إتلاف عشرات الأطنان شهريا.. منتجات غذائية فاسدة تجتاح أسواق العراق

في الوقت الذي يعاني فيه العراقيون أزمة اقتصادية ألقت بظلالها على جميع جوانب حياتهم بما فيها الصحية، تغزو الأسواق العراقية منتجات غذائية وأدوية فاسدة ومنتهية الصلاحية، باتت تشكل خطرا جديدا على حياة المواطنين، وضررا كبيرا على اقتصاد البلاد، حسبما يقول خبراء.

على الرغم من الحملات الرقابية وعمليات الإتلاف التي تنفذها وزارة الصحة للمنتجات الفاسدة، إلا أن مصادر عراقية تؤكد إغراق السوق المحلية، بمنتجات مستوردة غير صالحة للاستهلاك، لدرجة جعلت من الحكومة عاجزة عن السيطرة على تلك البضائع ومروجيها، في حين يتهم آخرون الحكومة بمحاربة المنتجات المحلية لفتح المجال أمام دول الجوار بالهيمنة على الأسواق، وترويج منتجاتها منتهية الصلاحية على حساب شعب بات مجبرا على استهلاك موادا فاسدة نتيجة سوء أوضاعه الاقتصادية.

إتلاف عشرات الأطنان شهريا

لا يمر يوم إلا وتتحدث وسائل إعلام عراقية عن قيام فرق الرقابة الصحية في مديريات المحافظات، بضبط واتلاف موادا غذائية وطبية فاسدة.

الصحفي “عمران محمود” يبدأ حديثه لمرصد “مينا”، مؤكدا أن شعبة الرقابة الصحية في محافظة “ذي قار” وحدها أتلفت خلال العام الجاري اكثر من 2 طن من المواد الغذائية، غالبيتها من الإندومي والجبنة والمعلبات ولحومات مثلجة بالإضافة الى الدجاج المجزور، والاسماك وبيض المائدة، والطماطم، والبطاطا التي تعتبر من المحاصيل الرئيسة لدى العراقيين.

وبحسب “محمود” فإن ما نسبته 60 بالمئة من تلك المنتجات المتلفة ليست من الانتاج المحلي و معظمها منتجات إيرانية، تٌباع بأسعار تقدر بنصف أسعار المنتجات المحلية والصالحة للاستخدام.

كلام “محمود” يؤكده مسؤول في شعبة الرقابة الصحية بوزارة الصحة العراقية، رفض الكشف عن اسمه، قائلا إن تقارير الوزارة تؤكد أن المحافظات العراقية تشهد شهريا إتلاف نحو 40 – 60 طنا من المواد الغذائية والطبية المنتهية الصلاحية، والتي يتم إدخالها يوميا عبر الحدود، مشيرا الى أن تلك البضائع غزت السوق المحلية بشكل متصاعد في الفترة الأخيرة، وباتت تشكل خطرا على حياة المواطنين، كونها غير صالحة للاستهلاك البشري.

ويبرر المسؤول العراقي انتشار تلك المنتجات في السوق بتغييب دور الرقابة الصحية وأجهزة التقييس على الحدود، مؤكدا أن ما يتم على الحدود هو مجرد فحص لبعض العينات البسيطة، ويتم من ثم إدخالها خارج إطار الشروط المحددة، ومشيرا الى أن الحكومة لا فقدت السيطرة على تلك البضائع، التي باتت توزع ضمن مفردات البطاقة التموينية، إذ إن تجارا كبارا مرتبطين بجهات متنفذة في الحكومة يعملون على إدخال تلك المواد.

يشار الى أن سلطات الأمن العراقي ضبطت قبل أيام 5 عجلات من نوع براد محملة بـ 63 طنا من الجبن والإندومي منتهي الصلاحية، أثناء نقلها لمستودعات مخصصة لتخزين المنتجات الغذائية في محافظة البصرة.

المواطن العراقي يدفع الثمن

يحذر المحلل الاقتصادي “خالد الراوي” من انتشار ظاهرة المواد الغذائية والأدوية الفاسدة، فبالإضافة إلى ما قد تخلفه من أزمات صحية لدى المواطنين العراقيين، فإنها ستتسبب بكساد اقتصادي للمنتجات المحلية، كما ستكلف البلاد الكثير من العملة الصعبة، مقابل منتجات سيتم إتلافها، في وقت هو بأمس الحاجة لهذه العملة.

ويحمّل “الراوي” الحكومة مسؤولية انفلات المعابر الحدودية الرسمية، مطالبا إياها “بالتحرك العاجل ووضع خطط رصينة تؤمن مراقبة عمليات الاستيراد، وفقا لحاجة السوق فقط وبما لا ينافس المنتجات المحلية”.

بالإضافة الى ذلك، يكشف “الراوي” أن النسبة الأكبر من المنتجات منتهية الصلاحية تدخل عبر معابر التهريب، مشيرا الى أن أبرز المشاريع التي تأثرت بالتهريب هي مشاريع دجاج اللحم، إذ ان دخول المهرب وبأسعار زهيدة جدا يؤثر على الانتاج المحلية، و أصحاب المحال التجارية الصغيرة الأكثر عرضة للخسارة بسبب تلك البضائع، بسبب عدم معرفتهم بأن تلك البضائع فاسدة، وبالتالي يتحملون نتائج إتلافها.

من جانبه، يؤكد “أبو عمران”، وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية في بغداد، أن الجهات الرقابية أتلفت أكثر من طن من المواد الغذائية التي يتعامل بها، على اعتبار أنها منتهية الصلاحية، كما أتلفت كميات مماثلة لدى أصحاب المحال الأخرى التي تتعامل بالمفرد، مشيرا الى أن بعض المستوردين للمواد يتلاعبون بتاريخ صلاحية المواد، وأصحاب محال لا يستطيعون كشف ذلك.

ويبدي أبو عمران استغرابه من تمكن الجهات الرقابية من كشف المواد وهي في محال التجار، ولا تكشفها على الحدود.

سلع إيرانية بدعم عراقي

تتهم مصادر عراقية الحكومة، بفتح الحدود مع إيران على مصراعيها أمام البضائع والمنتجات الإيرانية، والتي تدخل بكميات كبيرة جدا، موضحة أنه لا توجد ضوابط معينة لتنظيم عملية الاستيراد، بل هناك تجار يتحكمون بالكميات الداخلة، وأن هؤلاء التجار مرتبطون بأحزاب متنفذة وجماعات مسلحة.

وتؤكد المصادر أن تلك المواد منتهية الصلاحية وتُباع بأسعار أقل من أسعار المنتج المحلي، مشيرة الى أن الفقر يجبر نسبة كبيرة من العراقيين على شرائها رغم إدراكهم لأضرارها.

يشار الى أن عضو لجنة الزراعة النيابية، النائب “علي البديري”، كان انتقد أداء الحكومة مع المنتجات المحلية قائلا إن الحكومة العراقية هي الوحيدة في العالم التي تحارب المنتج المحلي لبلادها، على خلاف الحكومات التي تحمي وتشجع وتدعم منتجاتها الوطنية لكي تكون مؤمّنة من ناحية الأمن الغذائي ولكي تحصل على أرباح اقتصادية.

يذكر أن إيران تصدر للعراق أغلب المنتجات الغذائية مثل معجون الطماطم، والحلويات، والشوكولاتة، والفستق، ومنتجات الألبان واللحوم، وكذلك المنتجات الصحية.

وتظهر الإحصاءات الاقتصادية أن الصادرات الإيرانية إلى العراق قد زادت باستمرار على مدى السنوات العشر الماضية، إذ بلغت صادرات إيران غير النفطية إلى العراق في عام 2008 حوالي 7/2 مليار دولار، ووصلت في عام 2019 إلى حوالي 9 مليارات دولار. وبينما شكلت الصادرات الإيرانية إلى العراق من حيث القيمة في عام 2008 حوالي 15% من إجمالي صادرات إيران، بلغت نحو 22% من إجمالي الصادرات الإيرانية خلال العام الماضي، تمت إلى العراق.

وللعراق واحدة من أطول الحدود المشتركة مع إيران، إذ تبلغ 1458 كلم، ويوجد 10 معابر حدودية بين البلدين جعل من السهل على طهران غزو الأسواق العراقية بمنتجات إيرانية، فضلا عن مئات من المعابر غير الشرعية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©