقل هذه التأثيرات من خلال الوعظ من مختلف الأئمة الذين تلقوا تعليمهم في تلك البلدان! على الرغم من أن التأثيرات من دول الخليج أكثر سرية، ومن الصعب متابعة الموارد المالية لمعرفة أين تنتهي، إلا أن الهندسة المعمارية لبعض المساجد في جميع أنحاء مقدونيا الشمالية هي مؤشر يقوي ذلك!؟ وتظهر زيادة في “الوهابيين الملتحين”، الذين يتلقون دعماً مالياً من دول خليجية معروفة في قرى توربيشي؛ وكان الحراك الإسلامي والجمعيات الخيرية، مثل الوقف الإسلامي، موضوع نقاش وجدل منذ تسعينيات القرن الماضي.

دخل المتطرفون الإسلاميون الأصوليون إلى غرب البلقان لأول مرة خلال الحروب الأهلية في التسعينيات، مما أدى إلى إقامة صلة مع الخليج؛ واليوم تعتبر روابط مقدونيا الشمالية بكوسوفو مهمة في هذا الصدد، كما تم ملاحظة أن الكثير من التيارات الوهابية لها تأثير غير مباشر من هناك. ([10])

ومع ذلك، فإن الاستقصاء لم يشر إلى وجود الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين بشكل علني، لكن كشفت المقابلات أن هناك تغييرات يمكن أن تلعب دوراً مهماً في التطور المحتمل للإسلام السياسي في مقدونيا الشمالية. ويُعزى الغياب الماضي والحاضر العلني للإسلام السياسي إلى أن الدين ليس عاملاً مهما في تشكيل الهوية، ومع ذلك، فإن التحول المستمر واضح! ومع سقوط الحكم الشيوعي في يوغوسلافيا السابقة (SFRY)، أظهر الدين كعامل لبناء الهوية، وتعزيز الهوية الألبانية، التي يُنظر إليها على أنها مهددة من قبل الكتلة الألبانية بسبب الجهود المبذولة لتعزيز الهوية الوطنية المقدونية.

بدأت النخب السياسية والفكرية الألبانية في تضمين الإسلام كعامل حاسم؛ فقد أشار بحث مركز كوسوفو للدراسات الأمنية إلى أن ممثلين، بمن فيهم الأئمة من الجالية الإسلامية في مقدونيا، يؤيدون الإسلام باعتباره العنصر الذي حافظ على الهوية الألبانية في مقدونيا. ([11])

ويتضح تحول السرد من “الهوية القائمة على اللغة والثقافة” إلى “الهوية القائمة على اللغة والثقافة والدين” بشكل متزايد في الخطاب السياسي، مثل خطاب ممثلي الاتحاد الديمقراطي من أجل الاندماج (DUI) والحزب السياسي الألباني (PDSH).

كما أن الأحزاب السياسية؛ حزب “بيسا” على سبيل المثال؛ ينص في نظامه الداخلي على أن الإسلام “جزء لا غنى عنه من الهوية الوطنية للمجتمع الألباني”؛ وتعتبر هذه الحالات مهمة لأنه كما ذكر أحد الذين تمت مقابلتهم، „النصف الثاني ينتظر”، في إشارة إلى استمرار الصراع العرقي عام 2001 بين الألبان والمقدونيين؛ وترتبط هذه التحولات بالتطورات الحالية على المستوى العالمي، كما لاحظ ذلك أحد الخبراء الذين تمت مقابلتهم، ولكن يبدو أن تركيا كانت تضع قيمة أعلى على هويتها الإسلامية في السنوات الأخيرة، وهو ما يتوقع الخبراء أن ينعكس أيضاً في السياق المقدوني الشمالي على صراع محتمل في السنوات القادمة بسبب الترابط بين البلدين. ([12])

أخونة الشباب المسلم في مقدونيا والبلقان

يُنظر إلى الأجيال الشابة على وجه الخصوص، على أنها معرضة لمثل هذه التطورات المحتملة حيث من المرجح أن يقاتلوا من أجل “القضية الإسلامية” أكثر من “القضية الألبانية” كما فعل الجيل الأكبر سناً؟! وكتلخيص لكلمات أحد الخبراء الذين تمت مقابلتهم، نقول “الافتقار الحالي العلني إلى الإسلام السياسي لا يستبعد إمكانية تطوره في المستقبل”! وقد واصلت منظمة ICBiH العمل على الحد من تأثير المتطرفين ومنع الراديكالية الدينية؛ حيث تبنى في عام 2007 المجلس الإسلامي لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية المادة 5 من دستوره بشأن المذهب الحنفي كممارسة في جميع المساجد، لتقليل التفسيرات الأخرى للإسلام؛ والصراعات المحتملة في قضايا الخلافات الدينية. ([13])

علاوة على ذلك، أسس المجلس الإسلامي لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية أيضاً مركز الوسطية للحوار لتعزيز بناء السلام وتفاعل حوار الأديان بين أفراد المجتمع البوسني؛ وأكثر من ذلك، ال ICBiH كان واضحاً بما يتعلق بالتبرعات من جهات أجنبية فاعلة، على وجه الخصوص يشترط ال ICBIH على أنه في حين يتم قبول التبرعات فإنهم يجب أن يوضحوا سلطتهم فيما يتعلق بالأنشطة في الأشياء التي تم إنشاؤها من خلال هذه التبرعات وكيف يتم إنفاقها بشكل رسمي. فعلى سبيل المثال، تم بناء مكتبة غازي هوسيرف في سراييفو بتبرع من قطر، ومع ذلك فهي تحت سيطرة ICBiH بالكامل من حيث المنشورات والأنشطة التي تُقام هناك.

على الرغم من جهود منظمة ICBiH لمنع التطرف، غالباً ما يتم انتقادها لكونه ذات رد فعل ضعيف على انتشار التأثيرات الأجنبية غير المرغوب فيها، ومحدود الفاعلية ضد المخالفات! ولقد اتُهم رئيس العلماء السابق مصطفى سيريتش بالسماح للوهابيين بالاستقرار في البلقان ونشر أيديولوجيتهم! دون أي تحرك ضدهم أو محاولة الحد من نشاطاتهم، وتوجد آراء متباينة في كل من الدوائر الأكاديمية والسياسة، حيث يرى البعض أن ICBiH قد اتخذ العديد من الخطوات لمنع التطرف، واقترح البعض الآخر أن سيرتش كان أكثر اهتماماً بتطوير موقفه السياسي في البلاد. ([14])

ختاماً

يعدّ تواجد الإسلام السياسي اليوم في مقدونيا واضحاً؛ ولكنه غير علنيّ! كما بات يشكل خطراً على الهوية الوطنية للبلاد من خلال التخوفات التي تنذر أو قد تؤدي إلى صراع بين مكونات الاجتماعية المقدونية حول: هل المرجعية المقدونية هي إسلامية أم وطنية؟. ولكن الأهم في ذلك؛ الميل باتجاه الهوية الإخوانية مما يعني أن هناك أيديولوجية سياسية تتوالد بهدوء وسرية! تعتمد فكرَ الإسلام السياسي مرجعاً له! وخصوصاً الفكر الإخواني؛ وهذا يعني بشكل أو آخر أن يكون الانتماء لمنتسبي تلك الجماعات عابر لحدود الوطنية! وحامل لأيديلوجية دينية لا تقيم وزناً للهوية الوطنية؟! وهذا ما يستحق النظر فيه بعمق ودراسته بروية؛ حتى لا يحدث للمجتمع المقدوني ما لا يحمد عقباه في المستقبل.

هوامش

[1] ـ مقدونيا الشمالية أو رسميًا جمهورية مقدونيا الشمالية (بالمقدونية: Република Северна Македонија) هي دولة تقع في وسط شبه جزيرة البلقان في جنوب شرق أوروبا. إوهي واحدة من الدول التي نشأت بعد تفكك يوغوسلافيا السابقة، أعلنت استقلالها في عام 1991 تحت اسم جمهورية مقدونيا. وأصبحت عضواً في الأمم المتحدة في عام 1993، ولكن نتيجة للنزاع مع اليونان على اسمها، تم قَبولها تحت الوصف المؤقت لجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة، يختصر أحيانا FYROM.‏ بفضل جهود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تم توقيع اتفاقية بين أثينا وسكوبيه حول اسم مقدونيا الجديدة، في 18/03/2018. ليصبح الاسم الرسمي للدولة هو جمهورية مقدونيا الشمالية وبتاريخ 11 كانون الثاني/ يناير وافق برلمان مقدونيا على تعديل دستوري لتغيير اسم البلاد إلى جمهورية مقدونيا الشمالية طبقا لاتفاق مع اليونان لحل مشكلة استمرت عقوداً.

[2] ـ غلوبيسك  هي خزان أفكار عالمي موجود في براتيسلافا ملتزمة بتعزيز الأمن والازدهار والاستدامة في أوروبا والعالم . وهي منظمة مستقلة لا تنتمي لأي حزب وغير حكومية ذات هدف رئيسي وهو تشكيل النقاش العالمي من خلال إجراء أنشطة بحثية وإجراء التواصل بين الخبراء الرئيسيين في السياسة الخارجية والأمنية. تسعى المنظمة إلى خلق تأثير يعكس قيمها لترتيب ليبرالي وديمقراطي في العالم عبر الأطلسي ومن خلال إشراك صانعي السياسة البارزين وكبار القادة من مختلف القطاعات في مبادرات سياستها. ينشر الخزان تحليلات منتظمة بالإضافة إلى أوراق  السياسات والمنشورات التي تستجيب للتحديات الحالية الناشئة في المجال السياسي ضمن خمسة مجالات: الدفاع، الأمن، الديمقراطية والمرونة، الاقتصاد ومستقبل أوروبا والتكنولوجيا يمكن العثورعلى مزيد من المعلومات من هنا:        www.globsec.org

[3] ـ https://femyso.org/member-organisations/

[4] ـ راجع الدراسة التالية: http://www.stat.gov.mk/Publikacii/knigaXIII.pdf

[5] ـ ABria+muslimane حزب النهضة التونسي هو أحد أفرع تنظيم الإخوان المسلمين العالمي في تونس.

[6] ـ أتاناس بانوفسكي،  “انتشار التطرف الإسلامي في جمهورية مقدونيا” (مونتيري،  كاليفورنيا: مدرسة الدراسات العليا البحرية،  2011)  ص. 43.

[7] ـ انظر: http://www.legis.mk/history.

[8] ـ ألون بن مئير،  “حصان طروادة أردوغان” في مقدونيا،  جيروزاليم بوست | JPost.Com،  بدون تاريخ: https://doi.org/https://www.jpost.com/blogs/above-the-fray/erdogans-trojan-horse-in-macedonia-560006

[9] ـ راجع الدراسة التالية:

http://shekulliagency.com/opinionanaliza/efekti-besa-si-i-eshte-versulur-shteti-maqedon-entit-botues-logos-a/

[10] ـ انظر: Danuta Gibas-Krzak،  “Contemporary Terrorism in the Balkans: A Real Threat to Security in Europe، ” The Journal of Slavic Military Studies 26 (nd): 203-218.

[11] ـ Florian Qehaja و Seknder Perteshi،  العلاقة غير المستكشفة: قضايا الراديكالية والتطرف العنيف في مقدونيا،  ص. 20.

[12] ـ مقابلة شخصية NM 4،  2 أكتوبر 2020،  Skopje.

[13] ـ بريليفيتش،  منع التطرف الديني في البوسنة والهرسك،  ص:378 .

[14] ـ تعتبر منظمة (ICBiH) المرجعية والسلطة الدينية الرئيسية هناك.