إيران ونظام الأسد؟.

مهيار حسن: كاتب ومحلل.

تلخّص هذه الدراسة الأبعاد الاستراتيجيّة للمصلحة الإيرانية في علاقتها مع النظام السوري من خلال محاور منها:

  • لماذا تعتبر إيران سوريا أهم من الأهواز؟
  • العلاقة الإيرانية مع النظام وتعقيداتها.
  • خصوصية العلاقة بين النظامين؟.
  • تاريخية العلاقة وأبعادها.
  • العلاقة مع سوريا في ظل الأسد الابن.
  • العلاقة بينهما في ظل الربيع العربي.

المدخل:

“لو لم نتدخل في سوريا لسقطت دمشق خلال أسبوع”، هذا التصريح الناري للسيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني واحدً من جملة من التصريحات النارية الأخرى التي حددت إلى حد كبير مسار الصراع في سوريا. وهو تصريح لا يقل عنه تصريح مواز لأحد القادة الإيرانيين يقول، فيه إن سوريا هي “المحافظة الإيرانية رقم 35″، وأن لـسوريا أهمية استراتيجية عند إيران تفوق أهمية “الأهواز”، لأن الأهواز يمكن استعادتها بعد فقدها أما فقدان سوريا يعني فقدان طهران نفسها.

على الجهة المقابلة، وجدت المعارضة السورية الناشئة نفسها أمام تحالف غير عادي، ودفاع مستميت من قبل طهران عن نظام دمشق، إذ يقول أحد المعارضين السوريين البارزين، ونعني برهان غليون: “بشار الأسد قد باع سوريا إلى إيران في سبيلِ الحفاظ على نظامه”، الأمر الذي دفع المعارضة السورية للدخول في فخ إقليمي، عبر انحيازها المطلق، مجبرة، ربما، إلى الطرف الإقليمي المعادي لإيران، لإدراك هذا المحور أيضا، أنه لو سقطت سورية بالكامل بيد إيران، فهذا يعني هيمنة الأخيرة على الإقليم، ورضخوهم لعامل القوة الإيراني الذي سيهدد عواصمهم اليوم أو غدا، الأمر الذي جعل سورية، ساحة من ساحات الصراع الإقليمي التي تتنافس بها تلك الدول، وهي ساحة تمتد حتى اليمن والسودان والقرن الإفريقي والصومال والعراق ومنطقة آسيا الوسطى وشمال إفريقية، وأيضا، وطبعا، فلسطين.

وعلى ضفاف هذا الصراع الإقليمي، والدولي بالطبع، تشكلت منذ عام 2011 حتى اليوم، محاور كثيرة، انفرط بعضها وصمد بعضها بعد أن دخلته تحولات كثيرة، وشابته اتعطافات كثيرة، لم يكن يتوقع أحد حدوثها، نظرا لكونها تعتبر بمثابة الزلزال في علم التحالفات السياسية المؤسسة على بعد جيوسياسي ليس من السهل تغييره، لأن تغييره يعني فيما يعني تغير النظام الدولي كليا، أو ليس هذا ما يحدث في العالم والإقليم اليوم؟ إذ هل كان أحد يتوقع أن يتم توقيع اتفاق مع طهرا؟ وأن يتخلى النظام السوري عن سلاحه الكيميائي؟ وأن تكون إيران وروسيا وتركيا في محور واحد؟ وأن تكون أميركا وتركيا على تضاد في الإقليم؟ وأن يتشكل تحالف عربي في اليمن؟ وأن تستزف دول مثل سورية واليمن والعراق في حروب المحاول هذه وصراعاتها؟

من ضمن المحاور التي تشكلت يمكن أن نرصد مؤخرا بروز المحور الإيراني والتركي والروسي والقطري، حيث تشكل هذا المحور بدفع من التحولات التي فرزتها مسائل الإقليم التي لم تزل تجري وتتطور. وبما أن التحول لا زال ثمة الإقليم ككل، فإن هذا المحور المتشكل يبقى قابلا لأن يزول أو يتحول بدوره، وأن يصبح أقطابه أعداء أو خصوم على الأقل، أي أن يعودوا كما كانوا سابقا، باعتبار أن المحور تشكل أساسا بدفع من تلك الأحداث وتحولاتها، الأمر الذي يجعلنا نركز في هذا الملف على الدور الإيراني في سورية، لقراءته في ضوء التشابك والتباعد والتخاصم مع عناصر المحور الأخرى، ولإثبات الأمر عبر قراءة الحوادث التاريخية والانعطافات التي جرت في تاريخ الإقليم.

تعقيد المشكلة

كثيرة هي الدراسات الغربية بشكل أساسي التي اهتمت بمآلات العلاقة السورية الإيرانية، زادها تعقيداً التوافق التركي القطري الإيراني في التعامل كل على حدة مع أحد أطراف الصراع في سوريا، واتفاقهم الثلاثي فيما بينهم بما يتعدى التنسيق المعتاد إلى حدود تشكيل شراكات عابرة للمنطقة، وفي ظل مواز لوجود علاقات قطرية أميركية وأخرى تركية أميركية وأخرى إيرانية روسية ضمن هذه الشبكة المعقدة من التحالفات والتنسيقات.

زيادة التعقيد في استقراء هذه العلاقة، مرده إلى عوامل يمكن قياسها وأخرى لا تصح في التحليل السياسي، إذ إن اعتبار العلاقة بين طهران ودمشق مبنية على التقارب الطائفي وحده، أحد تلك العوامل التي لا شك تؤثر في الخلفية الجيو ـــ استراتيجية للمشهد الشرق أوسطي، ولكنها لا تشكل الحقيقة الكلية عن الأمر، لأن دمشق اختارت هذه العلاقة كركيزة استراتيجية منذ أكثر من 35 عاماً في وجه التشتت العربي نفسه، وفي وجه الانزياحات العربية الدائمة كما تراها دمشق عن قضايا العرب المركزية وفق رؤيتها القومية للعالم العربي.

 ففي وقت تأسيس العلاقة كان العراق الصدامي يضرب دمشق بالسيارات المفخخة عبر الإخوان المسلمين، ويعرقل الحل السوري في للبنان. بالمثل مصر كانت قد ذهبت إلى كامب ديفيد واستراحت من الهم الفلسطيني. والخليج وقتها كان حذراً جداً مما يحدث عند جاره القريب من تغيير سياسي واجتماعي، لا يلغي هذا أن العلاقة بينهما قد اشتدت في ظل دعم عربي معلن للمعارضة المسلحة في سوريا بالمال والسلاح بعد انطلاق الحراك السوري، وهو الأمر الذي تفعله طهران وتركيا بالتوازي، بالطبع لا نتحدث هنا عن الأسباب التي أدت لوصول الحالة السورية إلى مرحلة صراع إقليمي ودولي.

من أين تكتسب علاقة طهران ودمشق خصوصيتها / أهميتها؟

هناك مجموعة من العوامل التي تضفي على هذه العلاقة قوةً وأهمية وخصوصية في نفس الوقت، وهذه العوامل تتوزع على مستويات كل منها يشكّل زاوية استقراء لهذه العلاقة، المستوى المحلي والعربي والشرق أوسطي والدولي، ثم المستوى الأساسي المرتبط بمشروع “محور المقاومة والممانعة” كما يسمى مقابل المشروع الأميركي الإسرائيلي الخليجي، وصراع هذان المشروعان هو السمة الأكبر للمنطقة منذ تأسيس الدولة العبرية من جهة، ومنذ الثورة في إيران، وأخيراً اكتسب الصراع درجة إضافية بعيد الربيع العربي.

أولاً: ثنائياً بين البلدين: حذر واتفاق:

كانت دمشق أول الدول التي سجلت اهتماماً بما يجري في طهران، فكانت أول الدول المعترفة بها والمساندة لها، علماً أن العلاقات مع إيران الشاه قبل الثورة كانت موجودة على مستوى السفراء دون علاقات على مستوى عال من التنسيق، خاصة وأن الشاه كان موالياً للغرب، وخاصة أيضا، بعد توقيعه اتفاق الجزائر عام 1975 مع صدام حسين عدو دمشق اللدود، في حين جاءت ثورة الخميني ترفع شعار “الموت لأمريكا” وتعلن تأييدها تحرير الأراضي العربية المحتلة من إسرائيل وتسلم سفارة واشنطن لمنظمة التحرير الفلسطينية، بل وتعمل على “محو إسرائيل عن الخريطة” حسب أدبياتها، وهو ما يوافق السياسة السورية، التي وجدت نفسها وحيدة حينها في مواجهة اتفاقيات صلح منفرد من أخوتها العرب مع إسرائيل، وأعداء في كل الجهات خاصةً مع اندلاع الحرب اللبنانية.

كان مهندس العلاقات مع العالم العربي “محمد حسين منتظري” مؤسس الحرس الثوري الإيراني. وكان منتظري (أو منتظري الابن) أحد كوادر الخميني ذات الثقل حين كان في منفاه بالعراق، وكان يُعرّف على أنه تلميذ نجيب له. وقبل انتصار الثورة الإيرانية، مثل منتظري الابن همزة الوصل بين الخميني وعدد من القوى السياسية في الساحة العربية، بينها حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح)، كما يذكر ذلك عدد من الباحثين في الشأن الإيراني والسوري من بينهم باتريك سيل في كتابه “الصراع على سوريا” الذي يبرر تلك العلاقة بالقول: “إن على الذين يطمحون أن يكون لهم دور في الشرق الأوسط التعامل مع دمشق، إن من يسيطر على دمشق أو يتعامل معها يستطيع أن يعزل الدول العربية الأخرى، ولا يحتاج إليها” لذلك فإن دمشق بوضعيتها تلك تمثل “الهدية الذهبية للقدر لها”.

لا شك وقتها أن هذا التحول كان تحولاً استراتيجياً في ظل موازين القوى المائل وقتها في غير صالح السوريين والإيرانيين، وبدا أن هذه العلاقة ستكون جسراً ستنفذ منه طهران إلى الشرق الأوسط، كما سيساهم في إخراج دمشق من عزلتها العربية. ورغم أن علاقات دمشق مع بغداد قد تعرضت لانكسار كبير بعد انقلاب صدام حسين على أحمد حسن البكر إلا أن الحرب العراقية ضد إيران التي لم تنتظر عامين على نجاح الثورة لتبدأ، قد تسببت في عرقلة الاندفاع السوري الإيراني في الجهتين، فطهران تعرف أن دمشق مركز رئيسي للقومية العربية، وبالتالي ـ مع وجود البعث في العراق أيضاً ـ لم تطلب إيران أي دعم عسكري من دمشق، لكن دمشق أعلنت عن موقفها الداعم لطهران مراراً وتكراراً.

تعرضت العلاقة بين الطرفين في الثمانينيات إلى بعض المشاكل، منها ما كان على خلفية النزاع في لبنان والخلاف بين حزب الله وحركة أمل المقرّبة من دمشق، وفي نهاية تلك الحقبة كانت سورية ما تزال الحليف العربي الأوحد لإيران، وبدت صورة التحالف الإيراني السوري كالتالي: تحالف بحكم الأمر الواقع، في حين شرع كل طرف في تنويع علاقاته الإقليمية، “كان القاسم الأكبر بين دمشق وطهران متمثلاً في الاتفاق على إبقاء المقاومة اللبنانية وسلاحها كورقة ردع ضد إسرائيل، ولكن أدوار كل من طرفي التحالف في لبنان بدأت تتعدل لمصلحة إيران التي صارت شريكاً فعلياً لدمشق هناك” وفقاً لمركز ليفانت للدراسات.

في سنوات حافظ الأسد بقيت العلاقة بين البلدين محكومة بإطارها السياسي الدولتي، ولم تتطور خارج العلاقة المؤسساتية، وهي المخاوف التي بقي الأسد الأب يكنها للحكم الثيوقراطي في طهران، لقد تفاجأ الإيرانيون بإعلان سوريا نيتها المشاركة في حرب الخليج الثانية، وهو القرار الذي اتخذ على أعلى مستوى في البلاد ونتيجة لحسابات سورية دقيقة أتاحت لها فتح الجدار العربي المغلق من جهة، ونالت رضا المجتمع الدولي كأحد أركان الحرب على الإرهاب الدولي متمثلاً في الرئيس العراقي. في العام 1991، صدر “إعلان دمشق” باتفاق عربي قضى في أحد بنوده بمرابطة قوات سورية ومصرية في الخليج، وهو الأمر الذي لم يعجب طهران، فأرسلوا وفودهم إلى القاهرة ودمشق وبيروت، “بعض هذه الوفود سمع من السوريين قولا بدد قسطا من هواجسه، فما كان منه إلا أن قابلهم بالقول إن الغضب والاعتراض على إعلان دمشق لا يرتبط بالسياسة السورية، بل المصرية، وعند هذه النقطة انتهت زوبعة إعلان دمشق في شقها المرتبط بالعلاقات الإيرانية السورية” وفقاً لموقع الجزيرة.

لم تهدأ الأحول بعد ذلك، إذ أنّ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، الحليف التاريخي القوي لدمشق، والداعم لها اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، مع انهيار الثنائية القطبية والحرب الباردة، ومن ثم ما جرى في الربيع الأوروبي 1988 الذي أبعد عن دمشق كتلة كبيرة من الدول الداعمة (رومانيا والتشيك)، قاد إلى تقليص هامش المناورة السياسية أمام البلدين وجعلهما مجبرين أو مخيرين يقتربان أكثر من بعضهما البعض، فكانت زيارات مكوكية للطرفين كل منهما إلى الآخر مع العمل الحثيث على ترسيخ الأدوات الممكنة بينهما على الصعيد الاقتصادي والسياسي، وخاصة دور حزب الله فيما بعد انتهاء معارك الحرب الأهلية في لبنان.

ثاني التحولات، كانت حرب الخليج الثانية، هذه المرة لإخراج العراق من الكويت، ثم ما تبع الحرب من انتشار عسكري أميركي واسع في منطقة الخليج العربي، ثم حصار للعراق استمر أكثر من عشر سنوات، رأت فيه إيران تهديداً كبيراً لأمنها القومي، إلا أنها تعاملت معه بحذر شديد فلم تصطدم مع واشنطن بل عرضت عليها المساعدة عندما فقدت البحرية الأميركية عدداً من جنودها جنح مركبهم باتجاه الشواطئ الإيرانية.

مع انتهاء عقد التسعينيات انطلق تعاون عسكري وفني وتقني بين الدولتين، وخاصة على صعيد الصناعات الصاروخية، وتشير التقارير الغربية والإسرائيلية المتاحة إلى أن هذا التعاون قد بدأ فعلياً بدعم سوري للبرامج الإيرانية الناشئة، قبل أن تصبح إيران داعماً رئيسياً للتصنيع العسكري السوري عامة، والصاروخي خاصة.  وقد أخذ هذا التعاون بعداً جيوـ سياسياً، مع الدعم الإيراني السوري المشترك لحزب الله في لبنان، حيث نقلت سوريا عملياً تجربتها الصاروخية للحزب. وهي التجربة التي أثرت بشكل كبير على مجريات حرب تموز 2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان.

شهدت سنوات العقد الأول من القرن الحالي نقلة نوعية مضافة في العلاقة بين طهران ودمشق، رغم انفتاح الأخيرة على أنقرة والدوحة بشكل كبير إلا أن الارتكاز بقي على المحور الأساسي مع طهران التي بدأت في عهد بشار الأسد تجري مقاربة جديدة مع الوضع في الشرق الأوسط، ليأتي انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بمثابة الهدية الكبرى الثانية التي تلقاها محور المقاومة والممانعة بعد إسقاط نظام صدام حسين على يد الأميركيين. وهنا كان دخول تركيا وقطر على خط العلاقة مع دمشق، يأتي في سياق مواجهة إيران بشكل ناعم، حيث سنشهد في هذه المرحلة بدء صعود دور قطر فيما يخص قضية فلسطين ودخول تركيا لاحقا أيضا على نفس الخط، في محاولة منهم لسحب قضية فلسطين من يد إيران من جهة، ولكسر العلاقة بين دمشق وإيران من جهة أخرى. وقد كان يندرج هذا الأمر ضمن صراع دولي يعمل على تحجيم إيران ومنعها من تطوير أسلحة نووية، وقد كان ذورة هذا الصراع في عام 2006 حين أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية، كونداليزا رايس أنذاك، عن ولادة شرق أوسط جديد، أفشله أنذاك محور سورية إيران قطر، وسط حياد تركيا التي تحركت فيما بعد لتعبيد العلاقة مع نظام دمشق برعاية قطرية، وهي العلاقة التي استمرت حتى عام 2011.

ثالث التحولات، تجسد في الغزو الأميركي للعراق عام 2003. الذي جاء بعد اتهامه بمسرحية السلاح الكيميائي بعد أن انتهى دور رئيسه “القائد الضرورة”، وقد وضع هذا الحدث كلا من سوريا وإيران على فوهة بركان. وكانت الدولتان هدفاً لاحقاً في مساره، وفق ما تقوله الآن المذكرات والوثائق المتداولة. وعلى الرغم من أن سوريا وإيران تبنتا مقاربتين مختلفين للتعامل مع الغزو الأميركي للعراق، إلا أنهما اشتركتا في الشعور بالخطر المحدق، غير الافتراضي أو بعيد المدى.

على خلفية التطورات الكبرى هذه، تسارعت وتيرة التعاون السوري الإيراني، واتسع نطاقه، ليشمل جملة عريضة من القضايا الثنائية والإقليمية. وفي السياق ذاته، لم تكن التداعيات السياسية للحرب، بما فيها مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، عامل تعزيز لفرص المناورة أمام السياسة السورية، بل عامل ضغط عليها وهذه المفاوضات دخلتها دمشق دون اعتراض إيراني فموازين القوى كانت بحال يرثى لها للبلدين معاً.

لم تربح سوريا من حرب الخليج سوى تفادي ضربات التحالف الدولي (ستأتي لاحقاً بعد 2010)، فقد كان العراق وسوريا وإيران على محور الشر الأميركي، ورغم مشاركة دمشق الرمزية في الحرب بهدف تليين الموقف الدولي حيالها، إلا أن هذه الحرب أنهت قوة العراق العسكرية وحيّدته وخربته كلياً وجعلته لاحقاً مصدراً لعلبة الشرور تجاه سورية، وكشفت الجبهة الشرقية، واستتباعا كشفت سوريا.

المستوى الثنائي بعد 2011

هناك الكثير من المتغيرات التي أصابت الشرق الأوسط والعالم العربي منذ انطلاق الربيع العربي، وذلك بعد ثلاثين عاماً من انتهاء الربيع الأوربي الشرقي نهاية التسعينيات القرن العشرين، فقد كان هناك اشتباك وتعقيد في المنطقة العربية تنموياً وسياسياً وديمقراطياً، الأمر الذي فتح الباب أمام طوفان من التظاهرات المطالبة بالتغيير الديمقراطي والتنموي، لقد كان الربيع العربي في سنواته التونسية والمصرية محط اهتمام إيراني وتركي.

وقفت طهران إلى جانب التظاهرات الشعبية التي انطلقت في تونس ومصر بعدها، مصوّرة الحراك العربي بصورته الإسلامية، وأعلنت القيادة الإيرانية أن “الربيع العربي يبشر بعصر ستكون فيه وحدة إسلامية في الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث أن الحكومات الاستبدادية ستستبدل بحكومات إسلامية”، “لقد انقلب المد الشعبي على الغرب وأنظمته”، وبقي الموقف الإيراني كذلك حتى وصل إلى ليبيا التي كانت ترتبط بعلاقات طيبة مع طهران، إلا أن التخلص من العقيد القذافي لم يزعج إيران.

لقد أوقع الربيع العربي في سوريا إيران بين نارين حقيقيين، فهناك حراك شعبي (أقله كما بدا في تلك الفترة) وهناك تظاهرات تشتعل في عدد من المدن والقرى السورية كل يوم، وهناك نظام سياسي هو الوحيد الذي له علاقات مميزة معها، وبالتالي فقد وقعت إيران بين نيران الاعتراف بالحراك وخسارة النظام الصديق أو الوقوف إلى جانب النظام واتهامها بالتالي بالنفاق السياسي وخسارة العالم العربي شعبياً، وهو أمر حدث فعلاً، إذ أن شعبية إيران بعد موقفها الداعم للنظام السوري قد هبطت كثيراً في العالم العربي.

من الواضح أن إيران في ظل اندفاع إسلامي وعربي (مدعوم من الجارتين قطر وتركيا بشكل واضح) كانت تتوقع أنه في حال سقوط النظام في دمشق سيكون البديل إسلامياً مضادا لها وموجها ضدها، ولم يتأخر الحراك السوري في إثبات ذلك، إذ بدأت التيارات المدنية بالانكفاء بعد أقل من أربعة شهور على بدء التظاهرات.

 وهذا الأمر لم يكن ليزعج طهران لو كان بديلاً، قد يدور في فلكها أو على الأقل لا يناصبها العداء علناً. ولكن المرشح الأقوى كان الحركات الإسلامية التي تناصبها العداء الديني والسياسي (كجماعة الإخوان المسلمين) وغيرها من مختلف التنظيمات المدعومة قطرياً وتركيا، الأمر الذي دفع إيران بكامل قواها إلى المحرقة السورية لتواجه قطر وتركيا وغيرها من المحور المضاد، الأمر الذي يوضح لنا أن العلاقة بين أنصار هذا المحور انتقلت من العلاقة الطبيعية أو الحيادية قبل عام 2011 إلى العلاقة الصراعية الإقصائية في سورية، لتتحول اليوم إلى محور، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه في بداية هذا الملف، من أن هذا المحور مرهون بالتحولات السياسية من جهة، ناهيك عن “صدام الإيديولوجيات” الكامن في داخله، والكفيل بتفجير الإقليم لا المحور وحده.


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.