إقالة “حسون”.. هل دخل الصراع الروسي – الإيراني إلى مؤسسات النظام الدينية؟

يسيطر خبر إقالة مفتي النظام السوري، “أحمد بدر الدين حسون” على المشهد السوري بشكلٍ عام، لا سيما وإن قرار الإقالة أرفق بقرارٍ آخر نص على إلغاء منصب المفتي ونقل مهام دار الإفتاء إلى ما يعرف بـ “المجلس الفقهي” التابع لوزارة وزارة الأوقاف في حكومة النظام.

يشار إلى أن “حسون” عُرف بولائه الشديد لرأس النظام السوري، منذ تعيينه خلفاً للمفتي السابق “أحمد كفتارو”، وهو الولاء الذي ظهر بشكل كبير إبان الثورة السورية، لا سيما مع تهديده بإرسال انتحاريين لتنفيذ عمليات تفجير في دول أوروبية قال إنها تدعم الثورة على النظام.

ميول إيرانية وانزعاج روسي

خبر إقالة “حسون” من منصبه لا يمكن أن يعتبر حدثاً عابراً، وفق ما يقوله المحلل السياسي “حسام يوسف”، خاصة مع النظر إلى خلفية الرجل وولاءاته الإيرانية، التي لم يخفها حتى قبل اندلاع الثورة على حد قوله، لافتاً إلى أن ربط الإقالة بتحريف “حسون” لآيات قرآنية هو محاولة ساذجة من النظام للتغطية على السبب الحقيقي في إقصاء من يمكن وصفه بـ “رجل الملالي” في المنظومة الدينية داخل سوريا.

ويضيف “يوسف”: “سبق لحسون خلال السنوات الماضية أن خرج بالكثير من التصريحات التي تتنافى مع الدين الإسلامي وكافة الأديان السماوية، وتحديداً عند دفاعه عن سجود عدد من الموالين لصور بشار الأسد، ومن ثم لا يمكن لأي عاقل التصديق بأن نظام رفع في السابق شعار لا إله إلا بشار، أن يثور لأجل تحريف آيات قرآنية”، مشدداً على أن النظام عمل على الترويج لفكرة أن إقصاء “حسون” هو نتيجة خلافات دينية مع وزارة الأوقاف بهدف التغطية على البعد السياسي للقضية.

كما ينقل “يوسف” عن مصادر وصفها بالمطلعة في دمشق، تأكيدها بوجود انزعاج روسي من الميول الإيرانية “لحسون” والتي تمنح إيران مركز ثقل كبير في المؤسسة الدينية وتساعدها على مد نفوذها بشكل كبير داخل المجتمع السوري من الناحية العقائدية وبتغطية من مؤسسة الإفتاء، مشيراً إلى أن روسيا بدأت تستشعر ضرورة الحد من الوجود الإيراني داخل مؤسسات النظام عموماً وفي مقدمتها المؤسسة الدينية.

يشار إلى أن “حسون” اتهم من قبل جهات حقوقية سورية برعاية النشاط الديني الإيراني في البلاد وتسهيل عمليات افتتاح المدارس الشرعية التابعة لإيران في العديد من المدن السورية وفي مقدمتها درعا ودمشق ودير الزور والرقة، خاصة مع العلاقات المميزة التي تربطه مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى.

في ذات السياق، يرى “يوسف” أن التبرير المنطقي الوحيد للطريقة التي أقصي فيها “حسون” هو وجود أوامر روسية باتخاذ تلك الخطوة، مشيراً إلى أن “حسون” وفي كل مواقفه لم يكن يذكر الدور الروسي في سوريا ودعم موسكو للنظام السوري بقدر شكره وتقديره وثناءه على الدور الإيراني، وهو ما وضعه ضمن خانة أزلام إيران في سوريا.

خلية إيرانية بعمائم سورية

تعليقاً على قرار “بشار الأسد” يصف الباحث في الشؤون السورية، “عرفان العش” مؤسسة الإفتاء السورية بأنها كانت بمثابة خلية إيرانية تدار بعمائم سورية، لافتاً إلى أن التوغل الإيراني في تلك المؤسسة بدأ بشكل فعلي منذ تولي “حسون” منصب المفتي عام 2005، وهو ذات العام الذي شهدت فيه سورية انتشار كبير للحوزات والبعثات التبشيرية الإيرانية.

كما يلفت “العش” إلى أن قرار “الأسد” لم يكن مجرد إقالة لمسؤول ارتكب خطأ ما وإنما كان تفكيك لمؤسسة كاملة ونقل صلاحياتها إلى مؤسسة أخرى، موضحاً أن “النفوذ الإيراني داخل مؤسسة الإفتاء لم يكن يرتبط فقط بحسون وإنما بكامل الحاشية التي كانت تحيط به في أورقة المؤسسة وهذا ما يمكن أن يشير إلى أن القرار كان هدفه تفكيك هذه المنظومة كلياً وليس إقالة رأسها فقط”.

إلى جانب ذلك، يشير “العش” إلى أن العارف بالنظام السوري وتركيبته يعلم تماماً ان رأس النظام كما حال باقي الديكتاتوريات لا يخضع لضغوطات وزارة لديه أو جهات دينية تؤتمر بأمره، وهو ما يؤكد وفقاُ “للعش” على أن القرار اتخذ لأسباب غير المعلنة وأنه جاء من خارج أسوار قصر المهاجرين وفي الغالب يكون قد اتخذ في موسكو أو في حميميم، لا سيما وأن “حسون” يفوق الأجهزة الأمنية والعسكرية ولاءً للنظام ولاستمراره.

ضرورات المرحلة تمر من إقالة حسون

“بدء الحديث عن إمكانية إعادة تعويم النظام وبدء دخوله إلى المحافل الإقليمية بشكل تدريجي، يمنح روسيا تصوراً بأن إعادة “الأسد” إلى ما قبل العام 2011 باتت ممكنة فيما لو أنها قدمت خطوات فعلية للحد من النفوذ الإيراني”، يقول الخبير في الشأن الروسي “إنطوان نعمة”، لافتاً إلى أن القناعة الروسية حالياً تدور حول أن الوجود الإيراني هو العائق الوحيد أمام استعادة النظام لعلاقته الدبلوماسية مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي ككل، خاصة مع هدوء جبهات القتال وتراجع قوة المعارضة وانحسار رقعة سيطرتها.

ويشير “نعمة” إلى أن روسيا تنظر إلى أن المرحلة الحالية تتطلب كف يد إيران عن المؤسسات الدينية بعد الحد من دورها العسكري وتحجيمه، لا سيما وأن نشاط إيران العقائدي في سوريا يمثل مبعث قلق ليس لدول الجوار والولايات المتحدة فقط وإنما للروس أيضاً، معتبراً أن موسكو بدأت بتلك الخطوة بإقالة “حسون” وحل مؤسسة الإفتاء بكاملها.

إلى جانب ذلك، يعتبر “نعمة” أن الصراع الروسي – الإيراني في سوريا انتقل إلى الساحة الدينية بعد أن كان منحصراً بالساحة العسكرية، مذكراً بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، “نفتالي بينييت” قبل أسابيع، والتي تحدث خلالها عن تطابق في وجهات النظر بين موسكو وتل أبيب حيال الوجود الإيراني في سوريا.

كما يؤكد “نعمة” على ضرورة فهم القناعة والاستراتيجية الروسية في أماكن نفوذها، والتي تقوم على رفض أي شراكة كانت مع أي طرف كان وبأي شكل، مشدداً على أن قضية الصراع الروسي – الإيراني على النفوذ سيمتد إلى مستويات أكبر من المفتي، والتي يعتبرها جزءاً من أجزاء ذلك الصراع.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.