احتكار العلم واعتقال العقل باسم الدين

تتجلى أهمية هذا البحث في شيطنة المؤسسات الدينية التقليدية للعلوم الإنسانية والطبيعية مقابل العلوم الدينية؛ لم تنتهِ هذه الشيطنة حتى يومنا هذا؛ على الرغم من حاجة البشرية إليها.

تناقش هذه الورقة هذه القضية من خلال المحاور الآتية:

  • المعارف الدينية تسير بعكس منهجية العلوم الإنسانية بنيوياً.
  • موقف بعض علماء الإسلام السلبي من العلوم الدنيوية.
  • علماء تقليديون يفسّقون ويكفّرون علماء نفتخر بهم اليوم.
  • المؤسسة التعليمية في تاريخ المسلمين.
  • فتوى تحريم الطباعة.
  • هل تراجعت سلطة علماء الدين أم تراجعوا عن فتوى السابقين في ذلك؟.

مدخل

مارس أغلب رجال الدين الإسلامي -بمختلف مراتبهم ومذاهبهم وألقابهم- السلطة الدينية منذ نهايات القرن الثاني الهجري، وتزايدت سلطتهم مع الزمن كمستوى ثانٍ بعد السلطة السياسية، بخلاف السلطة الكنسية المسيحية القروسطية التي كانت في المستوى الأول سلطوياً. رُسّخت هذه السلطة من خلال سنن عدّة فُرِضت مع الزمن، حتى لو عارضها بعضهم، وأهمها: منح الشيوخ أنفسهم المرتبة الثالثة في أحقية التشريع بعد القرآن والسنة من خلال فرض الإجماع، الذي ينال من يعارضه على الأقل النبذ والتفسيق إن لم يكن التكفير[1]. بعد هذا التأسيس “التشريعي الديني”، احتكر الشيوخ الكلام باسم الدين، وقسموا المجتمع المسلم إلى “الخاصة” وهم أهل العلم الديني والسلطة السياسية والاجتماعية، و”العامة” وهم عموم الناس ممن لم ينالوا علما دينيا؛ وذلك أدى إلى أنهم أيضا سيطروا على أغلب أدوات العلم والتعلم. فلم يغادر رجال الدين الإسلامي سنة احتكار العلم التي مارسها رجال الأديان أغلبهم عبر التاريخ البشري، باستثناء الحضارة الإغريقية والرومانية قبل أن تصبح مسيحية.

لا يناقش البحث أهمية العلم والتعلم بوصفها إحدى مؤسِسات الدين الإسلامي في جوهره الأصلي، فالتحريض على التعلم والتفكير والمناقشة والشك من أساسات الخطاب القرآني. لكنه يناقش كيف تناول الشيوخ المسلمون هذا المفهوم وكيف فسروه وتعاملوا معه، وكيف فرضوه على المجتمعات الإسلامية بحكم سلطتهم المعنوية إلى يومنا هذا، من خلال مقارنة بنية المعارف الدينية ببقية المعارف البشرية، وموقف الشيوخ من العلم والتعلم ماضياً وحاضراً، وطرح مثال على أحد الأحداث الكبرى التي أخرت النهضة العلمية وهو دخول آلة الطباعة إلى الدول الإسلامية.

هذا الكلام لا يعني أبدا تحميل التيار الإسلامي السياسي أو الدعوي الآثام كلها، فهذا كلام خارج العقل والمنطق، لكن في الوقت نفسه إهمال دوره الأساسي والسلبي سيكون إما خوفاً من جدار المحرم الذي أنشأه شيوخ الإسلام، أو تقديساً له وفق منهج النقل الذي سيطر على تاريخ المسلمين خلال الألف سنة الأخيرة.

قبل المضي في هذا البحث لا بد من توضيح أن كلمة “شيوخ” ضمن هذا البحث تشمل رجال الدين الإسلامي بمختلف مذاهبهم ومراتبهم وألقابهم وتخصصاتهم، وأيضاً فإن استخدامها لا يعني التعميم بالمطلق على الشيوخ كلهم في أي فكرة ترد ضمن البحث بل على الأغلبية منهم.

المعارف الدينية تسير بعكس العلوم الإنسانية بنيوياً

تتشكل المعارف الإنسانية تراكمياً عبر الزمن، فكل جيل يعرف ما عرفه من سبقه ويضيف إليه، وكذا العلوم الإنسانية كلها والمعارف الدينية. لكن الفرق الأساسي بين المعارف الدينية وبقية العلوم الإنسانية والخبرات البشرية هو أن المعارف الدينية تراكمية لكن بصورة مقلوبة وليست مثل بقية العلوم. فعلوم الرياضيات أو الطب وغيرها من العلوم الطبيعية والإنسانية –على الرغم من أن جديدها يستفيد ويبني على قديمها- لكن الجديد فيها له سلطة احتواء أو تعديل أو إلغاء القديم، فقانونها أن الأصح والأحق هو الأحدث وليس الاقدم، مهما بلغت عبقرية القديم في زمانه. أما في ما يسمى علوم الدين، فكلما مرّ الزمن زادت سيطرة القديم وأولويته على الجديد، فحقل المعارف الدينية يرفض قانون التطور الزمني؛ وهذه إشكالية واجهت الأديان كلها في العالم ومنها الإسلام.

سبب هذه المنهجية الإنسانية في القراءة الدينية يعود إلى أن كل دين له نقطة بداية، تمثل ظهور الرسالة الدينية بقدسيتها كلها عبر النبي الرسول وما ينقله من نص أو تعاليم إلهية مقدسة، هذا التقديس هو أساس الدين طبعاً ومن ثم ليس محل مناقشتنا هنا، لكن المشكلة التي تظهر مع مرور الزمن، هي أن التطور المعرفي الديني وبسبب عملية إسناد معارفه إلى الأصل المقدس الأول، يوسع دائرة المقدس لتشمل معاصري زمن الأصل المقدس (الرسالة أو التبليغ أو التبشير)، ثم الأقرب إلى ذلك العصر، فالأقرب للأقرب وهكذا دواليك. دائرة المقدس هذه تنمو تلقائيا، ومن دون وعي في أغلب الأحيان، لكن مع مرور الزمن تبني معصوميتها وقلاعها، فلا تنحصر الإحالة والتدليل والحجة على الأصل المقدس الأول، بل أيضا على قراءات الأقرب زمنياً إلى الأصل المقدس، فيسيطر فكر أهل الماضي على عقول أهل الحاضر الذين بدورهم يجهزون أدوات السيطرة الفكرية على عقول أهل المستقبل.

موقف بعض العلماء من العلوم غير الدينية

رسخ شيوخ الإسلام مفهوم أن العلوم ذات الأفضلية والمكانة والمفروضة على المسلمين هي العلوم الشرعية إضافة إلى بعض علوم الطب والحساب، ولعل أفضل قراءة لموقفهم من العلم يرد في كتاب الإمام أبي حامد الغزالي “إحياء علوم الدين”. فهو يؤكد أن أشرف العلوم هي علوم الدين إذا يقول: “وبهذا تبين أن أشرف العلوم العلم بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله والعلم بالطريق الموصل إلى هذه العلوم فإياك أن ترغب إلا فيه وأن تحرص إلا عليه”. كذلك فهو يفسر الحديثين “طلب العلم فريضة على كل مسلم” و”اطلبوا العلم ولو بالصين”، ووفق سعة علمه بما قاله من سبقه أو عاصره من شيوخ الإسلام، بأن هذا العلم كفرض عين أو فرض كفاية هو علوم الدين بمختلف تفرعاتها، ويضيف إليها علمي الحساب والطب وعلوم بعض الصنعات الضرورية للناس في حياتهم[2].

لكن ما هو فرض العين إذاً في رأي الغزالي بحسب ما رأى، ورأى أغلب من سبقه؟ إنه علم “الاعتقاد، والفعل، والترك”، أي إن على كل مسلم أن يتعلم على الأقل: الاعتقاد بالشهادتين عقلاً أو تقليداً، وأن يعرف كيف يؤدي الفروض بأركانها، وأن يترك الحرام[3]. فلا يشمل العلم بوصفه فريضة عين تعلم القراءة والكتابة، ولا يوجد عالم أو شيخ مسلم بحسب بحثي عارض هذا التصنيف ماضياً أو حاضراً، بأن قال إن المقصود من الآيات والأحاديث التي تحض على العلم هو أن تعلم القراءة والكتابة هو فرض عين على كل مسلم؛ هذا الموقف من إهمال أهمية القراءة والكتابة هو موقف تقليدي من رجال الدين عموما، فهو موقف يقوم على نظرة فوقية إلى عامة الناس؛ وهو موقف متكرر في كتب القدماء والمعاصرين، والغزالي يوضح هذا الموقف درجة الدعوة إلى كفّ الناس عن بعض العلوم، مثل الفلسفة، فيقرر “ولا ينكر كون العلم ضاراً لبعض الناس كما يضر لحم الطير وأنواع الحلوى اللطيفة بالصبي الرضيع، بل رب شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور”[4]. قد يقول قائل إن هو إلا موقف الإمام الغزالي فقط، لكن من يمضي في قراءة “كتاب العلم” ضمن كتابه “إحياء علوم الدين”، يرى أن الغزالي لا يبني رأياً شخصياً بل يستشهد بكلام كبار الشيوخ ممن سبقوه مثل الشافعي والمالكي وغيرهم.

هذا الموقف من العلم لا يتوقف عند تقديم علوم الدين على العلوم الأخرى، بل يتعدى إلى الدعوة إلى نبذ كثير من علماء المسلمين الكبار الذين أبدعوا في علوم الطب والفلسفة والكيمياء والفيزياء والرياضيات والفلك وتفسيقهم وتكفيرهم، الذين تدين لهم الحضارة البشرية كلها، والذين لم يعلم عموم المسلمين فضلهم إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. فعلى سبيل المثال أورد ما قاله كبار شيوخ الإسلام في حق بضع من أشهر علماء المسلمين.

ابن سينا[5]

ذكر الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء “قد سقت في “تاريخ الإسلام” أشياء اختصرتها، وهو رأس الفلاسفة الإسلامية، لم يأت بعد الفارابي مثله، فالحمد لله على الإسلام والسنة. وله كتاب “الشفاء”، وغيره، وأشياء لا تحتمل، وقد كفره الغزالي في كتاب “المنقذ من الضلال” وكفر الفارابي”[6]. كما أن ابن الصلاح في كتاب “فتاوى ابن الصلاح” وفي رد على سؤال: “مَسْأَلَة فِي جمَاعَة من الْمُسلمين المنتسبين إِلَى أهل الْعلم والتصوف هَل يجوز أَن يشتغلوا بتصنيف ابْن سينا وَأَن يطالعوا فِي كتبه وَهل يجوز لَهُم أَن يعتقدوا أَنه كَانَ من الْعلمَاء أم لَا؟ أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَا يجوز لَهُم ذَلِك وَمن فعل ذَلِك فقد غرر بِدِينِهِ وَتعرض للفتنة الْعُظْمَى وَلم يكن من الْعلمَاء بل كَانَ شَيْطَانا من شياطين الْإِنْس”[7].

جابر بن حيان[8]

قال فيه ابن تيمية “وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية، فمجهول لا يعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم” وتابع القول في تحريم الكيمياء فقال “والكيمياء أشد تحريماً من الربا”، وكان قبل ذلك قد استدل بحسب عقله وعلمه بزمانه، بحجة مضحكة مبكية إذ قال “ولم يكن في أهل الكيمياء أحد من الأنبياء، ولا من علماء الدين، ولا من مشايخ المسلمين، ولا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان”[9].

الخوارزمي[10]

قال فيه ابن تيمية “وهو المشهور باختراع الجبر والمقابلة، وكان سبب ذلك المساعدة في حل مسائل الإرث، وإن كان صحيحا فإن العلوم الشرعية مستغنية عنه وعن غيره، لأنه مُنَجم ومترجم لكتب اليونان”[11]، وللأسف لم يعرف المسلمون قيمة الخوارزمي حتى أخبرهم الغرب بعد قرون أن ما قدمه الخوارزمي في علم الجبر وإدخال الصفر يُعتبر من أكبر الإضافات في تاريخ الرياضيات ومن ثم العلوم كلها.

علماء آخرون

سريعاً أورد أخبار ما فعلوه مع آخرين من العلماء، الذين لم نعرف فضلهم إلا مؤخراً. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الكندي: “كان يقال له فيلسوف العرب، وكان متهماً في دينه بخيلاً ساقط المروءة”؛ قال ابن القيم في “إغاثة اللهفان” عن أبي بكر الرازي “إن الرازي من المجوس” و”إنه ضال مضلل”؛ وعن ابن الهيثم: “إنه كان من الملاحدة الخارجين عن دين الإسلام، وكان سفيها زنديقاً كأمثاله من الفلاسفة”.

هل ما ورد من مواقف لكبار شيوخ الإسلام انتقائي؟

في الواقع لم أجد أي مصنف إسلامي أو كتاب في علم الرجال وطبقاتهم قال كلاماً يعلي فيه من شأن من ذكرنا من كبار العلماء الذين قدموا إلى الإنسانية والمسلمين علماً أهم وأكثر نفعاً من كثير مما قدمه عيد من كبار شيوخ المسلمين. فالإسلام يقرر في القرآن الكريم أن الله أتم دينه مع وفاة رسوله، وما أتى بعده كله من شروح وتفاسير وتصنيفات وفقه واجتهادات وروايات بجهد محمود في عدد منها في زمانها، لا يمكنه الادعاء أنه أضاف إلى الإسلام إضافة ضرورية لا يقوم الإسلام من دونها، كما يقرّ الشيوخ المسلمون أنفسهم. لكن أمثال العلماء الذين ورد ذكرهم أضافوا كثيراً، مما لو لم يحصل لتأخر تاريخ التطور البشري العلمي قروناً.

هذا الكلام لا يعني الانتقاص من جهد شيوخ الدين الإسلامي وإنتاجهم، لكنه نقد لموقف تاريخي منحهم أكثر مما يجب مقارنة بالعلماء الآخرين، ومقارنة أيضا بأهمية ما قدموه إذ ما قسناه في مدى 1400 سنة، والقياس طبعا ليس بعدد الصفحات والمجلدات بل بالمحتوى المتطور زمنياً.

موقف شيوخ الإسلام من التعليم مرة أخرى

لا تتوقف المشكلة هنا عند موقف أغلب شيوخ الإسلام ضد كثير من علماء المسلمين، بل تتعداها إلى ترسيخ أسوأ مناهج التعليم وهو “التلقين”. فيقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي “اعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوءه ليحفظه حفظاً ثم ما يزال ينكشف له معناه في كبره شيئاً فشيئاً فابتداؤه الحفظ ثم الفهم ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق به وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان” ويضيف “يكون الاعتقاد الحاصل بمجرد التقليد غير خال عن نوع من الضعف في الابتداء على معنى أنه يقبل الإزالة بنقيضه لو ألقى إليه فلا بد من تقويته وإثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترسخ ولا يتزلزل. وليس الطريق في تقويته وإثباته إن يعلم صنعة الجدل والكلام”[12]. ونحن نرى حتى زمننا هذا سيطرة أسلوب التعليم التلقيني للتلاميذ، ليس في علوم الدين فحسب، بل أيضاً في العلوم الأخرى كلها، ولم يجرِ التنبه إلى خطر هذه المنهجية في تدريس الأطفال والطلاب سوى مؤخرا، وبالكاد نرى مدارس عربية استطاعت الخلاص من هذه المنهجية في التدريس ومن ثم في التفكير.

المؤسسة التعليمية في تاريخ المسلمين

كما ذكرت سابقا، فمنذ القرن الرابع عشر ميلادي الذي شهد حياة آخر علماء المسلمين ممن قدموا إنجازاً علمياً كبيراً في مستوى تاريخ العلم البشري وهو ابن خلدون، سيطر واحتكر شيوخ المسلمين العلم والتعليم إلى بدايات القرن العشرين.

فقد بدأ تطبيق التعليم الإلزامي في أوروبا منذ القرن السابع عشر، بينما كان التعليم ما يزال في السلطنة العثمانية رهيناً بالمساجد والكتاتيب التي كانت بأغلبها تلقن الأطفال بضعة سور قصيرة من القرآن الكريم ليحسنوا الصلاة، وقلة منهم من يتابعون تعلم القراءة والكتابة والحساب. على الرغم من أن السلطان العثماني عبد المجيد الأول أصدر عام 1839 فرمان الكلخانة لبدء حركة الإصلاحات في السلطنة الذي ‏تضمن تأسيس نظام تعليمي عام، وتلاه تأسيس وزارة التربية والتعليم Maarif-i Umûmiye Nizamnâmesi عام 1869، إذ أعلن أن التعليم الابتدائي (مدارس الصبيان Sıbyan mektebi) ستكون إلزامية، إلا أن هذا النظام لم يجد طريقه إلى التنفيذ وبخاصة في الولايات خارج تركيا الحالية‏[13]. هذا الإهمال لعملية التعليم أدى إلى أن تدخل الدول الإسلامية كلها القرن العشرين بأعلى نسب الأمية بحسب ما يوضح الجدول المرفق[14].

للأسف لا السلطة السياسية ولا الدينية الإسلامية كان همّها أن تؤسس نظاماً تعليمياً يؤسس لنشر العلم. بل حتى ما يُسمى جامعة الأزهر في مصر، وهي من أضخم المراكز الدينية في العالم الإسلامي وأقدمها، لم تدخل العلوم الطبيعية الأخرى إلى مناهجها سوى في النصف الثاني من القرن العشرين، ولعل قصة صراع الشيخين المجددين جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده مع شيوخ الأزهر في سبيل تحديث المناهج وعصرنتها تعبر عن إشكالية الموقف الكهنوتي التقليدي لرجال الدين ضد العلم عموماً كما تناولها عبد المتعال الصعيدي في كتابه “تاريخ الإصلاح في الأزهر”[15].

من ناحية ثانية تأخر إنشاء الجامعات العلمية التي تدرس علوم الطبيعيات والطب والهندسة والرياضيات وغيرها، فبينما كانت تتسارع انتشاراً في أوروبا منذ القرن الثاني عشر ميلادي، نجد أن أول جامعة عصرية افتُتِحت في إسطنبول كانت جامعة إسطنبول التقنية عام 1928، بينما في البلاد العربية أول الجامعات العصرية كانت جامعات افتتحتها بعثات غربية في نهاية القرن التاسع عشر في لبنان، بينما تأخرت بقية الدول العربية إلى ما بعد بداية القرن العشرين.

السؤال المنطقي هنا: هل هذا كله مسؤولية شيوخ الإسلام وذنبهم؟ الجواب طبعاً لا، ومن يدعي ذلك إنما يجافي العقل والعلم والمنطق. لكن مساهمة شيوخ الإسلام في هذه الحالة والأزمة العلمية التعليمية التي امتدت قروناً طويلة مساهمة ضخمة لا يفوقها تأثيراً سوى سياسة السلطة أو السلطات الحاكمة صاحبة الأمر والنهي. فهذه المجتمعات أقرت وقبلت أن العلم عند الشيوخ، وهم أصواته وهم من يفترض أن يطلقوا حركة العلم والتعليم، وليس عموم الناس؛ فلا التاريخ ولا شيوخ الإسلام يقولون إن أحدهم أو جماعة منهم حاولت مرة منذ القرن الخامس عشر ميلادي إلى اليوم إطلاق حركة إصلاح تعليمي أو نشر للتعليم أو إنشاء جامعات متخصصة علمية.

فتوى تحريم الطباعة

يشكل تصنيع أول آلة الطباعة[16] في أوروبا، في القرن الخامس عشر ميلادي، واحدة من أهم محطات التطور البشري المعرفي، فقد أدى ذلك إلى نشر العلم والمعرفة بين الناس وإخراجه من احتكار طبقة أو جماعة صغيرة تتقن القراءة والكتابة وتملك الوصول إلى الكتب. وقد انتقلت الفكرة بحكم الجوار الجغرافي إلى الإمبراطورية العثمانية في نهاية القرن الخامس عشر، لكن السلطان بيازيد الثاني أصدر فرماناً منع فيه استخدام آلة الطباعة للطباعة بالأحرف العربية، أي باللغة العربية والعثمانية، بناء على فتوى من شيوخ السلطنة العثمانية في إسطنبول[17]، بينما استخدمها بعض اليهود والأرمن للطباعة بلغتهم؛ كما أن شيوخ الأزهر أصدروا فتوى تحرم طباعة الكتب الشرعية[18]، لم تتغير الحال حتى القرن الثامن عشر حين سمح السلطان أحمد الثالث باستخدامها في الطباعة باللغة العربية والعثمانية[19]. ومن المعلوم أن اختراع المطبعة كان من أهم المفاصل التاريخية في مسيرة التطور البشري العلمية، وللمطبعة فضل أساسي ومحوري على النهضة العلمية الأوروبية، والتقدم العلمي عموما؛ فليس تحريم آلة الطباعة مع ما يمثله ذلك من دفع للحركة العلمية ونشر للمعرفة عملاً بسيطاً وسهلاً في تاريخ الشعوب. اللافت للنظر في هذه “الخطيئة الكبرى” أن عدداً غير قليل من شيوخ عصرنا يرفضون حتى توجيه النقد أو الإدانة لتلك القرارات “الظلامية”، فموقع “إسلام ويب”، وهو من أكثر المواقع الإسلامية وثوقية ومتابعة عند كثير من شيوخ المذهب السني، يفرد مقالاً لتسويغ ما حصل واختلاق الأعذار والمسوغات له، ويصرّ على خطأ نقده أو محاسبته[20].

هل تراجعت سلطة علماء الدين اليوم أم تراجعوا عن فتوى السابقين في ذلك؟.

استمر ما سنّه شيوخ الإسلام الأوائل من أن أفضل العلم وأشرفه هي العلوم الدينية، وأن هذه العلوم الدينية ليست مباحة للعوام، بسبب غبائهم وجلافتهم كما عبر الغزالي[21]. وقد قال كبار العلماء المسلمين في العصر الحديث ما قاله أسلافهم حول أن العلم المحمود هو فقط العلم الشرعي، وما عداه إنما يخضع للسؤال بحسب الحالة، وكما حدد الشيخ ابن عثيمين في فتاواه “إذاً فالعلم الشرعي هو الذي يكون فيه الثناء ويكون الحمد لفاعله، ولكني مع ذلك لا أنكر أن يكون للعلوم الأخرى فائدة، ولكنها فائدة ذات حدين إن أعانت على طاعة الله، وعلى نصر دين الله، وانتفع بها عباد الله فيكون ذلك خيراً ومصلحة، وقد يكون تعلمها واجباً في بعض الأحيان إذا كان ذلك داخلاً في قوله تعالى:

وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ[22]

في بدايات القرن العشرين حتى أواسطه تصدى الشيوخ لكل جديد، وبخاصة أن كل جديد أتى من الغرب، الذي لا يرونه سوى عدواً تاريخياً “صليبياً، فعارضوا الطب الحديث، وعارضوا حتى السيارات والعجلات، وأقاموا حروبا ضد الفنون وبخاصة السينما والتلفزيون، حتى أن شيوخ الوهابية في السعودية عارضوا تأسيس منظومة البرق والهاتف التي أرادها الملك عبد العزيز. بل إن شيوخ أغلب الدول الإسلامية وقفوا ضد تدريس الفلسفة والمنطق لطلاب المدارس، فإن درست فيجري ذلك في أضيق السبل، راجع فتوى شيوخ موقع إسلام ويب في هذا الشأن[23]. علاوة على تدخلهم ومعارضتهم لتدريس نظرية التطور التي تشكل أساس العلوم البيولوجية في جامعات العالم كلها، وفرضهم -إن استطاعوا- تكبير حصة تدريس المواد الدينية للطلاب في المدارس كلهم.

هل شيوخ الإسلام المعاصرين كلهم يتوافقون على هذه المواقف؟ بالطبع لا، لكن مواقفهم التي تسمى أكثر اعتدالاً، لا ترقى إلى نقد منهجية النظر إلى العلم، ولا تعطي العلوم غير الشرعية أفضلية على العلوم الشرعية. فالشيخ يوسف القرضاوي الذي يُعد برأي كثيرين مجدداً كبيراً، في تناوله لقضية العلم، وعلى الرغم من جرأته في نقد بعض مما قاله السلف، إلا أنه لا يجرؤ على رفع أهمية العلوم “الدنيوية” كما يسميها إلى مرتبة تفوق العلوم “الدينية”، ولا يجادل بإعادة النظر بما قاله الغزالي حول ما هو العلم فرض العين، فلا يجرؤ أن يقول إن الكتابة والقراءة والحساب، أي التعليم الإلزامي الابتدائي، وحتى في تناوله لما سماه “العقلية العلمية في المنظور القرآني” هو لا يشير أبداً إلى أهم محركات التطور العلمي الفلسفية وهو “مبدأ الشك”[24].

الخاتمة

التراكم التاريخي لسياسات السلطات الحاكمة العربية والإسلامية الشمولية الظالمة، مضافاً إلى التراكم التاريخي لمواقف شيوخ الإسلام من العلم والتعلم والمجتمع، إضافة إلى انتشار نظرية المؤامرة المزعومة ضد المسلمين والعرب وسيطرتها، أدى إلى ترسيخ ثقافة تستهين بالعلم ومنهجيته وأهميته، وتحجر حرية التفكير والشك والإبداع، ومن ثم أدى إلى زيادة صعوبة انطلاق هذه المجتمعات نحو الحداثة والتطور وتأسيس الدول الحديثة. فالفارق الأساسي بين الدول المتقدمة علمياً والدول النامية أو المتخلفة علمياً لا يكمن في مستوى ذكاء الأفراد، فهذا معدل ثابت بين الشعوب كلها، ولا في كمية الكتب والمراجع المتاحة للدراسة، فهذه مباحة للجميع؛ ولا في الإمكانات المادية، فبين الدول الإسلامية من يملك إمكانات مادية وطبيعية هائلة، ولا في حجم الدول سكانياً أو جغرافياً. بل يكمن في تأسيس ثقافة العلم والمنهج العلمي في التفكير والعمل والتفاعل والإنتاج وحرية الإبداع.

لقد بدأت شعوب هذه المنطقة التحرر من سيطرة السلطة السياسية الشمولية الفاسدة والمطالبة بالحريات والكرامة الإنسانية، وآن لها التحرر من منهجيات تفكير رجال الدين التي فُرِضت خلال قرون طويلة، لأنها منهجيات معوقة لأي تطور علمي وحضاري مأمول، وهو تحرر مهم جداً لحماية الدين الإسلامي نفسه من السجن الذي وضعه فيه شيوخه بمذاهبهم كلها.


المراجع

[1] راجع دراسة “الإجماع: حجة ملزمة أم مغالطة فقهية كبرى”، للكاتب على موقع مينا، 23/07/2018

http://mena،monitor.org/ar/page1524/الإجماع:_حجة_ملزمة_أم_مغالطة_فقهية_كبرى

[2] “إحياء علوم الدين”، أبو حامد الغزالي، ربع العبادات، كتاب العلم، الباب الثاني: في العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما. دار ابن حزم 2005.

[3] المرجع (2).

[4] المرجع (2)، الباب الثالث: في ما يعده العامة من العلوم المحمودة وليس منها.

[5] ابن سينا، الشيخ الرئيس وأمير الأطباء، والذي بقيت كتبه عماد تدريس الطب في جامعات أوروبا حتى القرن 17.

[6] “سير أعلام النبلاء”، الذهبي، الطبقة الثالثة والعشرون.                

[7] ‏”فتاوى ابن الصلاح”‏، صفحة 209، المسألة 55.

[8] جابر بن حيان: أبو الكيمياء، مكتشف الصودا الكاوية وماء الذهب وأول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ بوساطة الأحماض، وأول من صنع ورقا غير قابل للاحتراق.

[9] “مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية”، الجزء 29، صفحات 368 إلى 374، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف 1415 هـ.

[10] الخوارزمي: مؤسس علم الجبر وأول من أدخل الصفر الذي إلى اسمه تنسب كلمة “لوغاريتم” التي ما زالت تسود علوم الرياضيات.

[11] المرجع (5)، المجلد التاسع.

[12] المرجع (2)، كتاب قواعد العقائد، الفصل الثاني في وجه التدريج إلى الإرشاد وترتيب درجات الاعتقاد.

[13]  “التعليم في المجتمعات المتعدة الثقافات: المنظور السويدي والتركي”، ماري كارلسون، أنيكا رابو، فاطم اغوك، معهد البحث السويدي، إسطنبول، 2007.

[14] تقرير بعنوان “تطور التعليم في عدة دول” “Progress of literacy in various countries”، صادر عن اليونيسكو UNESCO، 1953

[15] “تاريخ الإصلاح في الأزهر”‏، عبد المتعال الصعيدي، الطبعة الأولى 1943 القاهرة، الطبعة الثانية الهيئة العامة لقصور الثقافة 2011.

[16] يعتبر الصينيون هم أول من اخترع آلة طباعة تاريخياً، على الرغم من أنها لم تلاقِ انتشاراً كافياً في الشرق.

[17] ورقة بحثية “السلاح والكتب: التشريع والثورة والتغيرات التقنية في الإمبراطورية العثمانية”، جامعة كونيكتيكوت الأمريكية، 2009

https://opencommons.uconn.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1256&context=econ_wpapers

[18] محاضرة صوتية عن كتاب ” المنهجية في قراءة الكتب” للشيخ عبد الكريم الخضيري يقول فيها “في أول الأمر، في بداية الطباعة أفتى بعض شيوخ الأزهر بتحريم طباعة الكتب الشرعية، وأجازوا طباعة كتب التواريخ، والأدب، واللغة، وما أشبهها. ولا شك أن هذه، ل اسيما في أول الأمر، نظرة طبيعية؛…”

http://shkhudheir.com/lecture/2009905654

[19] مقال بعنوان “الأسطورة والحقيقة حول الطباعة في الإمبراطورية العثمانية”، جريدة ديلي صباح التركية، 8/5/2015

https://www.dailysabah.com/feature/2015/06/08/myths،and،reality،about،the،printing،press،in،the،ottoman،empire

[20] ردا على سؤال ” موقف العلماء من الطباعة أول ما بدأت وهل صدرت فتوى في الدولة العثمانية بتحريمها”، رقم الفتوى: 183651

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=183651

[21] المرجع (2)، كتاب العلم، باب “في الشواهد العقلية”، يقول الغزالي “وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ الأعلى، هذا في الآخرة وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع حتى إن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة بل البهيمة بطبعها توقر الإنسان لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها”

[22] ” مجموع فتاوى ورسائل العثيمين”، الجزء الثاني عشر، كتاب العلم، فصل تعريف العلم.

[23] موقع إسلام ويب، حكم دراسة الفلسفة، رقم الفتوى: 221035

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=221035

[24] “مفهوم العلم وتكوين العقلية العلمية فى القرآن الكريم”، الدكتور يوسف القرضاوي، موقع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية

http://islamset.net/arabic/asc/alalom/kradawe.html


هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.