إيران تدفع باتجاه إفراغ الجنوب السوري من شبابه

في سياق محاولاتها لإفراغ المنطقة الجنوبية من سوريا، من العنصر الشاب، وما يشكله من تهديدات محتملة على النظام الذي ينوي التخلص من عبء احتمال عودة الأنشطة الثورية ضده، خاصة في محافظتي درعا والقنيطرة، تراجعت وزارة دفاع النظام السوري وشعبة التنجيد العامة عن قرارها بمنع منح شبان المحافظتين أذونات سفر.

وبعد أقل من شهر على إصدار قرار منع الحصول عليها، أصدرت شعبة التجنيد العامة قرارا جديدا ألغت بموجبه القرار الذي أصدرته في 23 أيار/ مايو الماضي، بمنع منح موافقات سفر للمؤجلين عن الخدمة العسكرية، إذ ينص القرار الجديد على منح أذن سفر للمؤجلين مدة عام عن الخدمة الإلزامية في محافظتي درعا والقنيطرة فقط، كما عممت القرار عبر مكبرات المساجد في جميع مدن وبلدات محافظة درعا.

ويرى مراقبون أن النظام، يتجه وبدعم وتخطيط إيراني، لإفراغ المحافظتين من الشبان لتقوية نفوذه ونفوذ ميليشيات إيران الموالية له في الجنوب، خاصة مع عودة روسيا لتجنيد شبان المنطقة كـ “مرتزقة” ضمن عقود طويلة الأمد وإرسالهم للعمل خارج سوريا، في حين يدور الحديث عن بروز مجموعات جديدة مرتبطة بنظام الأسد تساعد الشبان على تأمين فيز للوصول إلى ليبيا بغية تهريبهم إلى أوروبا، وهذا ما يرى فيه المراقبون عملية تهجير منظمة ومنسقة.

رغبة إيرانية

الناشط “خالد المبارك”، أكد لمرصد “مينا” ان العشرات من أبناء محافظة درعا يغادرون سوريا بشكل شبه يومي سوريا، عن طرق التهريب تارة، والمعابر الحدودية تارة أخرى، معظمهم في سن الخدمة العسكرية في جيش النظام، بغية الهروب من التجنيد الاجباري، وجلهم من المستفيدين من القرار الصادر مؤخرا بالسماح بمنح أذونات سفر للمؤجلين عن خدمة العلم، مشيرا إلى الازدحام الشديد أمام مراكز شعب التجنيد، حيث يتم منح اذن السفر السريع مقابل رشوة تصل إلى 200 دولار أميركي.

ويضيف “المبارك” أن المنطقة شهدت مؤخرا خروج المئات من أبنائها إلى الشمال السوري ولبنان، بواسطة ضباط من النظام وعناصر وقادة من حزب الله اللبناني سهلوا عمليات الخروج مقابل مبالغ مالية طائلة، لافتا إلى أن بعض وجهاء المنطقة وقادة المصالحات اعتبروا القرار في مصلحة الشباب، وهو ما تروج له ماكينة النظام الإعلامية، واعتبروه خطوة في الاتجاه الصحيح ورغبة في الاستجابة لمطالب الأهالي. فيما يرى المبارك أن القضية أكبر من قرار، وقد تكون أكبر من النظام ذاته الذي يحاول منذ 3 سنوات بسط نفوذه الكامل على المنطقة وهو ما فشل في تحقيقه على الرغم من مساندة روسيا وإيران في ذلك.

وكانت وسائل إعلام محلية قد تداولت صورا أظهرت مئات الشبان في مدينة درعا وهم ينتظرون الحصول على أذونات سفر من شعبة التجنيد العامة.

أما الأسباب الخفية وراء القرار الأخير وفق “المبارك”، فتكمن في رغبة إيران القوية في بسط سيطرتها على المنطقة من دون وجود خطر يهدد وجودها لاحقاً، إذ تدرك إيران ومعها النظام أنّ محافظات الجنوب السوري فيها الآلاف من المتخلفين عن الخدمة الإلزامية، وغالبيتهم يرفضون الانضمام إلى فروع النظام الأمنية أو الميليشيات التي تعمل إيران على تقوية نفوذها من خلالها ونشرها بشكل واسع في مختلف مناطق الجنوب.

“المبارك” يرى أن مشاريع إيران سرّعت صدور القرار قائلا إن طهران تسعى للتغيير المذهبي، وتعتبر الشباب الذين يرفضون هذا الفكر من أكبر العقبات التي تواجهها، إذ يصعب عليها تحويل درعا والقنيطرة إلى مناطق مشابهة للبوكمال وريف حلب في ظل وجود شباب رافض للمشروع الإيراني المرافق لحركة التشيع، ولعل من الأسباب التي ساهمت في صدور هذا القرار، يقين النظام وإيران في وجود رغبة حقيقية لمئات الشباب في مغادرة المنطقة، مع غياب الحلول للمأساة السورية، وعدم قدرة الشباب على دفع آلاف الدولارات للخروج عبر طرق غير شرعية.

مخاوف من عودة الأعمال الثورية

يرجح المحلل السياسي “عبد الله الزامل” أن يكون هذا القرار جاء في سياق إفراغ المنطقة من عنصرها الشاب والتخلص من عبء احتمال عودة الأعمال الثورية والأعمال العسكرية ضد النظام، مشيرا رغبة النظام وحلفائه وتحديداً إيران، في إخلاء المنطقة الجنوبية من الشباب الذين ما زال يتبنون مواقف معادية له ومن المحتمل أن ينخرطوا بأيّة أنشطة ضده.

ويضيف “الزامل”، سابقاً كان هناك تعويل على ضبط المنطقة أمنياً عبر إعادة الأجهزة والافرع إلى المدن والبلدات لكن اللجنة المركزية حالت دون ذلك مما اضطر إلى شن عمليات عسكرية محدودة لإعادة توقيع اتفاقيات تسوية جديدة نصّ بعضها على ترحيل بعض العناصر وعوائلهم.

يبدو أن النظام السوري يأمل في حصول موجة هجرة جديدة بموجب هذا القرار سواء نحو الشمال أو خارج سوريا لأهالي المنطقة الجنوبية بما يساعد أو يُسهّل عملية السيطرة عليها.

ووفقا لرؤية “الزامل” يبدو القرار لصالح الشباب في المنطقة الجنوبية من ناحية التخلّص من أعباء الملاحقة الأمنية من قبل النظام السوري وتقديم المساعدة للأهل بعد السفر، لكنّه أيضاً يحمل تبعات سلبية عليهم بإتاحة المجال أمام النظام السوري لفرض السيطرة على المنطقة التي عجز عنها حتى بعد توقيع اتفاق التسوية في تموز/ يوليو 2018.

الدور الروسي

بالتزامن مع إصدار النظام قراراً يقضي بموجبه منح المؤجلين عن الخدمة الإلزامية أذونات سفر، كشفت مصادر محلية من درعا عن الدور الروسي في المساعدة بإفراغ المحافظة ممن تبقى من شبانها عبر تقديم عروض عمل طويل الأمد خارج سوريا.

“تجمع أحرار حوران” نقل عن مصادر خاصة، تأكيدها قيام عدد من أبناء المحافظة بالتسجيل مؤخرا ضمن عقود عمل إلى روسيا كمرتزقة بحجة حراسة منشآت نفطية حيث تكون الوجهة الأساسية إلى روسيا وهناك يتم توزيعهم إلى مناطق ودول مجاورة تابعة لها من بينها أرمينيا، بمدة عقد تصل خمس سنوات حيث يسمح للشخص بإجازة شهر واحد سنوياً.

وتشير مصادر التجمع إلى أن التسجيل في السابق كان يقتصر على أبناء محافظة السويداء وذلك وفقاً لمناطق تولدهم بحسب السجلات المدنية، ولكن في الفترة الحالية فُتح باب التسجيل ليشمل أبناء محافظة درعا، إذ فتح باب التسجيل للراغبين في السفر، عبر أحد مكاتب السفريات والحوالات في محافظة السويداء “مكتب عزام للسفريات”.

وبحسب المصادر، فإن التسجيل يتم في هذه المكتب بعد دفع مبلغ مئة ألف ليرة سورية، مرفقاً بصورة الهوية الشخصية أو إثبات شخصية “إخراج قيد مدني” وصور شخصية من دون طلب أي أوراق ثبوتية أخرى كجواز السفر أو غيرها من الثبوتيات الشخصية اللازمة للسفر، وبعد ذلك يتم اختيار الأشخاص أو رفضهم وفقاً لما تقدم، وبناء على دراسات أمنية تجريها فروع النظام الأمنية وبإشراف مباشر من الجانب الروسي.

يربط الناشط “مهند الدوس” بين القرار الأخير بإعادة منح أذونات السفر وعقود العمل الروسية المغرية للشبان، بإيقاف الدعم الروسي عن الفيلق الخامس، معتبرا أن إيقاف الدعم جاء وسيلة جديدة للضغط على شبان المنطقة للخروج منها، عبر إفقارهم.

ويقول “الدوس”، إن القوات الروسية أدركت مؤخرا أن مقاتلي اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس، والذين يبلغ عددهم 2000 مقاتل، أوقفوا تحركات النظام والميليشيات الإيرانية الهادفة للسيطرة على طفس والكرك، وشكلوا عقبة كبيرة أمام فرض السيطرة على ريف درعا الشرقي ما دفعها للضغط على اللواء بغية إضعافه، مشيرا إلى أن نسبة كبيرة من عناصر الفيلق حصلوا على موافقات للسفر في محاولة للخروج من سوريا أو الوصول إلى الشمال.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.