إيران على حافة الهاوية!

عبد الرزاق الزرزور

عبد الرزاق الزرزور.

إعداد: أحمد الرمح

عندما يصل المجتمع الدولي إلى مرحلة التفكير في تفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ضد إيران! فهذا يعني أن كل السبل الدبلوماسية قد استُنفِدت، وأن الأوضاع في إيران مُتجهةٌ نحو الهاوية؛ وإن هذا الفصل بأدواته التي تتراوح من العقوبات الشاملة إلى التدخل العسكري! ليس مجرد أداة قانونية بل هو أشبه بصندوق فيه فاكهة معفن! بمجرد فتحه تخرج منه أهوال لا يمكن السيطرة عليها.

والتفكير في تطبيقه على إيران اليوم في ظل تهديدها النووي وإرهابها الإقليمي يبدو للكثيرين خياراً ضرورياً. لكن التاريخ وهو المعلم الأكثر قسوة يقدم لنا دروساً دامية تحذر من أن هذا الطريق غالباً ما يؤدي إلى كوارث أكبر من المشكلة الأصلية، وإن تجارب العراق وليبيا وكوريا الشمالية والسودان ليست مجرد حواشٍ في كتب التاريخ؛ بل هي إنذارات حية بأن الحلول المفروضة من الخارج دون وجود بديل داخلي منظم؛ لا تجلب سوى الفوضى والمجاعة والحرب الأهلية، وفي مواجهة هذا الطريق المسدود تأتي مظاهرة السادس من سبتمبر في بروكسل لتقدم للعالم ما كان مفقوداً في كل تلك التجارب: الخيار الثالث، المخرج الآمن من هذه الهاوية.

الدروس الدامية لصندوق باندورا: من الفوضى في العراق وليبيا إلى المأساة في السودان وكوريا الشمالية

لكي نفهم حجم الكارثة المحتملة في إيران يكفي أن ننظر إلى الخرائط التي رسمها الفصل السابع في دول أخرى؛ ففي العراق أدت العقوبات إلى تدمير جيل كامل، وأدى الغزو الذي تم تبريره جزئياً بقرارات أممية إلى إسقاط نظام الحكم؛ لكنه فتح أبواب الجحيم على مصراعيها، وأطلق العنان لحرب أهلية طائفية، وأدى في النهاية إلى صعود تنظيم داعش الإرهابي وما شابهه من التنظيمات الأخرى، وفي ليبيا أطاح التدخل العسكري بمعمر القذافي؛ لكنه ترك وراءه بلداً ممزقاً غارقاً في صراعات قبلية وميليشياوية لا تزال مستعرة حتى اليوم؛ هذا بالإضافة مع مئات الآلاف من النازحين، ولقد أثبتت هاتان التجربتان حقيقة مرعبة مفادها أن إزالة الأنظمة أمر سهل المنال؛ لكن بناء الديمقراطية والاستقرار مستحيل في ظل الفراغ السياسي.

وإذا كان التدخل العسكري يؤدي إلى الفوضى؛ فإن العقوبات الشاملة وحدها لا تقل كارثية، ففي كوريا الشمالية لم تؤدِ العقوبات القاسية إلى تغيير سلوك النظام النووي؛ بل أدت إلى مجاعة مزمنة يعاني منها 43% من الأطفال، وتركت الشعب محاصراً بين مطرقة النظام وسندان العقوبات الدولية، وفي السودان أدت العقوبات إلى تفاقم الأزمة الإنسانية ونزوح تسعة ملايين شخص؛ وانتشار المجاعة في دارفور دون أن تنجح في إنهاء الصراع الأهلي؛ الدرس هنا واضح والعقوبات غالباً ما تعاقب الشعب وليس الجلاد.

إيران: لماذا سيكون السيناريو أسوأ؟

إن تطبيق أي من هذين السيناريوهين على دولة بحجم إيران وتنوعها العرقي والعقائدي وموقعها الاستراتيجي، لن يؤدي إلى تكرار مأساة العراق أو ليبيا؛ بل سيؤدي إلى كارثة أكبر بكثير. فالتدخل العسكري سيشعل حرباً إقليمية لا يمكن التنبؤ بنهايتها، والعقوبات الشاملة ستدمر ما تبقى من الطبقة الوسطى! وتدفع بعشرات الملايين إلى فقر مدقع! مما قد يمنح نظام الملالي ذريعة لزيادة قمعه تحت شعار “مقاومة الحصار”. عندها سيجد العالم نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما فوضى ما بعد التدخل، أو مأساة إنسانية تحت الحصار.

بروكسل 6 سبتمبر: تقديم الحلقة المفقودة

تتجاهل هذه الثنائية الكاذبة وجود خيار ثالث؛ خيارٌ لا يأتي من الخارج بل ينبع من الداخل، وهذا الخيار هو ما ستقدمه مظاهرة السادس من سبتمبر في بروكسل للعالم. وإن هذا الحدث ليس مجرد احتجاج؛ بل هو العرض العملي للحلقة المفقودة في كل تجارب الفصل السابع السابقة، وهي وجود بديل ديمقراطي منظم، وذو مصداقية جاهز لملء الفراغ ومنع الانزلاق نحو الفوضى.

إن المعارضة الإيرانية التي تنظم هذه المظاهرة؛ لا تطالب بتدخل عسكري؛ ولا ترى في العقوبات غاية بحد ذاتها؛ بل إنها تقدم رؤية واضحة لإيران المستقبل؛ رؤية تتجسد في خطة السيدة مريم رجوي ذات العشر نقاط، وهذه الخطة هي الضمانة الحقيقية لتجنب سيناريو العراق وليبيا؛ إنها تقدم التزاماً بجمهورية برلمانية تقوم على فصل الدين عن السلطة، والمساواة بين الجنسين، واحترام حقوق القوميات، وإيران غير نووية.

الرسالة التي انطلقت من بروكسل موجهة بشكل مباشر إلى مجلس الأمن والقوى العالمية تقول: قبل أن تفتحوا صندوق “باندورا” الذي لا يمكن إغلاقه انظروا إلى البديل الموجود. بدلاً من فرض حلول خارجية أثبتت فشلها، اعترفوا بحق الشعب الإيراني في تقرير مصيره، وقدموا الدعم السياسي للمقاومة المنظمة التي تمثل تطلعاته.

 إن دعم هذا الخيار ليس مجرد موقف أخلاقي؛ بل هو الاستراتيجية الوحيدة القادرة على إزالة التهديد الإيراني دون إغراق المنطقة والعالم في بحر من الدماء والفوضى.

زر الذهاب إلى الأعلى