إسلامياً ما العمل؟

أحمد الرمح: كاتب وباحث.

في ظل هذا التخبط الإسلاموي؛ وفشل مشروع الإسلام السياسي في الربيع العربي اجتماعياً وسياسياً وعالمياً؛ ثم تحول الربيع العربي إلى خريفٍ قاس لأسباب عدة؛ يُطرح السؤال الآتي: إسلامياً؛ ما العمل؟.

إن الصراع الأيديولوجي الإسلاموي بين السنة والشيعة منذ انتصار الثورة الإيرانية ذات المشروع القومي الفارسي المتخذ من التشيع ستاراً له مع المشروع السلفي الجهادي حتى عسكرة الثورة السورية؛ دفع المجتمع العربي عموماً والسوري خصوصاً؛ إلى الكفر بالإسلام السياسي الذي سطا على ربيعه الثوري؛ وحرف مساره من حالة سلمية راقية؛ نالت إعجاب العالم كله باتجاه عسكرة أحالت سوريا بلداً مدمراً ذا شعب مهجر في أطراف الأرض؛ لكنه بقي مؤمناً بالإسلام.

شعارات ديماغوجية تدغدغ أحلام المتدينين…فشلت!

نحن بحاجة ملحة إلى وقفة متأنية من دعاة الإسلام السياسي ليقوموا خلالها بمراجعات جادة، فينزعوا من عقولهم أحلاماً مستحيلة التحقق في عصرنا؛ وشعارات ديماغوجية يدغدغون بها أحلام التدين الشعبوي، فلا الحاكمية الإلهية صحيحة كما يطرحونها، ولا الخلافة أصل من أصول الدين. إنما هي شكل من أشكال الدولة؛ تجاوزه عصر الحداثة وتطور شكل الدولة.

كذلك فإن نظرية تقسيم العالم إلى فسطاطين فسطاط مؤمن مجاهد؛ وآخر كافر تجب محاربته ومعاداته؛ ما قالها القرآن الكريم، ولا دعا إليها رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؛ إنما هي تأويلات إلغائية لنصوص في السنة النبوية؛ ثبت عدم صحة كثير منها؛ أو نسَخَها فعلُ النبوة؛ وعلى رأسها ما أسس لثقافة الذبح المتمثلة بحديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. المخالف لعموم النص القرآني.

ويضاف إلى ما سبق حديث: جئناكم بالذبح. فهو حديث فيه علة في سنده؛ لا أعلم لِمَ صححها بعض علماء الحديث المعاصرين، وحتى لو صحت تلك الأحاديث، فإن النبي نسخها بفعله لما دخل مكة فاتحاً، مؤسساً ثقافة العفو والتسامح عند المنتصر؛ وناسخاً حديث الذبح (إنْ صحّ) حين قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. لم ينتقم من أحد؛ ولا أجبر كبار قريش وأعداء الأمس على الإسلام.

ولا بد لجنون السلفية الجهادية وعمليات الثأر الطائفي الشيعي أن تتوقف؛ ولا يظننّ أحد أنَّ قتال ثقافة الذبح ومحاربتها تقضي عليها؛ فالعنف لا يولد إلا عنفاً، إنما يحتاج القضاء عليها إلى فكر واعٍ وعقل إنساني منفتح على الآخرين؛ وإصلاح حقيقي لمنظومة التفكير الديني؛ يخلِّص الإسلام من عبء تراث فقهي؛ كُتب بعقلية إمبراطورية إلغائية للآخر؛ الإسلام بريء منها؛ حتى يعود التفكير الإسلامي إلى إنسانيته التي اغتصبها منذ زمن غير بعيد فقهاء السلطة وأئمة التكفير؛ الذين احتكروا حق المعرفة الدينية؛ وأسسوا لثقافة الذبح في كتبهم وحواشيهم وشروحهم، ومنحوا الاستبداد مشروعية دينية.

آن الأوان لنعود إلى إسلام القرآن بعيداً عن آية السيف الموهومة؛ وندع إسلام الحديث؛ من خلال مراجعات حقيقية؛ تقول للآخر:

إن الدين جاء لخدمة الإنسان وليس العكس؛ وأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون؛ وليس القتلة؛ ولا عشاق الدماء؛ إنما كل مَنْ يقدم خيراً للبشرية بغض النظر عن دينه أو لونه أو قوميته.

شروط الحكم الرشيد

إن من يبحث عن السلطة بغطاء تدينه؛ ويعتقد أنه يملك باسم الدين الوصاية على مجتمع قاصر ـ كما يظن ـ وأنه الوحيد صاحب الحق الإلهي بالسلطة؛ عليه أن يتذكر بأن مشروعية أي نظام حكم؛ لا تنبع من الأيديولوجيا التي يحملها، ولا بالشعارات التي يرفعها؛ إنما من خلال شرطين أساسيين أشار لهما القرآن الكريم ويحفظهما المسلمون في كل مكان:

الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ.(سورة قريش:4)

فالمجتمع أي مجتمع يريد من السلطات التي تديره؛ الإطعام من جوع؛ أي حد الكفاية في معايشه؛ والأمن والأمان من الخوف؛ أي أن يعيش آمناً مطمئناً في بلده؛ فإن حققت أي سلطة حد الكفاية والأمن والأمان لمجتمعها؛ باتت في الوجدان المجتمعي تستحق مشروعيتها بالحكم؛ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون على السلطة من خلال برامج تحقق للمجتمع أفضل ما يمكن من خلال هذين الشرطين الأساسيين، حينئذ سينطلق المجتمع ليدخل النسق الحضاري العالمي مبدعاً؛ ومحققاً التنمية؛ ويكون على سلم الحضارة الإنسانية.

 فإن تحقق الوعي الذي هو معركتنا الأولى؛ سيعمل العقل المغيب منذ قرون؛ وتنمو روح الإنسانية فينا؛ عندها سنخرج من الثقافة الخشبية، وسيعلم الذين تخشبوا أي حطب كانوا. وكم أساؤوا إلى دينهم.

فشل ثقافة وسلوك الإكراه في الدين

يجب علينا أن نعي بأن إكراه الآخرين على وجهة نظرنا؛ نظرية ثبت فشلها وهي مرفوضة قرآنياً، وأن السياسة هي استكشاف الخيارات الممكنة في ظل توازن القوى على الأرض واحتمالات الخسارة أو الربح في المدى البعيد، وأن الدين يجب أن يبقى متطهراً من فساد السياسة ورغباتها السلطوية؛ وأن الدولة الحضارية والإنسانية والأخلاقية في مجتمع متعدد المكونات؛ يجب أن تكون حيادية؛ لتخدم مواطنيها كلهم من دون تمييز عرقي أو ديني أو طائفي؛ فتحقق النمو والازدهار.

أما إذا بقي الإسلامويون متكئين على تراث عفا عنه الزمن؛ فإن النتيجة الحتمية نموذج داعش والولي الفقيه؛ وصراع طاحن يُطيل عصر الذبح.

وليعلم أمراء الإسلام السياسي؛ أن شرعيتهم وصوابية منهجهم لا تتحقق باستلامهم السلطة؛ إنما الشرعية لإرادة الشعب؛ يمنحها لمن يؤمن له الأمن والأمان؛ ويحقق له التنمية؛ وينقله حضارياً إلى مصاف المجتمعات المتقدمة؛ وليس لمن يسوقه إلى الصلاة بسلطان الخوف من الذبح؛ ولا مَنْ يجبرهم على زي معين؛ وهيئات محددة؛ تنتمي إلى عصر فات أوانه، أو يدعي احتكار الحق الإلهي.

ختاماً

إن العقبة الحقيقية التي تمنع دخولنا المعاصرة هي ثقافية تراثية في الدرجة الأولى مبتدعة، شارك في تأطيرها الاستبداد وفقهاؤه، أدت إلى قصور في الوعي الواقعي، فتولدت عنها أزمة سلوكية، تقدس ثقافة الموت، ولا تقيم وزناً لثقافة الحياة والتعايش الإنساني.

وعلى الفرقاء الآخرين من غير الإسلاميين أن يسارعوا كذلك إلى مراجعات جادة، وإنْ صحت نظرية أن الآخر يخطط لتدميرنا، فمن العار والجنون؛ أن نساهم في تنفيذ مخططاته بدعوى تحقيق حلم شرعي. فمعركتنا الأولى والأهم؛ هي الوعي أولاً وثانياً وثالثاً.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.