إيران: عود على بدء

 

تصف هذه الورقة بدقة عالية مستخدمة الأرقام والإحصاءات الحال الذي آلت إليه دولة الملالي في إيران إذ تحولت من دولة إلى قضية على حد تعبير كيسنجر؛ كما باتت مشكلة حقيقية في الطريق إلى استقرار المنطقة العربية؛ حيث يتحدث الكاتب عن السياسة الإيرانية والمآلات والتحولات التي وصلت إليها إيران اليوم من خلال المحاور التالية:

  • إيران وسياستها العقائدية وخصوماتها المسبقة.
  • تضمين الدستور الإيراني مبدأ تصدير الثورة إلى العالم الإسلامي.
  • استغلال إيران للشعارات الثورية.
  • فشل الساسة الإيرانية باستقطاب الخراج والتحول إلى اختراقه.
  • ما الذي جنته إيران من استراتيجيتها؟.
  • الوضع الداخلي يزداد سوءاً.

التمهيد

لم يكن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية وتشديدها سبب المأزق السياسي والعسكري الذي تواجهه إيران، بل هو وليد إستراتيجية النظام وخياراته السياسية؛ ببعديها الداخلي والخارجي، الانسحاب والعقوبات زادا في حدته دون شك، وخاصة تصدير الثورة ونصرة المستضعفين.

سياسات عقائدية وخصومات مسبقة

انطلقت قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سياساتها من مسبقات عقائدية وسياسية ترى في الخارج القريب والبعيد عدوا وخطرا داهما من الحصافة قطع التواصل معه والاستعداد لمواجهة خططه ومؤامراته، لأنه لن يترك الثورة الإسلامية تستقر وتحقق أهدافها في إقامة نظامها الخاص، نظام الولي الفقيه، وإدارة شؤون البلاد وفق مقتضياته.

وهذا دفعها إلى شن حملة ممنهجة ضد كل ظواهر الحداثة ومؤسساتها بدءا من الجيش، أعدمت 800 جنرالا في الأشهر الأولى للثورة، إلى التعليم والصناعة وصولا إلى الفن والأحزاب والنقابات، في الداخل، وإلى القطع مع موجبات النظام الدولي والقوانين الناظمة لعمله، في الخارج، وتعاطت مع الدول وسفاراتها بقلق وشك وخوف، على خلفية قناعتها بحتمية تكرار التجربة التاريخية المرة: احتلال وهيمنة وسيطرة خارجية، رائزها الرئيس ما حصل لحكومة الدكتور محمد مصدق عام 1953، فكان هجومها على السفارة الأميركية واحتجاز موظفيها (52 موظفا أميركياً كرهائن لمدة 444 يوما من 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 حتى 20 كانون الثاني/ يناير 1981) بمثابة ضربة استباقية، وكرست توجهها الخارجي بشعارها العتيد “لا شرقية ولا غربية”.

ترتب على هذه الخلفية العقائدية تبني إستراتيجية هجومية تحت شعار “تصدير الثورة” و”نصرة المستضعفين”، الأولى موجهة للدول الإسلامية والثانية موجهة للدول الأجنبية، حولته إلى التزام رسمي من خلال إدراجه في نص الدستور.

نجحت الشعارات الثورية في اجتذاب قوى سياسية وقطاعات شعبية في دول العالم الإسلامي، العربية منها بخاصة، فقد لبت حاجة نفسية لشعوب مقهورة ومستلبة، قبل أن تظهر سلبياتها (أحكام إعدام على المعارضين، بالآلاف، اضطهاد أبناء الأقليات الإثنية والدينية، التمسك باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، الإصرار على تسميت الخليج العربي بالفارسي، بدء التحريض في الدول العربية والإسلامية وعدم القيام بأي فعل ضد إسرائيل، كما كان منتظرا منها، في ضوء طردها السفير الإسرائيلي وتسليم سفارة إسرائيل في طهران لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ وحديثها المتواتر عن تشكيل جيش القدس المكون من عشرين مليون مقاتل لتحرير فلسطين، انفجار الحرب العراقية – الإيرانية وما صاحبها من تهديد للدول الخليجية وللملاحة الدولية في الخليج وانعكاس ذلك على تصدير النفط، المصدر الرئيس للدخل لدول المنطقة وشعوبها ).

من استقطاب الآخر إلى اختراقه؟

تثير(السلبيات) آنفة الذكر هواجس ومخاوف هذه القوى والقطاعات؛ وبدء تراجع الانبهار والتأييد، ما دفعها إلى تغيير تكتيكها من الاستقطاب إلى الاختراق؛ باستثمار المظلومية الشيعية وربط المواطنين الشيعة بها عبر المطالبة بحقوقهم المشروعة وتقديم دعم اقتصادي كبير؛ وتوظيفه في كسب موطئ قدم في الدول التي ينتمي بعض مواطنيها إلى المذهب الشيعي الاثنى عشري، المذهب الرسمي في إيران، وتوظيف القدرات المالية الضخمة في تشييع مواطنين جدد من اجل توسيع نفوذها وزيادة قدرتها على التأثير، واستثمار استتباعهم في إقامة كيانات سياسية وميليشيات مذهبية وتدريبها وتسليحها للعب دور مخلب قط في هذه الدول، والتركيز على دول جوار فلسطين، وتحويلها؛ هي والفصائل الفلسطينية التي استقطبتها عبر الدعم المالي الضخم، إلى سيف مسلط على الكيان الإسرائيلي من لبنان وغزة؛ ومحاولة تشكيل قاعدة مماثلة على الأرض السورية، في إطار ردع الولايات المتحدة عن مهاجمتها وإسقاط نظامها، عن طريق التهديد بالانتقام من طفلها المدلل: إسرائيل.  

أدت هذه الإستراتيجية دورا كبيرا في الانجازات التي حققها النظام الإيراني، اختراق أكثر من دولة عربية (يتباهى قادة إيرانيون بالسيطرة على أربعة عواصم عربية: بغداد دمشق بيروت وصنعاء، وبعودة الإمبراطورية الفارسية وعاصمتها بغداد)، والسيطرة على جزء هام من قرارها الوطني، واستخدامها ورقة في المساومات والمقايضات السياسية مع القوى الدولية.  

غير أن استمرار هذه الإستراتيجية وتحقيقها النجاح لم يعد ممكنا في ضوء السلبيات الكبيرة والكارثية التي أفرزتها وانكشاف أهداف إيران الخبيثة من تبني مظلومية الشيعة والدفاع عن الحق الفلسطيني المسلوب، فمعطيات المشهد السياسي الإيراني والإقليمي والدولي تشي بانتهاء صلاحيتها واحتمال تحولها إلى ذريعة لإلحاق الأذى بإيران بإخراجها من الدول التي نجحت في اختراقها بهدر مقدرات مالية ضخمة (قالت مصادر إصلاحية إيرانية انه تم صرف 100 مليار دولار خلال 15 سنة لتمويل نشاطات الحرس الثوري الإسلامي ودعم الحركات الشيعية والفلسطينية، 30 مليار منها في سوريا) وبشرية كبيرة، خاصة خلال القتال إلى جانب النظام السوري منذ العام 2012 حيث قتل 2000 إيراني وفق المصادر الرسمية الإيرانية، وفرص تنمية داخلية كانت حرية بوضع الشعب الإيراني في مصاف الدول المتطورة والغنية.

بدأ العد التنازلي لهذه الإستراتيجية بمحطات متتالية: هزائم عسكرية ألحقتها بها فصائل المعارضة السورية، ما دفعها إلى الاستنجاد بالقوات الروسية لوقف الانهيار وتعديل توازن القوى بالاعتماد على الأسلحة الروسية وسياسة الأرض المحروقة، تحولت روسيا إلى منافس يريد طردها من سوريا، عملية عاصفة الحزم، التي أطلقتها السعودية بالاتفاق مع عدد من الدول العربية ضد حركة أنصار الله، الحوثيين، في اليمن المدعومة من قبلها، فوز تيارات سياسية مناوئة في الانتخابات البرلمانية العراقية، الضربات الجوية التي وجهتها إسرائيل لمواقع قواتها وقوات حلفائها في سوريا، وأخيرا دعوتها من قبل روسيا للانسحاب من سوريا.

ما الذي جنته من هذه الاستراتيجية؟

يستطيع المراقب المدقق استكشاف الكارثة التي حلت بالنظام والشعب الإيرانيين على حد سواء، أجّل اعتماد الحرب بالوكالة وزج الميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية والباكستانية والأفغانية في المعارك الإيرانية في سورية والعراق إدراك المواطنين الإيرانيين بحجم الكارثة التي حلت بهم نتيجة سياسة النظام التدخلية التي ينفذها الحرس الثوري الإيراني؛ فمعظم القتلى غير إيرانيين ويدفنون بصمت دون جلبة أو مراسم عزاء، فالنظام خسر شعبيته في الداخل، وهذا ما عكسته المواقف والتحركات الشعبية الإيرانية. فقد واجه النظام في العامين الأخيرين اعتراضات شعبية قوية عكست تنامي رفضه، إن عبر الاحتفال بيوم “قورش”، ملك فارس القديم، الذي يتردد أنه أول من أصدر إعلاناً عالمياً لحقوق الإنسان، فيما تعرف بـ “أسطوانة قورش” التي يرجع تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد، حيث خرج آلاف الإيرانيين يوم 28/10/2016 في مسيراتٍ للاحتفال بهذا اليوم، وقد ردد المتظاهرون الذين احتشدوا حول قبره في باسارغاد القريبة من مدينة شيراز الجنوبية، شعاراتٍ قومية، وانتقدوا سياسة النظام الخارجية بهتافهم “لا غزة ولا لبنان، روحي فدا إيران”، أو في تظاهرات المواطنين في أكثر من مئة مدينة، يومي 29 و30 كانون الأول/ ديسمبر 2017، وهتافاتهم ضد سياسة النظام الخارجية “اخرجوا من سورية وفكروا بحالنا”، وضد المرشد الأعلى وضد رئيس الجمهورية بشعار “الموت للديكتاتور”، ناهيك عن المناداة بعودة النظام السابق والمطالبة بعودة ورثة العرش الشاهنشاهي، أو حملة رفض فرض الحجاب التي نفذتها، على الرغم من القمع والاعتقالات، نسوة إيرانيات في أكثر من مدينة.

صورت الكاتبة الإيرانية كاميليا انتخابي فرد الوضع بدقة حين قالت في مقالة لها: “على الرغم من استثمار النظام الهائل في الدعاية التلفزيونية التي تهدف إلى تأمين تعاطف الجمهور مع نظام الأسد الذي يتم تصويره ضحية الهجمات الإرهابية، ومع حزب الله والفلسطينيين، فإن التأثير كان معاكساً. وعلى نحوٍ غير متوقع، أخلى التعاطف مكانه لمشاعر الاستياء، وسواء كان ذلك عن صواب أو خطأ، يبدو أن إيرانيين كثيرين أصبحوا يعتبرونهم كلهم “إرهابيين”، بمن فيهم زعيم حزب الله، حسن نصرالله، ويلقي الإيرانيون الآن بالمسؤولية على هؤلاء جميعاً في التسبب بعزلة بلدهم الدولية، ويشعرون بأنهم يغرقون في الفقر، بسبب إنفاق موارد البلد في الخارج، وكانت هذه العاطفة قويةً بشكل خاص خلال احتجاجات الريف في أوائل  كانون الثاني/ يناير الماضي، عندما نزل الإيرانيون إلى الشوارع ليهتفوا برفضهم لإنفاق الأموال الإيرانية في لبنان وسورية” (المشهد من طهران – لوموند ديبلوماتيك: 26/4/2018- ترجمة: علاء الدين أبو زينة، الغد الأردنية: 6/5/2018).  ما دفع مسؤولين إيرانيين، بمن فيهم الرئيس حسن روحاني وحسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، إلى التحذير من انهيار النظام، في حال تجاهل مطالب الشعب، وإشارة عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، جواد قدوسي، إلى خلافاتٍ في الحكومة الإيرانية بشأن إلغاء تمويل الحرس الثوري والتخلي عن النظام السوري. وقد كشفت تطورات السوق الداخلي خلفية الاحتقان الشعبي، حيث تراجع النمو العام إلى الصفر، انهيار سعر صرف الريال الإيراني (الدولار 82 ألف ريال في السوق السوداء، و42 ألفا بالسعر الرسمي)، ما دفع الحكومة إلى تقييد تداول العملة الأجنبية: منع تداول الدولار، السماح للمسافر إلى دولة قريبة شراء 500 يورو فقط وللمسافر إلى دولة بعيدة شراء حتى ألف يورو، حظر احتفاظ المواطنين بأكثر من عشرة آلاف دولار أو يورو، وهروب الأموال إلى الخارج، تم الحديث عن هروب 59 مليار دولار خلال العامين الأخيرين، إضرابات عمال المصانع بسبب تأخر رواتبهم أشهرا عدة، إضراب المزارعين في أصفهان، بسبب نقص كمية المياه للزراعة (جفاف هذا العام 2017 كان الأصعب في الخمسين سنة الأخيرة)، تراجع منسوب مياه السدود، وتراجع إنتاج الكهرباء بأكثر من 40%، انخفاض الاستثمارات الأجنبية، وتجميد المشاريع التي سبق الاتفاق عليها مع دول أوروبية، وقف تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي أعلن عنها الرئيس حسن روحاني، والتي كان مقرّرا أن تتضمنها ميزانية هذه السنة، بصورة كاملة، بسبب التظاهرات والاحتجاجات ضدها لانطوائها على رفع الأسعار وتقليص كبير في الدعم على المواد الاستهلاكية وإلغاء الإعانة الاجتماعية النقدية التي قرّرها الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، والتي كان يستفيد منها 39 مليون إيراني، وتوجهها إلى تحصيل 60% من مواردها عن طريق الضرائب، والضغط الشديد من أجل تقليص مصروفات الحكومة، وانتشار الفساد في أوساط الطبقة الحاكمة، ابتداء من عائلة المرشد وحتى مستوى موظفي الدولة الصغار، وصل حدًّا غير مسبوق في البلاد. بالإضافة إلى انتشار حركات وتحركات إثنية، أذرية وكردية وبلوشية وعربية، على خلفية التمييز بين الأعراق والمذاهب الذي يعتمده النظام بانحيازه إلى جانب الفرس، وإعلانه المذهب الشيعي الاثني عشري دينا للدولة، وعدم اكتراثه بالمشكلات الاقتصادية والبيئية التي تعاني منها مناطق هذه الإثنيات.

كل هذا قبل قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات وتشديدها، زاد انقسام أهل النظام حول الموقف من الاتفاق النووي، بعد الانسحاب الأميركي، وحول دعوة روسيا لخروج القوات الإيرانية من سوريا؛ وبلوغه حد تخوين بعضهم لبعضهم الآخر، حدة الارتباك، وتوجُّه إقليمي ودولي ضاق ذرعاً بسياسات إيران وممارساتها، وتدخّلها في شؤون دول الجوار، العربية منها بالخصوص، عبرت عنه التحرّكات الديبلوماسية والسياسية، وطرح الملف في مجلس الأمن والبرلمان الأوروبي أكثر من مرة. لخص وزير الخارجية الأميركية الأسبق، هنري كيسنجر، الموقف بعبارة موجزة ومعبرة، قال: “على إيران أن تحدد هل تريد أن تكون دولة أم قضية”.

تحتاج إيران إلى مراجعة سياساتها مراجعة عميقة بدءا بأسسها العقائدية ومرتكزاتها العملية: تصدير الثورة، و “نصرة المستضعفين”، الغطاء الذي بررت به تدخلها في الشؤون العربية والإقليمية وتفجير الصراعات الداخلية فيها، والتصرف بمنطق الدولة الطبيعية، والانحياز إلى التوافق والتفاهم الإقليمي، بحيث تفتح ثغرة في جدار الخوف من الهيمنة الجيوسياسية الذي ساد الإقليم طوال العقود الماضية، وأحبط فرص التعاون الإقليمي، بحيث تنقذ نفسها وشعوب العالم الإسلامي الذين ادعت أنها تعمل على نصرتهم.


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.