إنتخابات الجزائر.. أزمة ثقة قد تبدد الآمال بالتغيير

تقترب عقارب الساعة من موعد انطلاق الانتخابات التشريعية في الجزائر، إذ تسير السلطات بخطوات ثابتة لتنظيمها يوم 12 حزيران/ يونيو 2021، الموعد الذي حدده الرئيس “عبد المجيد تبون”، لقطع الطريق أمام تحديات كبيرة تواجه الحكومة، في وقت تشهد فيه البلاد انقساما كبيرا على جميع المستويات الشعبية والحزبية، حول قدرة هذا الموعد الأول من نوعه، الذي يأتي بعد حراك أطاح بالرئيس السابق “عبد العزيز بوتفليقة”.

وفيما تستمر الأصوات المعارضة في مرافعتها ضد الانتخابات بكل الطرق، و أبرزها بالضغط عبر “الحراك”، لضرورة تأجيل الموعد إلى ما بعد إجراء حوار وطني شامل، يرى مؤيدو العملية الانتخابية أن السلطة محقة في الإسراع في خطواتها نحو التغيير عبر الصندوق، باعتباره الخيار الوحيد والأمثل للأزمة، فيما يحذر آخرون من صعود قوى منظمة على حساب الحراك الذي قد يقلب موازين القوى.

تحديات ساخنة

تواجه الانتخابات النيابية المقبلة، مجموعة من التحديات، في مقدمتها خطر الإسلاميين، وتزايد المرشحين المستقلين والقوائم المستقلة، بالإضافة إقناع الجزائريين بالإقبال على المشاركة لتجاوز معدلات المشاركة المنخفضة، حسبما يرى المحلل السياسي “عبدالهادي البلعاوي”، مشيرا إلى أن الانتخابات النيابية ستعمق الأزمة السياسية في البلاد، إن لم تستطع السلطات مواجهة تلك التحديات.

ويلفت “البلعاوي”، إلى أن المشهد السياسي والحزبي، يميزه تراجع مكانة الأحزاب التقليدية، وبروز القوائم المستقلة كقوة سياسية صاعدة، تنافس الأحزاب، وسط غياب الحراك الشعبي، معتبرا أن القوائم المستقلة، لن تحقق تطلعات الجزائريين، لأن معظم المنتمين لها، من فئة الشباب أو من الأكاديميين وبعض النخب المهنية التي تفتقد الخبرة السياسية، ما يعني بحسب “البلعاوي” أن المرشحين سيفشلون في إقناع المواطنين على المشاركة بالانتخابات.

وبحسب “البلعاوي”، فإن الحراك الشعبي، فشل في تنظيم نفسه، ولم يحصل على دعم أو تمثيل حزبي أو بروز أي طرف كمتحدث باسمه، خاصة أنه شهد مؤخراً تصعيداً في الخطاب الراديكالي الذي يقوده بعض المنتمين للتيارات الإسلامية، مثل بقايا الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة، وحركة “رشاد” المحسوبة على جماعة الإخوان، ما يعني أن الانتخابات ستشهد صعود قوى منظمة، مثل الأحزاب الإسلامية، كحركة مجتمع السلم، وحركة البناء، ذات التوجه القريب من فكر الإخوان، على حساب الحراك.

وكانت أرقام السلطة الوطنية للانتخابات، قد كشفت عن ارتفاع عدد القوائم المستقلة بنسبة 56 بالمائة من مجموع القوائم المرشحة، حيث يراهن أصحابها على استقلاليتهم عن الانتماء الحزبي للفوز بأغلبية مقاعد البرلمان.

انتخابات فاشلة وبرلمان صوري

يعتبر الباحث في العلوم السياسية، “عمار حرفوش” أن سيناريو العزوف والامتناع عن التصويت في ظل هذه الظروف سيكون تعبيرا عن وعي سياسي، لأن الانتخابات النيابية ستكون فاشلة، وستخلق برلمانا صوريا ليس أكثر، كما أنها ستعمق الأزمة السياسية في البلاد.

كما يرى “حرفوش” أن هناك نوع من الرتابة والاستمرارية والتعامل بالأساليب القديمة، وحتى إعادة تكريس بعض الوجوه القديمة التي لا يمكنها أن تحقق التغيير المنشود بأي حال من الأحوال، مؤكدا أن تغيير نظام التصويت لن يمكن أن يؤدي إلى تغيير حقيقي في الخارطة السياسية، حيث أن الأحزاب التقليدية والوجوه القديمة التي مل وكرهها الشعب لا تزال هي نفسها وهو ما سيؤدي إلى برلمان شبيه بسابقيه.

وكانت مرحلة تحضير الترشيحات، قد شهدت إقبالا واسعا من قبل الأحزاب السياسية أو القوائم المستقلة، حيث اعتبر الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون”، في حوار له مع ممثلي وسائل إعلام محلية “أن حجم الإقبال أكثر بكثير مما كان متوقعا”.

وبحسب السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، فإنه تم قبول ترشح 1483 قائمة منها 646 قائمة حزبية و837 قائمة حرة يتنافسون على 407 مقاعد في المجلس الشعبي الوطني.

ويفسر “حرفوش”، كثرة القوائم المستقلة، بأنها “نتيجة طبيعية لتراجع تأثير الأحزاب في المشهد العام”، مشيرا إلى أن كثيرا من الأحزاب التقليدية، تحاول إجراء عمليات تجميلية على نفسها أملا في الظهور بوجه جديد، بعدما فقدت مصداقيتها أمام الشعب، خاصة لدى الحراك الشعبي الذي طالب باختفائها، ومؤكدا أن وجوه بارزة في أحزاب مثل “جبهة التحرير الوطني” الحاكم في عهد “بوتفليقة”، و”التجمع الوطني الديمقراطي”، أحد أكبر الأحزاب سابقا، استقالت من أحزابها و التحقت بقوائم حرة، لأنها تعلم أن البقاء داخل الأحزاب رهان غير مضمون.

انتخابات استثنائية

تؤكد الحكومة ومؤيدوها، أن هذه الانتخابات وسيلة لتحقيق الاستقرار في البلاد وعودة الحياة لطبيعتها، ومساعدة الاقتصاد على التعافي، في مطلع الشهر الجاري، مشددة على عزمها إجرائها في الوقت المحدد.

الرئيس الجزائري، “عبدالمجيد تبون”، قال مطلع الشهر الجاري، إن حكومته جادة في المضيّ قدما نحو إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها، معتبرا أن “الانتخابات رهان حيوي سيخوضه الشعب الجزائري بإرادته الحرة من أجل بناء مؤسسات قوية وذات مصداقية”.

بدوره، يرى المحامي والناشط الحقوقي، “خلدون عبداللطيف”، أن هذه الانتخابات تعتبر استثنائية كونها الأولى بعد رحيل “عبد العزيز بوتفليقة” عن الحكم، متوقعا أنها ستشهد إقبالا كبيرا مقارنة بالاستحقاقات السابقة، حيث يتوقع أن تصل نسبة المشاركة إلى 40 %.

ويرجع “عبداللطيف” ذلك أن الانتخابات النيابية تعتبر قضايا شخصية تشارك فيها العائلات والعشائر على عكس الاستفتاء الدستوري، بالإضافة إلى إقبال الشباب على الترشح في الانتخابات، بعد أن أتاح قانون الانتخابات الجديد المشاركة للشباب دون 40 عاما، ومنحهم دعما ماليا يصل إلى 40 ألف دولار.

بالإضافة إلى ذلك، يشير “عبداللطيف”، إلى أن حل المجلس التشريعي وتنظيم انتخابات جديدة، كان مطلبا أساسيا للحراك منذ بدايته بسبب الفساد الذي شاب تشكيل المجلس القديم، و أن تكوين المجلس وتشكيل السلطة التشريعية سيساعدان على استقرار البلاد، وسيخرجانها من حالتها الاجتماعية والاقتصادية، معتبرا أن مقاطعة الانتخابات لا تخدم مصلحة الجزائر.

رفض وتطمينات

يذكر أن الحراك الشعبي أعلن رفضه هذه الانتخابات منذ إعلان الرئيس عبد “المجيد تبون” عن دعوة الناخبين إلى انتخابات نيابية مسبقة، في 11 من آذار\ مارس الماضي، إذ رفعت لافتات رفض الانتخابات في مسيرات الجمعة والثلاثاء للحراك الشعبي.

وغالبًا ما يردد المشاركون في المسيرات الشعبية شعارات رافضة للانتخابات، ورغم انقسام الحراك بخصوص كيفية التعامل مع النظام فإن أغلب المشاركين فيه يرفضون الانتخابات المقبلة، منهم من يرفضها كليًا ومنهم من يرفض إنجازها قبل التفاوض مع النظام.

في مقابل ذلك، تعهد “تبون”، بضمان نزاهة الانتخابات، من خلال إسناد الإشراف عليها لهيئة مستقلة وإبعاد الإدارة “وزارة الداخلية” عن العملية الانتخابية، لكن المشاركين في الحراك يشككون في نوايا النظام.

لكن الأرقام تكشف أن الكفة تميل إلى المؤيدين لإجراء الانتخابات أكثر من المعارضين، فحسب معطيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات فقد تقدمت للترشح 4900 قائمة من بينها 1237 تابعة لأحزاب سياسية، و1253 قائمة حرة.

كما بلغ مجمل الملفات التي تم إيداعها لدى السلطة 25416 ملفا، من بينها 12854 ملفا تابعا لأحزاب و12562 ملفا للأحرار، وبعد الفرز تم قبول ملف 1483 قائمة منها 646 قائمة حزبية و837 قائمة حرة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.