إشكالية نزع سلاح حزب الله في لبنان

يتصاعد الجدل في لبنان حول نزع سلاح حزب الله الموالي لإيران. وافقت الحكومة اللبنانية على خطة أمريكية بقرار وزاري تنص على أن تكون جميع الأسلحة في البلاد تحت سيطرة الدولة بحلول نهاية العام 2025، الأمر الذي يعني السعي لنزع سلاح حزب الله، الذي يُعدّ أقوى جهة فاعلة غير حكومية في لبنان منذ عقود.

وهنأ المبعوث الأمريكي باراك رئيس الوزراء نواف سلام، والرئيس جوزيف عون، ومجلس الوزراء على “قرارهم التاريخي والشجاع والصحيح” بحسب ما يرى، وصرح بأن قرارات مجلس الوزراء تُمثل خطوة أولى ملموسةً نحو تطبيق مبدأ “بلد واحد، جيش واحد”.

لكن مطلب نزع سلاح حزب الله يعتبر مجازفة سياسية كبيرة للحكومة اللبنانية. وهناك مخاوف من انزلاق البلاد إلى أزمة سياسية أخرى إذا استقال أعضاء حزب الله من الحكومة احتجاجا على ذلك، فيما يتخوف آخرون من أن يقود هذا الإجراء البلاد إلى حرب أهلية في ظل عدم الاستقرار الذي تعاني منه المنطقة برمتها.

صعوبة تنفيذ القرار

تشير التقديرات إلى أن نزع سلاح حزب الله بالكامل أمر بالغ الصعوبة، إذ يمتلك التنظيم ترسانة أسلحة واسعة، وهو متجذرٌ بعمق في شرائحٍ من المجتمع اللبناني.  وتكمن المشكلة في أن معدات حزب الله أصبحت أحدث من معدات القوات المسلحة اللبنانية بسبب دعم إيران غير المنقطع منذ عقود ولطالما اعتُبر حزب الله متفوقا عسكرياً، لا سيما في جنوب البلاد. ويتوقع خبراء أنه  في حال وقوع مواجهة عسكرية مع الجيش، سيكون لدى حزب الله الوسائل للدفاع عن نفسه والوصول إلى طريق مسدود.

يمكن لحزب الله عرقلة قرارات الحكومة بمساعدة حلفائه. كان تحالف حزب الله وحركة أمل، المعروف بـ”الثنائي الشيعي”، قد أعلن سابقاً معارضته لأي نزع سلاح. وقد يحشد حزب الله مئات الآلاف من مؤيديه وينسحب من الحكومة، مما قد يُهدد التوازن السياسي الهش في البلاد.

إن مطالبة الجيش اللبناني بمواجهة حزب الله قد يُعرّض البلاد لخطر الحرب الأهلية. وقد ينقسم الجيش اللبناني نفسه على أسس طائفية. حوالي 60% من جنوده من الشيعة، ولهم صلات بجنوب لبنان والبقاع. من غير الواقعي الاعتقاد بأن الجنود الشيعة سيُوجّهون أسلحتهم نحو مجتمعاتهم. سابقة الحرب الأهلية اللبنانية الثانية واضحة – تفكك الجيش على أسس طائفية. ولا يزال هذا الخطر قائما حتى اليوم.

خطوة رمزية تبدأ في المخيمات الفلسطينية

بدأ الجيش اللبناني بسحب أسلحة من مخيم للاجئين الفلسطينيين لأول مرة. وذكرت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية أن شاحنة غادرت برج البراجنة قرب العاصمة بيروت محملة بأسلحة مغطاة. ولم تقع أي حوادث. وأكد مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس توصله إلى اتفاق مع لبنان لبدء نقل الأسلحة. وأعلن المتحدث باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة، أن عمليات نقل أخرى من مخيمات أخرى ستليها. وتخضع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في البلاد لسيطرة جماعات مختلفة. وقد تم التخطيط لهجمات متكررة من هناك في الماضي.

كان عباس قد دعا بالفعل إلى إنهاء جميع الأنشطة المسلحة خارج سيطرة الدولة في لبنان خلال زيارة إلى بيروت في مايو الماضي. ومع ذلك، فهو لا يمثل جميع الفصائل الفلسطينية – فجماعات أخرى مثل حماس والجهاد الإسلامي غالبا ما تتخذ مواقف مختلفة عن مواقف السلطة الفلسطينية بقيادة عباس.

لكن من المنظور الإسرائيلي، كانت التحركات الأخيرة رمزية أكثر منها جوهرية. وصف جاك نيريا، العقيد المتقاعد والزميل البارز في مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، عملية برج البراجنة الأخيرة بأنها مجرد مسرحية. رأينا صحفيين ومصورين يتلقون معلومات، وجنودًا ينتظرون، وشاحنة تخرج من المخيم محملة ببضعة أكياس مما عُرض على أنه أسلحة. هذه كانت العملية برمتها. لكل من يعرف لبنان، كان هذا مسرحية – سيناريو مُتفق عليه مسبقًا. إذا طُبق هذا النموذج على جميع المخيمات، فلن يكون لدى الحكومة أي نية لفرض نزع السلاح فعلياً”.

وعلى الرغم من الأساس القانوني الصلب الذي يستند إليه لبنان في نزع سلاح المخيمات إلا أن مثل هذه الترتيبات لا تُجدي نفعا عندما تبقى الفصائل القوية مسلحة، ذلك أن سيطرة الحكومة على المخيمات ضئيلة في أحسن الأحوال. وعندما تُعلن حماس والجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية رفضها لاتفاقيات نزع السلاح، فمن الواضح أن الدولة لا تملك سلطة حقيقية في الداخل.

لكن هذا الإجراء قد يمهد الطريق لنزع سلاح حزب الله في نهاية المطاف، فإذا نجح الجيش اللبناني في إدارة المسار الفلسطيني، فسيُثبت أن نزع السلاح يمكن أن يتم تدريجيا، بقيادة لبنانية وبدعم دولي. هذا يبني الثقة في الداخل والخارج، ويُمهد الطريق لمسألة ترسانة حزب الله الأكثر صعوبة. لكن ما حدث يشير بنفس الوقت إلى أن إسرائيل تراقب عن كثب تحركات الجيش اللبناني وتنفيذ قرار الحكومة اللبنانية، وأنه لا مجال للمراوغة.

ما هي تفاصيل الخطة الأمريكية

هذه المرة تبدو الولايات المتحدة أكثر صرامة في تعاملها مع سلاح حزب الله، ويبدو أن القرار قد اتخذ على أعلى المستويات، إما أن يتم نزع السلاح أو سيترك لبنان وحيداًَ، وقدمت واشنطن على ما يبدو أنها خطة تحفيزية متعددة المحاور تركز على الدعم الاقتصادي، حيث صرح المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، توم باراك، بأن المملكة العربية السعودية وقطر مستعدتان للاستثمار في منطقة اقتصادية في جنوب لبنان، بالقرب من الحدود مع إسرائيل، بهدف توفير فرص عمل لأعضاء حزب الله وأنصارهم بعد إلقاء سلاحهم. فيما صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن القوات الإسرائيلية قد تبدأ الانسحاب من جنوب لبنان عقب “قرار الحكومة اللبنانية التاريخي” بنزع سلاح حزب الله.

وأشار إلى التحدي المتمثل في إعادة دمج أعضاء حزب الله الذين تم تمويلهم من إيران لعقود. وقال باراك: “لدينا 40 ألف شخص تدفع لهم إيران للقتال. ماذا ستفعلون بهم؟ هل تأخذون سلاحهم وتقولون لهم: بالمناسبة، حظًا سعيدًا في زراعة أشجار الزيتون؟ هذا غير ممكن. علينا مساعدتهم”.

وأضاف باراك أن الولايات المتحدة ودول الخليج ولبنان تخطط للعمل معا لإنشاء منتدى اقتصادي يوفر سبل عيش مستدامة للمقاتلين السابقين. ويُعدّ الجيش اللبناني المدعوم من الولايات المتحدة خطة لنزع سلاح حزب الله، وأكد باراك على ضرورة توفير الدعم الاقتصادي لمرافقة عملية نزع السلاح.

وفيما يتعلق بقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، المنتشرة في جنوب لبنان منذ الغزو الإسرائيلي عام ١٩٧٨، قال باراك إن الولايات المتحدة تُفضل تمويل الجيش اللبناني على اليونيفيل. كما أشار إلى أن الولايات المتحدة تُؤيد تمديد ولاية اليونيفيل لمدة عام واحد فقط.

وكخطوة تهدف إلى تشجيع حزب الله على تسليم سلاحه، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن القوات الإسرائيلية قد تبدأ الانسحاب من جنوب لبنان عقب “قرار الحكومة اللبنانية التاريخي” بنزع سلاح حزب الله، لكن هذه التصريحات قد تأتي بنتائج عكسية، وتوحي بأن الحكومة اللبنانية أصبحت شريكة لإسرائيل بحسب أنصار حزب الله، فهي تعزز رواية حزب الله عن المقاومة، وتخاطر بتنفير الجهات الوسطية في بيئة الحزب، لأن القول بأن إسرائيل “ستساعد” لبنان على نزع سلاح حزب الله يوحي بأنها شريكة في محاربة ثلث سكان لبنان، وهو أمر مرفوض تماما بالنسبة لعدد كبير من أبناء الشعب اللبناني.

خطورة اندلاع حرب أهلية

تسلك الحكومة اللبنانية اليوم مسارا لم تسلكه أي من الحكومات السابقة بقرارها هذا. فمنذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، لم تفرض الدولة احتكارها للأسلحة. تلقي الولايات المتحدة الأمريكية على عاتق الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني مهمة نزع سلاح حزب الله، الأمر الذي يجعلهما في مواجهة مباشرة مع الحزب، ويحذر خبراء من أن الضغط الكبير من أجل نزع سلاح حزب الله بسرعة قد يُعرّض لبنان للخطر، ويؤدي إلى صراعات داخلية، بل وحتى حرب أهلية، وأنّه يجب اعتماد عملية تدريجية وبطيئة. ووفقًا لهذه المصادر، يجب أن تُركّز الجهود، قبل نزع سلاح حزب الله، على بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها. بالإضافة إلى ذلك، يُجادل البعض بضرورة دمج أعضاء حزب الله في عملية بناء الدولة تجنّبًا لعزل أو تنفير أعضاء المنظمة.

لكن تكمن مشكلة النهج الذي يقترح أن يتم نزع سلاح حزب الله ببطء، وبعد اكتمال عملية بناء الدولة، في أن الوقت يصبّ في مصلحة حزب الله. ويأمل حزب الله أن يتلاشى، مع مرور الوقت، عزم إسرائيل والحكومة اللبنانية والولايات المتحدة على التحرك ضده. لذلك، من وجهة نظره، تتمثل استراتيجيته دائما في إطالة أمد العملية قدر الإمكان لتمكين إعادة تأهيله العسكري.

قرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، والذي اتُخذ بضغط أمريكي، دفع حزب الله إلى التهديد بعدم التخلي عن سلاحه حتى لو أدى ذلك إلى حرب أهلية. يتمثل موقف حزب الله في ضرورة انسحاب إسرائيل من لبنان ووقف هجماتها أولًا، وبعد ذلك سيكون الحزب مستعدا لمناقشة مسألة السلاح (من المهم التأكيد على أن حزب الله لا يلتزم بنزع سلاحه مقابل انسحاب إسرائيل، بل لمناقشة الأمر فقط). ويتزامن ذلك مع تصريحات حزب الله بأن السلاح هوية حزب الله وشرفه، وأن الموت خير من تسليم السلاح، وأن حزب الله هو حامي لبنان من إسرائيل، وأنه لن يتخلى أبدا عن المقاومة.

مؤخرا، دخلت حجة جديدة إلى “ترسانة” الحزب من الروايات، مفادها أن حزب الله، منذ سقوط نظام الأسد، يدافع أيضا عن لبنان من هجمات الجهاديين السنة القادمين من سوريا. يستند هذا السرد إلى إرث المعارك التي خاضها حزب الله مع الجيش اللبناني ضد داعش في منطقة عرسال على الحدود اللبنانية السورية عام ٢٠١٧. فإلى جانب إعادة بناء بنيته التحتية وقدراته العسكرية، يُعيد حزب الله بناء ترسانته من السرديات التي تُبرر احتفاظه بأسلحته ومواصلة تسليحه.

وتكمن مخاطرة تنفيذ خطة السحب البطيء للسلاح، في أن حزب الله ليست لديه مصلحة في بناء الدولة أو تقوية الحكومة اللبنانية. فقوته تنبع من انقسامات لبنان وضعفه، مما يُمكّنه من الحفاظ على دولة داخل الدولة، والحفاظ على ولاء قاعدته الشيعية، وعزلها عن الدولة.

لعقود، استخدم حزب الله نفوذه السياسي لحماية مصالحه ومصالح إيران على حساب مصلحة لبنان، ولذلك فإن الحزب قد يستغل الوقت والتغيرات السياسية التي قد تحدث في إسرائيل والولايات المتحدة، أو قد يعمل بشكل غير مباشر من خلال حلفائه على عرقلة خطة بناء الدولة اللبنانية التي يتم الحديث عنها.

لكن الرياح  لا تهب في صالح حزب الله على جميع الأصعدة، حيث فقد الحزب مؤخرا الكثير من القدرات السياسية؛ ضعفت إيران والمحور الشيعي، وأدى سقوط نظام الأسد إلى فقدان الممر من سوريا؛ بالإضافة إلى الدعم الأمريكي والدولي للحكومة اللبنانية، هذه التطورات دفعت ببعض حلفاء حزب الله إلى اتخاذ خطوات مؤيدة لعملية حصر السلاح في يد الدولة، وعلى الرغم من أن حركة أمل الحليف الشيعي الأبرز للحزب، لم توافق رسميا على عملية سحب السلاح، كان لافتا تصريح وزير المال ياسين جابر، المحسوب على الحركة، عندما اعتبر أن الأولوية لبناء الدولة وحصر السلاح، فيما صرح التيار الوطني الحليف المسيحي لحزب الله، أن التيار يدعو بشكل مستمر إلى حصر السلاح بيد الدولة وتطبيق القرارات الدولية، ويرفض منطق السلاح خارج إطار الدولة.

من الواضح أن نزع سلاح حزب الله عملية معقدة، وفرص نجاحها أقل من فرص فشلها. لن يتخلى حزب الله عن سلاحه طواعيةً، ومن المرجح أن يضطر الجيش اللبناني إلى مواجهة حزب الله إذا حاول تفكيكه بجدية. إن تأجيل هذه الخطوة سيسمح لحزب الله بالتعافي وتعزيز قوته، مما سيجعل المواجهة معه في المستقبل أكثر خطورة.

حتى الآن، كان نطاق نشاط الجيش اللبناني في نزع السلاح محدودا للغاية. ووفقا لتقرير صحيفة الغارديان، فإن سبب نقص الأدلة ينبع من رغبة الحكومة اللبنانية في عدم استفزاز حزب الله كثيرا من خلال نشر معلومات عن مخابئ الأسلحة المصادرة. إن احتمال نجاح الجيش اللبناني في تفكيك سلاح حزب الله بشكل مستقل، هو احتمال ضئيل للغاية.

أما النقطة الأهم التي تصب في صالح حزب الله رغم كل شيء، فهي حقيقة أن الجيش اللبناني غير قادر في وضعه الحالي على صد أي هجوم إسرائيلي على لبنان ومن المستبعد أن يرد على أي هجوم تقوم فيه إسرائيل بعد نزع سلاح حزب الله، هذه الحقيقة تدفع اللبنانيون إلى الحذر، والمطالبة بضمانات أميركية فرنسية والتزامات إسرائيلية واضحة بعدم وقوع أي اعتداءات مستقبلا، خاصة أن التاريخ مليء بالانتهاكات الإسرائيلية، وحتى الآن لم تقدم أية دولة ضمانات بعدم الاعتداء على لبنان بعد سحب سلاح الحزب.

خيارات حزب الله مع التعامل مع الحكومة

يمكن للحزب بعد رفض القرار، أن يصعّد عبر استقالة الوزراء الأربعة المحسوبين عليه وعلى حليفته “حركة أمل”، وتعطيل عمل البرلمان حيث له كتلة وازنة مع حلفائه. كما قد يسعى إلى إثارة الفوضى عبر تحريك مناصريه في الشارع والظهور المسلح من أجل إشاعة جو من الترهيب. كذلك قد يسعى إلى الاصطدام مع الجيش. لكن أي صدام في الداخل ستكون له تداعيات كبرى على السلم الأهلي ودور حزب الله، وسيقلب الأغلبية اللبنانية ضده لاسيما إذا تواجه مع الجيش.

وفي ظل هذا التباعد في المواقف، تبدو احتمالات التصعيد كبيرة لأن الأميركيين يريدون وضع لبنان بين خيارين كلاهما سيئ، فإما أن يستسلم لشروط إسرائيل والولايات المتحدة، وإما أن يُترك وحيدا لمواجهة مصيره ووقف كل المساعدات التي يعول عليها في إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد.

وحتى لو قدمت الولايات المتحدة ضمانات مستقبلية، فإن حزب الله وحركة أمل لا يمكنهما القبول بتسليم السلاح وفق الشروط الأميركية الإسرائيلية وهو ما يعني إمكانية العودة للتصعيد الذي قد يصل في مرحلة ما إلى مواجهة شاملة. 

في المقابل، يرى الباحث في الدراسات الإستراتيجية والأمن الدولي كينيث كاتزمان، أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تريدان محو حزب الله تماما كما هي الحال بالنسبة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وإنما تريدان نزع سلاحه والسماح له بالانخراط في السياسة. وتقوم وجهة النظر الأميركية في هذه المسألة، على إمكانية ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وصولا إلى تطبيع محتمل للعلاقات مستقبلا، ومن ثم فإن إدارة دونالد ترامب لا تصر على نزع سلاح الحزب اليوم أو غدا ولكنها تريده في النهاية لأنها تعتبره أداة إيرانية في المنطقة.

لكن التطبيع مع إسرائيل يعتبر مرفوضا بالنسبة لأغلبية الشعب اللبناني بحسب ما يرى محللون، وأن أقصى ما يمكن الوصول إليه هو العودة لهدنة 1949، بسبب عدم القدرة على تحقيق الإجماع حول هذه المسألة كما حول مسألة نزع سلاح الحزب، حيث يمكن تقسيم الكتل اللبنانية إلى ثلاث فرق، تتبنى مواقف مختلفة من حزب الله، حيث يريد فريق نزع سلاحه دون شروط، ويرفض فريق آخر الفكرة تماما، فيما يدعم فريق ثالث هذا المطلب لكنه يتفهم مخاوف الحزب.

يمكن لحزب الله أن يصعد مجددا ضد إسرائيل. لكن خوضه أي حرب سيكون مدمرا لأنه لا يملك خطوط إمداد، بعد أن خسر الكثير مع انهيار النظام السوري وتأثرت قدراته الاستخباراتية واللوجستية، أما السيناريو الأكثر تفاؤلا فقد يكمن في موافقة حزب الله على نزع سلاحه في النهاية والانصراف إلى العمل السياسي على غرار ما فعلت الميليشيات التي شاركت في الحرب الأهلية، فيما قالت مصادر بأن الحزب لن يفعل ذلك من دون مقابل، خاصة أن القرار النهائي بما يخص الحزب بيد إيران،  لكن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن يحاول حزب الله كسب الوقت.

لكن إسرائيل تراقب الوضع جيدا وتدرك أن هذه هي الفرصة المناسبة لإنهاء سلاح حزب الله، ولذلك قد تتحرك تل أبيب مجددا عسكريا. إذ سبق لها أن أوصلت رسائل واضحة للبنان عبر الإعلام والقنوات الدبلوماسية، بأنها لن تتردد في شن عمليات عسكرية مدمرة إذا لم ينفّذ بند نزع سلاح حزب الله الذي ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين.

تم حشر  حزب الله في الزاوية، ولذلك يسعى إلى ممارسة ضغوط مضادة على قادة الدولة اللبنانية من خلال سلسلة من استعراضات القوة، أبرزها التظاهرات والاحتجاجات وأحيانا أعمال الشغب. إن الدعم الكبير الذي لا يزال يتمتع به التنظيم بين قاعدته الاجتماعية، الطائفة الشيعية في لبنان، يسمح له بالتعبير عن موقف حازم ضد القرار التاريخي للحكومة اللبنانية.

ويبقى الدعم أو الموقف الإيراني هو النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للحزب، لكن حتى في إيران لم تعد الأمور كما السابق، فعلى عكس الدعم القوي الذي يُبديه المحافظون في إيران لموقف حزب الله، دعت بعض الأوساط الإصلاحية مؤخرا، النظام إلى تغيير سياسته. ووفقًا لهذه الأوساط، ينبغي على طهران عدم التدخل في الشأن اللبناني الداخلي؛ وفي نهجها، ينبغي على حزب الله احترام قرار الحكومة اللبنانية، صاحبة السيادة في البلاد، وحذر بعض السياسيين من أن تدخل طهران في لبنان قد يضر بالنظام، وأنه قد يكون ذريعة للولايات المتحدة وإسرائيل للتحرك مجددا ضد إيران.

الاستنتاجات:

ـ نزع سلاح حزب الله صعب التنفيذ نظرا لترسانته الحديثة والدعم الإيراني، إضافة إلى تجذّره في المجتمع اللبناني، خصوصا في الجنوب والبقاع، كما أن الجيش اللبناني قد يواجه خطر الانقسام الطائفي إذا طُلب منه مواجهة الحزب.

ـ بدأت الحكومة اللبنانية بنزع بعض الأسلحة من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، لكن العملية وُصفت بأنها شكلية، كون الفصائل الفلسطينية الكبرى مثل حماس والجهاد الإسلامي ترفض التخلي عن سلاحها، ما يعكس ضعف الدولة في فرض سيادتها.

ـ واشنطن تطرح خطة شاملة لنزع سلاح الحزب، تتضمن استثمارات خليجية في الجنوب لخلق فرص عمل لمقاتليه بعد التخلي عن السلاح، وترافقها مقترحات لانسحاب إسرائيلي جزئي من الجنوب، لكنها قد تُفسَّر كتحالف لبناني–إسرائيلي ضد حزب الله.

ـ الضغط السريع لنزع السلاح قد يدفع البلاد نحو صراع داخلي أو حرب أهلية، بينما يسعى حزب الله إلى المماطلة لكسب الوقت مستفيدا من ضعف الدولة، وخياراته تشمل الانسحاب من الحكومة، تحريك الشارع، أو التصعيد مع إسرائيل، فيما يبقى القرار النهائي بيد إيران.

المصادر:

  • موقع (kurdistan24) في 27 أغسطس 2025
  • موقع (israel-alma) في 27 أغسطس 2025
  • صحيفة (Spiegel) في 8 أغسطس 2025
  • موقع (themedialine) في 27 أغسطس 2025
  • موقع (العربية) في 6 أغسطس 2025
زر الذهاب إلى الأعلى