إسرائيل وحكومة تأبى الولادة

بين الحل والتعقيدات، لا تزال قضية تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة واحدة من أكثر الأزمات التي شهدتها إسرائيل منذ تأسسيها تشابكاً وتعقيداً، خاصة وأنها تعيش مخاضاً لم تنهيه ثلاث انتخابات نيابية مبكرة خلال أقل من عام، لتبقى عناوين الصحافة الإسرائيلية متنقلة بين مانشيتات الانفراجة المنتظرة وانهيار اللحظات الأخيرة للمفاوضات، التي يجريها قطبي الكنيست الإسرائيلي، حزب أزرق أبيض برئاسة “بيني غانتس”، المدعوم من القوى اليسارية والكتلة العربية، وحزب الليكود برئاسة “بنيامين نتنياهو”، المتسلح بدعم التيارات اليمينية المتشددة والأحزاب القومية.

تسلسل زمني عكسي ودوران

آخر تطورات ملف تشكيل الحكومة تمثلت بالإعلان عن عودة الأزمة السياسية إلى مربعها الأول، وهو ما جاء من خلال تعليق حزب أزرق- أبيض، مفاوضاته مع حزب الليكود، فيما أطلقت عليه الصحف الإسرائيلية مسمى “أزمة اللحظات الاخيرة”، خاصةً وأن قرار تعليق المحادثات أتى بعد أن اتفق الجانبان على تسوية معظم الملفات الخلافية بينهما، في مقدمتها ملف رئاسة الحكومة وضم المستوطنات في الضفة الغربية وغور الأردن إلى السيادة الإسرائيلية، قبل أن تظهر نقطة خلافية جديدة تتعلق باختيار القضاة واللجنة المختصة بتلك المهمة، بحسب ما اعلنه حزب أزرق أبيض في بيانٍ صادرٍ عنه.

في غضون ذلك، علقت بعض الصحف الإسرائيلية على انهيار المفاوضات بأنها عودة من جديد إلى خيار الانتخابات المبكرة، خاصةً مع التقارب الكبير عدد المقاعد، التي فاز بها كل حزب من الحزبين، بواقع 36 مقعدا لليكود، و 33 مقعداً لأزرق أبيض.

كما اعتبرت بعض الصحف والتقارير الإسرائيلية، أن المفاوضات، التي كانت جارية بينهما ليست إلا عمليات مراوغة سياسية يجريها كلا الطرفين لكسب المزيد من الوقت وإقناع المزيد من القوى السياسية الأخرى بدعمه في الكنيست، لإقصاء الآخر، مضيفة: “هناك تباعد كبير جداً في المرجعية الفكرية والسياسات التي يتبناها الحزبين، ما يجعل قيام حكومة وحدة وطنية بينهما أمراً صعباً خاصةً في دولة كإسرائيل، فكيف يمكن جمع اليسار الإسرائيلي والكتلة العربية بذات الحكومة مع تيارات يمينية متشددة وأحزاب قومية، هي توليفة تبدو غير منطقية”.

عقدة القضاة وملفات حساسة

موطن الخلاف الجديد وعقدة تشكيل الحكومة التي ظهرت مؤخراً أرجعها البيان الصادر عن حزب أزرق أبيض، إلى رفضه أي طعن من قبل منافسه الليكود في أي من أسماء القضاة، الذين سيتم تعيينهم في لجنة اختيار القضاة، في حين يصر الليكود بزعامة “نتنياهو”، أن له الحق في اختيار أعضاء تلك اللجنة.

تطورات الموقف وتصلب الآراء بحسب ما نشرته الصحافة العبرية، دفع حزب “غانتس” إلى اتهام حزب الليكود باللجوء إلى أساليب من شأنها ممارسة الرقابة على القضاء والمساس بالمفاهيم الديمقراطية، ما اعتبره محللو الصحف العبرية إعلان طلاق رسمي بين الحزبين قبل أن تجمعها الحكومة، مؤكدين أن الفترة الحالية وما شهده ملف تشكيل الحكومة من تعقيدات، يشير إلى أنه في حال ولو تم تشكيل حكومة إئتلافية فإنه لن يكتب لها العيش طويلاً، تحديداً مع ظهور الكثير من الأزمات كانتشار وباء كورونا والموقف من صفقة القرن ومسألة إعفاء المتدينين اليهود من الخدمة العسكرية الإلزامية، وهو ما يعارضه اليسار الداعم “لغانتس”، بالإضافة إلى مسألة التعيينات الحكومية وخصوصاً في الوزارات السيادية.

معضلة الكتلة العربية

بعيداً عن التنقضات داخل الأحزاب اليهودية، برزت ما أسماه المحللون الإسرائيليون بـ “معضلة الكتلة العربية” التي نالت المركز الثالث في الانتخابات الأخيرة، بواقع 15 مقعداً في الكنيست، مؤكدين أنها عامل أساسي من عوامل تعقيد مسألة تشكيل الحكومة.

وبحسب المحللين، فإن حدوث معجزة اتفاق كل من “بيني غانتس” و”بنيامين نتنياهو” على تشكيل حكومة إئتلافية من حزبيهما سيصطدم بعقبة تزعم الكتلة العربية للمعارضة في الكنيست، ما يعطيها الحق بطلب أي معلومات أمنية أو سياسية أو سرية عن عمل الحكومة وعملياتها بما فيها العسكرية، الأمر الذي يجعل من تلك الكتلة بموجب القانون الإسرائيلي عقبة أمام مخططات اليمين المتشدد والأحزاب الدينية، بالإضافة إلى منحها المزيد من القدرة على تعطيل الكثير من القرارات، التي قد تسعى الحكومة لطرحها.

كما استبعدت الصحف العبرية، التي تناولت ملف تشكيل الحكومة، إمكانية ان يتخلى كلا الحزبين عن داعميهما والانخراط في حكومة إئتلافية بينهما على اعتبار أنهما أكبر كتلتان برلمانيتان بواقع 69 مقعداً من أصل 120، ما يجعلهما قادرين على تشكيل الحكومة دون دعم من الأحزاب الأخرى.

رابطةً استبعادها لتلك الخطوة أيضاً بحالة الخصومة السياسية غير التقليدية بينهما، تحديداً في الملفات المتعلقة بالقضية الفلسطينية والاستيطان وبعض القضايا الداخلية، التي يصر حزب الليكود على تناولها بذات العقلية التقليدية الإسرائيلية التي كانت سارية طيلة العقود الماضية، والمتناغمة مع المشاريع المتدينة والقومية، خاصة مع تصريحات رئيس الحكومة المنتهية ولايته “بنيامين نتنياهو”، التي أطلقها قبيل الانتخابات الماضية، مشيراً إلى أن الحكومة المقبلة يجب ان تكون “صهيونية”، رافضاً دخول العرب فيها.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©