“إنتشار السلاح” في الأردن.. هيبة القانون أمام ثقافة العشائر

تعود ظاهرة انتشار السلاح في الأردن الى الواجهة، وسط ازدياد الأصوات الداعية إلى ضرورة تقنين حيازته خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد عقب إعلان نتائج الانتخابات النيابية، والتي أدَّت إلى استقالة وزير الداخلية اللواء الركن “توفيق الحلالمة”، وفي الوقت الذي تواصل فيه القوى الأمنية حملتها الرسمية على حاملي الأسلحة في محافظات الأردن، يتزايد قلق العشائر التي ترى أنها المعنيّة بها مباشرة، وما يزيد من مخاوفها أن الحملة تأتي بضوء أخضر من العاهل الأردني الملك “عبدالله الثاني”، الذي أشار بوضوح الى ضرورة حسم هذا الملف، بعد أن شهد خلال السنوات الأخيرة خلافات وتجاذبات.

وكانت مناطق عدة في الأردن قد شهدت استعراضات بأسلحة أوتوماتيكية وإطلاق نار كثيف، مع إعلان نتائج الانتخابات النيابية، الأمر الذي شكل إحراجا كبيرا للسلطة، خاصة أن الأحداث جرت فيما تعيش البلاد حالة طوارئ، على إثر ذلك أطلق الأمن الأردني منتصف الشهر الحالي، حملة أمنية لضبط السلاح، وقال الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام في الأردن، إن السلطات ضبطت 69 قطعة سلاح ظهرت في مقاطع فيديو في احتفالات ابتهاجا بالفوز في الانتخابات النيابية، كما اعتقلت حائزيها.

أرقام صادمة

على الرغم من أن ظاهرة السلاح المنفلت في الأردن شكلت أكبر الهواجس الأمنية خلال السنوات الماضية، إلا أن الفيديوهات التي انتشرت فترة الانتخابات البرلمانية الأخيرة كانت صادمة وأثارت تساؤلات حول الكميات الحقيقية للأسلحة التي بحوزة الأردنيين وأسباب فشل الأردن بأجهزته الأمنية والاستخباراتية المعروفة بحرفيتها على المستوى الإقليم، في وقف ظاهرة الانتشار الكثيف للسلاح غير المرخص.

دراسة ميدانية أجرتها الجمعية الأردنية للعلوم السياسية أجرتها العام 2019، أفادت بأن نحو 24 بالمئة من الأردنيين يملكون أسلحة نارية وأتوماتيكية، كما تكشف أن الأردن يضم نحو 108 محالات لتجارة الأسلحة.

وزير الداخلية السابق “سلامة حماد”، كان قال خلال مناقشات اللجنة القانونية بالبرلمان المنتهية ولايته لقانون حيازة السلاح “إن كميات الأسلحة الموجودة مع الأردنيين تزيد على 10 ملايين قطعة، يتوجب علينا ضبطها”.

يشار الى أن الأردن يحتل المرتبة الرابعة عربياً بعد اليمن ولبنان والعراق، والثانية والثلاثين عالمياً، من حيث انتشار الأسلحة بين المواطنين، بحسب دراسة أصدرتها منظمة “Small Arms Survey”، وهي منظمة بحثية غير حكومية مختصة بشؤون التسليح، ومقرها جنيف.

استنفار ورفض عشائري

تثير الحملات الأمنية على حاملي الأسلحة في الأردن قلق العشائر الأردنية التي تعتبر أن حمْل السلاح جزءا من هويتها وموروثها القبلي، ودليل قوة ووجاهة، كما يشكل السلاح بالنسبة لها مصدر قوة تضغط من خلاله على السلطة المركزية، وبالتالي فإن تجريدها منه يعني إضعافها، لذلك تعالت أصوات تشدد على أهمية إبقاء السلاح بيد العشائر، مشيرة إلى أنه صمام الأمان للمملكة، واعتبرت أن الخطر الحقيقي يكمن في انتشار مظاهر التسلح في المناطق الحضرية والمدن التي تحتضن غالبية أردنية من أصول فلسطينية، ما يمكن أن يشكله ذلك من تهديد مستقبلي للدولة.

وزير الداخلية الأسبق “سمير الحباشنة”، يعتبر أن سلاح العشائر لم يُحمل ضد الدولة في أي وقت من الأوقات، لافتا إلى أن المشكلة في المدن ومطالبا بترخيص كل الأسلحة في المملكة، ويؤكد الحباشنة أن العشائر هي “رديف القوات المسلحة”.

كلام “الحباشنة” يؤكده الكاتب والمحلل الأمني الدكتور “بشير الدعجة”، الذي يرى أن سلاح الأردنيين لم يتم رفعه بوجه الدولة منذ إعلان إمارة شرق الأردن عام 1921م على الإطلاق، ويشير الى أنه كان سنداً ونصيراً في كثير من الأحيان التي واجهت فيها الدولة ظروف وعراقيل صعبة.

ويبرر “الدعجة” حمل السلاح لدى الأردنيين بالحروب المتتالية التي خاضها الأردن مع إسرائيل، بدءاً من عام 1948 ومروراً بحرب 1967 وحرب 1968، وليس انتهاءً بحرب 1973، معتبرا الأمر الذي كان له وقعه على المجتمع الأردني، وأدى إلى حمل السلاح من المواطنين لحماية أنفسهم نتيجة تلك الحروب.

يشار الى أن الحكومة الأردنية كانت أرسلت إلى مجلس النواب السابق مشروع قانون معدلاً لقانون الأسلحة والذخائر، لكن القانون لم يرَ النور بسبب تباين الآراء المجتمعية والنيابية حوله.

أبرز الآراء الرافضة لمشروع القانون جاءت من رئيس الديوان الملكي الأسبق “رياض أبو كركي” الذي قال في منشور على صفحته في “فيس بوك” إن “امتلاك العشائر الأردنية الأسلحة يعني الدفاع عن الأردن وهم رديف للجيش العربي، ولنتذكر الحرس الوطني والجيش الشعبي”، كما استعرض أحداثاً ساهمت فيها أسلحة العشائر في الحفاظ على البلاد.

عدم الجدية بمعالجة الظاهرة

يقدر المحامي “عمار القضاة” عدد الأسلحة الموجودة في الأردن بـ مليون ونصف قطعة سلاح، بينما المرخص منها 130 الف قطعة سلاح، كما يرى أن الحكومة الأردنية ليست جادة في معالجة ظاهرة انتشار الأسلحة، معتبرا أن “ما حققته الحملة الأخيرة لا يستحق الذكر لأننا جميعنا نعلم أن منزل واحد في مدينة سحاب يحتوي على كمية من الأسلحة تفوق الكمية التي أعلن الأمن العام ضبطها”.

“القضاة” أضاف لمرصد مينا، ” هذه ليست الحملة الأولى التي يطلقها الأمن الأردني لضبط الاسلحة والمهربين ولو أرادوا اعتقالهم لاعتقلوهم منذ سنوات، وأغلقوا متاجرهم المعروفة للجميع، كلنا نعلم أنه ليس بعيداً عن العاصمة الأردنية عمان وفي مدينة سحاب تحديدا يوجد أهم أسواق السلاح غير المشروع، بإمكان أي مواطن في الأردن يملك بعض المال الحصول على مسدس أو كلاشنيكوف خلال يوم واحد عن طريق تجاراً في السوق السوداء للأسلحة المهربة من سوريا ولبنان والسعودية والعراق”.

و يكشف المحامي عن أسعار الأسلحة وأنواعها، موضحا أن أبرز الأسلحة الموجودة بيد الأردنيين هي “البومب أكشن” وهي بندقية صيد لا تحتاج ترخيصاً وتُباع في محلات أسلحة الصيد وفي السوق السوداء.

وبحسب “عمار” تتراوح أسعار الأسلحة الأوتوماتيكية (مسدس جلوك) 350 دينار، وبندقية “أم 16” نحو 3000 دينار، ورشاش “كوماندوس” 4000 دينار، أما الكلاشنيكوف فتباع بألف دينار أردني .

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©