إستهداف السفن.. حرب الظل بين إسرائيل وإيران

عادت الهجمات على الناقلات والسفن التجارية في مياه منطقة الشرق الأوسط، خاصة في بحر العرب إلى الواجهة، وسط توترات مرتبطة بصراع اليمن، والمواجهة بين إيران وميليشيات “حزب الله” اللبناني من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.

وبعد سلسلة من الهجمات على ناقلات وسفن تجارية في الخليج وبحر عُمان العام الماضي، تعرضت عدة سفن بينها ناقلات نفط لهجمات خلال العام الجاري، كان آخرها يوم أمس الخميس، حيث تعرضت سفينة تجارية إسرائيلية لهجوم غامض، قبالة ساحل سلطنة عمان، حسبما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية.

هجمات متكررة

في مطلع الشهر الجاري، استُهدفت في المحيط الهندي، سفينة تعود ملكيتها لرجل أعمال إسرائيلي، كانت متجهة من ميناء جدة في السعودية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حسبما ذكرت وسائل إعلام عبرية حينها، مؤكدة أن تقديرات تشير إلى أن إيران قد تقف وراء الاستهداف.

شهر نيسان/ أبريل شهد أيضا هجمات مماثلة، إذ تعرضت سفينة شحن إسرائيلية إلى “هجوم صاروخي” قبالة سواحل الفجيرة في الإمارات، بحسب ما ذكرت تقارير صحافية أكدتها مصادر في أجهزة الأمن الإسرائيلية، وأشارت التقارير حينها إلى أن السفينة مملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي، رامي أونغر، الذي يعمل في مجال استيراد السيارات والنقل البحري والعقارات، وسبق وتعرضت سفينة تابعة له في شباط/ فبراير الماضي لهجوم في الخليج العربي، نُسب لإيران. ورفعت السفينة علم جزر البهاما، وتدعى “هايبريون راي”.

وبعدها بأيام، في شهر نيسان/ أبريل ذاته، أعلنت وزارة النفط في النظام السوري، تعرّض إحدى منشآتها “لما يعتقد أنه هجوم من طائرة مسيّرة” في منطقة بانياس.

مواجهة إسرائيلية إيرانية

وفي شهر آذار/ مارس، كشفت وسائل إعلام أميركيّة أن إسرائيل استهدفت منذ العام 2019، ما لا يقل عن 12 ناقلة نفط إيرانية أو تحمل نفطا إيرانيا متجهة إلى سورية، فيما وصف بـ”فتح جبهة جديدة في الصراع الإسرائيلي الإيراني”.

صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية ذكرت أن إسرائيل استخدمت أسلحة تشمل ألغاما بحرية لضرب السفن الإيرانية أو السفن التي تحمل شحنات إيرانية، أثناء توجهها إلى سوريا، موضحة أن الهجمات نفذت في البحر الأحمر وفي البحر الأبيض وفي مناطق أخرى بالمنطقة.

التقرير الذي جاء نقلا عن مسؤولين أميركيين وإقليميين، أكد أن الهجمات الإسرائيلية جاءت تحسبا من “استفادة إيران من أرباح النفط، لتمول أذرعها في الشرق الأوسط”، مشيرا إلى أن بيع النفط الإيراني تواصل على الرغم مع العقوبات الأميركية المفروضة على إيران والدولية المفروضة على النظام السوري.

وورد في التقرير أن الهجمات الإسرائيلية استهدفت كذلك سفن شحن إيرانية تنقل بضائع أخرى بما في ذلك شحنات أسلحة، ولفت إلى أنه “لم يسبق أن تم الكشف عن هجمات استهدفت ناقلات نفط إيرانية، علما بأن مسؤولين إيرانيين كانوا قد أعلنوا عن هجمات استهدفت قطعهم البحرية، في وقت سابق، وقالوا إنهم يشتبهون بتورط إسرائيل”.

وذكر أن الحرس الثوري الإيراني يسيطر على شحنات النفط الإيرانية المتجهة إلى سورية، وادعى أن الغرض من هذه العمليات الإيرانية هو الالتفاف على العقوبات المفروضة على كل من إيران وسورية لـ”تمويل الحرس الثوري الإيراني”، مشددا على أن “مثل هذه الشحنات غالبًا ما تحمل نفطًا بمئات الملايين من الدولارات”.

يشار إلى أن صيف العام 2019 شهد تسخينا غير مسبوق في عمليات احتجاز السفن، إذ احتجزت طهران خلال شهر واحد باحتجاز 4 سفن نفطية، ففي يوم 14 يوليو 2019 تم احتجاز ناقلة النفط “رياح” التي ترفع علم بنما وعلى متنها أفراد يحملون الجنسية الهندية، وبعدها بأربعة أيام أي في 18 يوليو 2019 احتجزت ناقلة النفط البريطانية ستينا إمبيرو، وفي 20 يوليو 2019 أجبرت ناقلة النفط الجزائرية “مصدر” على دخول مياهها الإقليمية لتفتيشها. أما يوم 4 أغسطس 2019 إيران فاحتجزت السفينة “هيتا” العراقية في مياه الخليج العربي وعلى متنها 7 بحارة.

الحوادث الأربعة سبقها في 12 مايو/أيار 2019، استهداف 4 سفن تجارية بميناء الفجيرة في الإمارات، ولم يسفر الحادث عن سقوط ضحايا، وفي 13 حزيران 2019، تعرضت ناقلتان نفطيتان لهجوم في بحر عمان.

ويرى مراقبون أن تلك الهجمات، دفعت إلى الأذهان ضرورة اتخاذ دول العالم موقفا موحدا ضد هذا النوع من الأنشطة العدوانية، للحفاظ على سلامة خطوط التجارة والشحن العالمية، وحماية الممر الاقتصادي العالمي الأهم، لاسيما أن عمليات القرصنة السابقة تزامنت في حينه مع شن طائرات مسيَّرة مزودة بمتفجرات هجمات ضد منشأتي نفط سعوديتين تتبعان لشركة آرامكو، وحينها أعلنت ميليشيات الحوثي، المدعومة من إيران، المسؤولية عن الهجمات.

بحر العرب والأهمية الاقتصادية

يقول خبراء إنه منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، وربما حتى قبل ذلك، كان الممر المائي الذي يعرف ببحر العرب واحدا من أهم ممرات العالم البحرية، لكن أهميته ازدادت بشكل كبير بعد افتتاح قناة السويس التي تربط البحر الأبيض المتوسط، بالبحر الأحمر، جاعلة الطريق بين موانئ آسيا وأوروبا وأفريقيا أكثر سلاسة، ومانحة للممر البحري الذي يعتبر جزء من المحيط الهندي، أهمية جديدة.

كما تصف الموسوعة البريطانية “بريتانيكا” البحر بأنه “يحتوي على بعض من أكثر ممرات الشحن ازدحاما في العالم، إذ تمر عبر هذه الممرات مئات السفن يوميا.

لكن التوتر الأخير بين إسرائيل وإيران، حيث تمر سفن الدولتين من هذا الممر، يؤثر على مليارات الدولارات التي تحركها التجارة العالمية، ومصالح الدول التي تمتلك موانئ تطل على هذه المياه، أو على تفرعاتها.

يطل على مياه بحر العرب بشكل مباشر كل من دول الصومال وجيبوتي واليمن وعمان وباكستان والهند والمالديف، فيما تمتلك إيران سيطرة بحرية على مضيق هرمز الرابط بين بحر العرب والخليج والذي يمر عبره نحو خمس نفط العالم، كما إن البحر يعتبر المنفذ الأهم لتصدير النفط العراقي والكويتي والإماراتي والسعودي إلى أوروبا، ووصول البضائع والشحنات إلى تلك الدول وباقي دول الخليج. ومع إن إسرائيل تمتلك منفذا على البحر الأحمر يوصل سفنها إلى أوروبا بسهولة، إلا أن عددا كبيرا من ناقلاتها يعمل في المنطقة، وكذلك تعتمد إيران بشكل كبير على الممر البحري لتصدير نفطها واستيراد البضائع.

ومؤخرا، تصاعد التوتر الكبير بين إيران وإسرائيل إلى درجة استهداف السفن في تلك المنطقة.

ومنذ بداية الأحداث في سوريا عام 2011، شنّ الجيش الإسرائيلي مئات الضربات الجوية ضد تحركات إيران لتأسيس وجود عسكري دائم في البلاد، وجهود نقل أسلحة متطورة تغير قواعد اللعبة إلى الجماعات الإرهابية في المنطقة.

وعلى الرغم من رفض المسؤولين الإسرائيليين التطرق لتقرير “وول ستريت جورنال”، فإن مصادر أمنية رفيعة رفضت كشف هويتها ذكرت أن “هناك ضربات خفية عديدة موجعة تتعرض لها إيران بسبب سياستها العدوانية، لكن يجدر إبقاؤها طي الكتمان”.

وذكرت مصادر أمنية رفيعة، رفضت كشف هويتها، أن هناك ضربات خفية عديدة موجعة تتعرض لها إيران بسبب سياستها العدوانية، لكن يجدر إبقاؤها طي الكتمان. كما قال مصدر أمني إسرائيلي إنه “وعلى عكس ما نشر في نهاية الشهر الماضي عن أن تفجير عبوة ناسفة في السفينة الإسرائيلية جاء رداً على اغتيال عالم الذرة محسن فخري زادة واغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، فإن التفجير جاء رداً على عمليات نوعية أخرى تثير غضب الملالي في طهران، ملمحا إلى أن هذه العمليات تضمنت تفجير عبوات ناسفة في سفن إيرانية عديدة في السنوات والشهور الأخيرة.

ويرى مراقبون أن تصاعد الهجمات البحرية بين إيران و”إسرائيل” يشير إلى توجه حقيقي نحو توسيع خريطة المواجهة بين الطرفين، ورغم عدم إعلان “إسرائيل” عن مجمل الهجمات التي شنتها على الناقلات الإيرانية، فإنها بكل تأكيد تأتي في سياق سلسلة من العمليات العسكرية التي تشنها ضد إيران، ولم تعلن عن مجملها، أبرزها الانفجارات والحرائق في مواقع نووية مختلفة في إيران.

حرب الناقلات ليست جديدة

حرب الناقلات ليست جديدة على منطقة الخليج، بل بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين هاجمت إيران والعراق الموانئ النفطية لكل منهما في الخليج وضربتا وأغرقتا 250 ناقلة نفط عملاقة، وذلك في خضم حرب بينهما استمرت ثماني سنوات وخلفت أكثر من مليون قتيل، وألحقت أضراراً بالغة باقتصاد البلدين.

خلال السنوات الأخيرة من إدارة الرئيس الأمريكي، “رونالد ريجان” ومع تراجع حدة الحرب، قرر المرشد الإيراني آنذاك “علي الخمينى”، إغلاق الخليج العربي في وجه السفن المحملة بالنفط العراقي كما هددت إيران بأنها لن تترك طرق الملاحة آمنة في الخليج، إذا ما بقي الطريق إلى مينائها النفطي في جزيرة “خرج” مهدداً، وشهد ربيع عام 1984 مهاجمة السفن الكويتية والسعودية.

ففي 13- 14 مايو من العام نفسه قصفت الناقلتان الكويتيتان (أم القصبة) و(بحرة)، وفي 16 مايو، قُصفت الناقلة السعودية (مفخرة ينبع) في ميناء “راس تنورة” السعودي.

وبعدها طلب الكويتيون المساعدة من الغرب، وبالفعل أرسلت الولايات المتحدة أسطولاً إلى الخليج، وتم رفع العلم الأمريكي فوق الناقلات التجارية الكويتية.

وفي أيار/ مايو من العام 1987، استهدف صاروخ عراقي الفرقاطة الأمريكية «ستارك» ظناً منها أن الفرقاطة هي للجيش الإيراني، وقُتل عدد من طاقم السفينة وأصيب آخرون، ثم عمدت البحرية الأميركية لاستهداف عددا من منشآت إيران النفطية في المياه الخليجية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.