اتفاق وخلاف على التفاصيل: أوروبا وعاصفة المال والتمويل

افتتح رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو شانسيز، مطلع شهر نيسان / إبريل الحالي، بتصريحات قال فيها إن جائحة فيروس كورونا قد تتسبب في “انهيار” الاتحاد الأوروبي، إن لم يتم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في التعامل مع الأزمة الحالية.

تحذيرات سانشيز جاءت في مقال نشره “شانسيز”،، بـ 6 لغات أوروبية، في أبرز صحف ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والبرتغال، وإسبانيا، وهولندا. أكد فيه أن: “الظروف الحالية استثنائية وتدعو إلى مواقف ثابتة، إما أن نرتقي إلى مستوى هذا التحدي أو سنفشل كاتحاد”.

وتابع: “لقد وصلنا إلى منعطف حرج تحتاج فيه حتى أكثر الدول والحكومات المؤيدة للاتحاد، كما هو الحال في إسبانيا، إلى دليل حقيقي على التزام (الاتحاد) نحوها”.

تصريحات سانشيز عكست عمق المخاوف على واقع أوروبا وتكتلها سياسيًا واقتصاديًا وعلى البنية المجتمعية التي انبثقت عن الاتحاد سابقًا وجاءت أزمة كورونا لتعري كثيرًا من الإشكاليات، فجعلتها تطفو على السطح مع وقوع إيطاليا تحت ضغط اقتصادي هائل وتلتها اسبانيا والبرتغال في ظل تضارب الرؤى حول طبيعية وكيفية المساعدات الأوروبية الواجب أخذها ما حدا بإيطاليا لعرض سندات سيادية للبيع.. استباقًا لأي خطط داعمة للتكتل الأوروبي.

وأمس الأربعاء، أكدت فرنسا، أن الدول الـ 27 الأوروبية لن تصل لأي توافق حتى بضعة أسابيع على خطة الإنعاش الأوروبي الواسعة النطاق التي تطالب بها خاصة فرنسا وإسبانيا، بالتزامن مع قمة للاتحاد الأوروبي عبر تقنيات الإنترنت.

الرئاسة الفرنسية ذكرت أن باريس ومدريد، تطالبان بأن يضع الاتحاد الأوروبي خطة إنعاش اقتصادي أوروبي بقيمة لا تقل عن 1000 مليار يورو لفرنسا و1500 مليار لإسبانيا، ممولة من قروض طويلة الأجل.

المفارقة الرئيسية تتمثل بتتوافق معظم دول الاتحاد الأوروبي على الحاجة إلى تدابير دعم، لكن الخلاف يتمحور حول حجم هذه التدابير وأسلوب تمويلها وتقسيمها يثير خلافاً عميقاً بين الدول الـ 27 الأعضاء في الكتلة الأوروبية.

ليؤكد صناع السياسة الفرنسيين أن “المحادثات ستمتدّ لعدّة أسابيع. وسيكون من الواجب عقد اجتماع فعلي لرؤساء الدول والحكومات للقيام بالأمر، ربما في يونيو/حزيران القادم، مع الأمل في أن يتمّ التوصل إلى اتفاق خلال الصيف”.

وتبدي فرنسا نظرة متمهلة وتأكد باريس إنها لا تريد “اتفاقاً متعجلاً بثمن رخيص”، وحذّرت من أن “فرنسا لن تعطي موافقتها لاتفاق على موازنة أوروبية لا تشمل استجابة للأزمة”، (حيث يذكر هنا أن إقرار الموازنة الأوروبية يتطلب إجماع الدول الـ 27).

حيث تشير باريس برغبتها ألا تشمل تدابير الإنعاش فقط قروضًا للدول التي تواجه صعوبات مثل إسبانيا وإيطاليا، لكن تحويلات مالية في سياق آلية التضامن الأوروبي.

تلميح وتحذير ضمني

فرنسا بدورها حذت حذو اسبانيا، مقابل تمنع دول كألمانيا وهولندا ودول شمال أوروبا عن السياسات المطلوب توفرها لدعم الوضع الراهن، حيث قالت الرئاسة الفرنسية: “إذا لم تتم إعادة إطلاق سوقنا الموحدة، محركنا، ستكون أوروبا في وضع صعب، وكذلك بالنسبة للمنافذ الخارجية التي ستكون في وضع صعب. التضامن الأوروبي يصب في مصلحتنا”.

لتؤكد باريس أنه: “إذا قلنا إن الاستجابة للأزمة تكمن في أن يضع كل بلد خطة، كبيرة قدر الإمكان بالنسبة إلى الدول القادرة على ذلك، وبحسب قدرة كل دولة للبلدان الأخرى، لن يكون ذلك محتملًا على الصعيد الاقتصادي”.

أما في حال عدم الاتفاق بين الدول الـ 27، لا تستبعد باريس أن تتوفر “صيغ محدودة أكثر لوسائل التضامن”، كما اعتبرت فرنسا، أن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ستبقى مغلقة حتى الصيف على الأقل. في المقابل تأمل في فتح أسرع للحدود بين الدول الأوروبية خاصة الحدود الفرنسية الألمانية المغلقة حالياً أمام دخول وخروج العاملين في المناطق الحدودية.

عودة للبداية

ظهرت خلافات عديدة بين الدول الأوروبية منذ انتشار وباء كورونا، كان أبرزها الاتفاق على إصدار السندات والتي عرفت بـ “سندات كورونا”؛ التي ستسمح للبلدان الأكثر تأثراً بفيروس كورونا المستجد بجمع التمويل عبر أسواق المال تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، لكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي شددت على الحاجة لضبط الموازنات رفضت هذه المقترحات بشدة.

في حين تطالب إيطاليا وإسبانيا – الأكثر تضررًا من الجائحة في القارة الأوروبية – بدعم من فرنسا وبعض كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، بـ “سندات كورونا” لجمع التمويل.

حيث ازداد التوتر على مدى الأسابيع بين أعضاء الاتحاد، بما في ذلك إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا، التي تريد أن يتم الإفراج عن سندات اليورو لجمع الأموال، والدول المحافظة ماليًا مثل ألمانيا وهولندا، والتي تجادل لمزيد من التدابير المقيدة.

وكانت، أورسولا فون دير لين، رئيسة المفوضية الأوروبية بالاتحاد الأوروبي، أصدرت مقالًا دعت فيه الدول الأعضاء بالتكتل الأوروبي إلى زيادة ميزانية الاتحاد ووضع “خطة مارشال” أوروبية.. بشكل يشابه خطة مارشال الأمريكية التي أنقذت القارة العجوز بعد الحرب العالمية الثانية، بتحفيز أمريكي خاص لأوروبا الغربية التي خرجت منهكة من الحرب.

إلى ذلك، ظهرت خلافات داخل الاتحاد الأوروبي في الفترة الماضية، في الوصول إلى اتفاق بشأن وضع خطة لمواجهة تداعيات كورونا التي تستهدف مساعدة الدول المتضررة من الجائحة، بجانب دعم الشركات والمحافظة على الوظائف من الشطب.

آخر تلك الخلافات، اعتراض المفوضية الأوروبية على قرار رومانيا المتعلق بحظر الصادرات الزراعية؛ حين أعربت المفوضية الأوروبية عن رفضها القرار، وقالت إنها تقيّم مدى تأثير هذه الخطوة على التجارة داخل السوق الأوروبية الموحدة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©