استراتيجية الإسقاط والتجنيد عند الإسلامويين (سيسيولوجيا صناعة التطرف)

دراسات في تفكيك منهج التطرف (1)

هل يمكن تحويل مجموعة من الناس إلى مجموعة مستعدة للموت في سبيل أفكارها، معتقدة أنها هي صاحبة المشروع الإسلامي القادم على الأرض؟! وهل يمكن أن يتحول بضعة أفراد إلى مُشرّعين يستقطبون المئات والآلاف بحجة أنهم يقومون بإعادة تكوين خلافة إسلامية جديدة، وكيف يمكن أن يُصدق هذا الأمر أولئك المنتمون لهذه الجماعات، ومن بينهم مثقفون ومبدعون في مجالات عديدة، وكيف ينفصلون عن عالمهم وينتمون إلى عالم مرعب؟!

تغيب فيه كل الأسئلة والاستفسارات، وتحضر بدلاً منها الأوامر والتعليمات، بما فيها الأمر لهم بالموت. فإذا طلب منهم المسؤول عنهم في التنظيم الموت فعلوه، إنها مسألة في غاية التعقيد، كما كان يجري لدى جماعة الحشاشين في القرون الوسطى(1) وهذا ما نحاول الإجابة عليه، فكيف يمكن خداع الإنسان البسيط بأفكار التطرف، وكيف يمكن فعل ذلك مع المثقف، وأين هي زاوية السقوط؟

تشكيل الهوية المضطربة

سياسة الأبواب المفتوحة، هي السياسة الوحيدة التي تتيح للناس التفاعل مع الآخرين وإيجاد آليات للتعامل معهم، وهي أول خطوة يتنبه لها المتطرفون حيث يعملون على عزل الفرد عن محيطه الخارجي، القريب والبعيد معاً، بذريعة القلق عليه من الفتنة، ثم تبدأ عملية غسيل الأدمغة وفق طرق تأخذ جوانب عديدة، أهمها إبراز أهمية الجماعة الدينية التي بات ينتمي إليها، ثم تأتي مسألة إقناعه بالتمايز بين الجماعة التي ينتمي إليها وبقية الجماعات الإسلامية الموجودة في المحيط، لتأتي الخطوة التالية التي تعتمد على إيجاد مبررات هذا التمايز، من خلال إغراق الفرد بسيل من العيوب التي توجد لدى الجماعات الثانية ما يجعله يشعر أنه بالفعل بات ينتمي إلى أفضل جماعة قائمة على وجه الأرض، وهذا الشعور لا يكتمل لديهم إلاّ بإقناعه أنهم الجماعة الوحيدة القادرة على التصدي للدول الغربية.

لكي تكتمل فكرة المكوِّن الجهادي داخل بنيته النفسية يعملون على تأويل النصوص في معاداة عموم الغرب، أو غير المسلمين وذلك بما يخدم برامجهم في الاستقطاب، ويأتي هذا التأويل على نقيض للمعنى القرآني واضح الدلالة (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)(2) ما يعني أنهم يعملون على تأسيس عقلية الجهادي على فكرة رفض الآخر وعدم قبول الحوار معه. (والآخر) هنا، هو من يخالفهم، حتى بقية الجماعات الدينية، وهو ما شاهدناه بوضوح بين الجماعات الجهادية في سوريا، من خلال استباحتهم دم بعضهم بلا أي اكتراث. وبذلك يمكن القول: إن بداية الفكر الجهادي تتكون من خلال سياسة العزل للجهاديين عن بقية المجتمع، من أجل إعادة بناء هوية هؤلاء الجهاديين كقوة مضطربة التفكير والوعي، مسلوبة التوازن في إدارة الأمور أو استيعابها، مضطربة بإفراغها من الحس الإنساني، ومسلوبة الإرادة والتفكير لأن مرحلة استقلال العقل تنتهي هناك.

عالم الجماعات الإسلامية بالمجمل هو عالم مغلق تماماً، وأما عالم التطرف فهو التعبير الحقيقي عن ذلك المكنون الداخلي. فالعالم بالعموم مليء بالطوائف الدينية المغلقة، لكن ذلك غالباً ما يؤثر على الجماعة نفسها ويسبب لها العزلة، غير أن الإشكالية تبدأ عندما تؤمن هذه الجماعة بضرورة فرض أفكارها وتعميم تفسيراتها الدينية على المجتمع، وأحياناً تكون المشكلة أكبر من ذلك. عندما تأخذ الجماعات الدينية على عاتقها مسؤوليات تغيير المجتمع بنفسها بشكل مباشر، وصولاً إلى استخدام أساليب غاية في العنف، كما حدث في استخدام الغازات السامة في قتل المدنيين من قبل طائفة أوم شينريكيو(3) في اليابان 1994-1995 وتبقى بالمقابل تلك الجماعات محدودة الأفراد، ما يعني أن ثمة عوامل نفسية ومجتمعية لها علاقة بنشأة الأفراد وطبيعتهم التي تدفعهم للتورط في ارتكاب جرائم خارج نطاق المنطق العقلي، وتحسب هذه الأمور بقدرها.

وقد تبرز هناك صورة أخرى، نتيجة الحروب والتبدلات السياسية، حيث تضيع الهوية الوطنية، وتصبح الهوية الدينية هي هوية التمييز في المجتمع، ومن أكثر المآسي في عصرنا الحالي، حروب الانفصال بين الهند والباكستان(4)، وهي حرب بقيت تخلف النار تحت الرماد، ثم حرب البوسنة والهرسك،(5) التي أثرت نسبياً في ثقافة الجهاديين العرب، إذ التحق قسم منهم فيما بعد بتنظيم القاعدة(6). وهذه واحدة من الإشكاليات التي خلفتها الحرب الأفغانية وحرب البوسنة، حيث باتت هناك هوية جهادية تنتقل عبر الحدود، لم تدرك مجتمعاتنا العربية خطورة ذلك، ولم يكن يظهر القلق على صورة المستقبل آنذاك وكيفية حضورنا أو تأثرنا به.

 مشاكل الهوية الدينية أو المذهبية هي واحدة من أخطر ما يواجه مستقبل أي دولة، مهما كانت هذه الدولة تحتفظ لنفسها بإرث سياسي أو ثقافي أو اجتماعي وغيره، فالحروب الدينية قلما سلمت منها أمة عبر تاريخها، النتيجة النهائية لأي حرب تحمل صبغة دينية، هي كارثة إنسانية على المنتصر والمهزوم معاً، لأن تبعات الحروب الدينية لا تنطفئ شرارتها بسهولة، وقابلة للتجدد مهما كان الفاصل الزمني بين الحروب طويلا.

 على حافة المعلومة

في كل زمن هناك أشخاص يعيشون على حافة المعلومة، لا يملكون من الحقائق أو المعرفة بالأمور إلا قدراً محدوداً، وهؤلاء يسهل على القوى المؤثرة في المجتمع استخدامهم، وهي صورة موجودة في مجتمعاتنا عبر سمات متعددة، وسبب ذلك أن مجتمعاتنا لا تعرف أصلاً ماذا يدور خلف الأبواب المغلقة لدوائر السلطة. فالجيش، والاستخبارات، والإعلام وحتى المؤسسات الأكاديمية، تبقى واقعة عموماً تحت وطأة معلومات شحيحة غالباً ما تكون غير حقيقية، لأن نظام الدولة في بلادنا حريص على عدم تسريب أسرار القصر وكل ما يدور في دوائر السياسة، لهذا السبب، تكونّت لدينا خلال العقود الماضية أجيال علاقتها بحقيقة المعلومة علاقة صفرية، ما جعل بعض الزعماء يحصلون على تمجيد لا يستحقونه، بمقابل ذلك كانت تسحق نخباً مثقفة تمتلك عبقرية متميزة لأسباب تتعلق بفكرة الاختلاف الذي يعدُّ من المحرمات.

 فالحزب الحاكم يعيش بين القمع والاضطهاد لمعارضيه، وبين التضليل المبرمج لبقية المجتمع، وخصوصاً في القطاع التربوي، كما فعل حزب البعث في سورية، عندما سيطر على كامل مفاصل التعليم من الابتدائي حتى الجامعي، وهو ما أنتج نخباً حزبية، تحولت إلى كتلة صلبة داعمة للنظام رغم حجم اضطهاده وجرائمه. إذ عملت هذه النخب على تقديم رأس النظام ورموزه أمام المجتمع بدرجة عالية من القدسية، ثم دفعوا بحزب البعث وملحقاته لكي يتحول إلى بنية مضللة، ذات سمات استخباراتية تعمل على خلق تنافر مجتمعي وإثني وطائفي خفيّ، وصل مع بداية الثورة السورية إلى مرحلة أصبح النظام فيها يقود مسألة التنافر، ويخلق الصراعات بين الجميع في سبيل بقائه. فالطبقة التي وضع حزب البعث أسسها داخل المجتمع السوري بُنيتْ على وهم الارتباط المصيري بالنظام، وتضم هذه الطبقة نخباً من مختلف الأطياف، ترتكز على أكثرية مرتبطة مباشرة بالدولة وخصوصاً قطاع الجيش ودوائر الدولة، والتجار ورجال الأعمال ورجال الدين، وأصحاب المصالح الخاصة، ما جعل استحالة ولادة نخب قيادية جديدة في المجتمع السوري خارج هذا الإطار، ومع ندرة النخب المثقفة القادرة على إدراك ما يدور وراء الكواليس، ظل الشارع يعيش أمداً بعيداً عن تلمس طريقه نحو التغيير.

أما فيما يتعلق بالمنظمات أو الجماعات الإسلامية فإن مسألة التأثير الحزبي وشحّ المعلومة كانت تدار بعناية، لكنها تختلف بحسب الجماعة، فالمسألة لدى الجماعات الصوفية تتعلق أولاً بالشيخ، فالارتباط بالطريقة الصوفية هو ارتباط مصيري لا يملك المُريدُ أي خيار سوى الاستماع لشيخه. في الوقت الذي يتنامى فيه التناقض الداخلي ضمن الإطار الصوفي ذاته، إضافة إلى حالة التنافر الطبيعية بين الحركة الصوفية وعموم التيارات الإسلامية، وبذلك دخلت الكتلة الصوفية تحت هيمنة شيخ الطريقة أو الزاوية أو المعهد الديني الذي كان في النهاية أداة النظام، فلم يكن السوريون بحاجة لما يسمى معاهد الأسد لتحفيظ القرآن(7) التي روجت لها الصوفية في دمشق ولكن النظام كان بحاجة لها لأنه كان يريد واجهة دينية يعمل على توظيفها لخدمته، وهكذا تحولت صوفية الزوايا المنعزلة إلى أداة ذات تأثير سياسي داعم رئيسي للنظام، خصوصاً وأنها كانت قد تسللت من المساجد والزوايا ووصلت إلى المنازل والبيوت عبر القبيسيات مثلاً(8) وغيرها حتى أصبحنا أمام جيل يَعدُّ السياسة من المحرمات التي لا تعنيه بتاتاً، وهو الجيل  الذي أثّر بشكل سلبي خلال الثورة السلمية السورية.

على حافة المعلومة هذه مسألة أساسية، وتتأصل فكرياً لدى عقول أعضاء الحزب أو الجماعة عند مختلف أطياف الإسلام السياسي، فالإشكالية في مجتمعاتنا أن فكرة الأحزاب هي جديدة، وبالتالي علاقة جيل الشباب بالأحزاب كان يغلب عليها عدم الإدراك لبنيتها الداخلية وأهدافها وكل ما يترتب على الفرد عند الانتماء إليها من متطلبات أو أضرار أو نتائج ذات طابع إيجابي أو سلبي. وتبرز الإشكالية على نحو أوضح، نتيجة إحساس الشباب أن هناك من يستمع إليهم، وأنه بات يمكنهم المشاركة في الحياة السياسية، وهي بالضبط الفكرة التي تتحول إلى فخ كبير عند الأحزاب الإسلامية أكثر من غيرها، لكون هذه الأحزاب يمكنها السيطرة على الجوانب الروحية والنفسية وبالتالي السلوكية للفرد المنتمي إليها، مستغلة الظروف السياسية العامة في المجتمع، فما تريده منظمات الإسلام السياسي على اختلافها هو الوصول إلى الأفراد، وبالمقابل ما يريده كثير من الشباب هو وجود مساحة للتعبير عن الرأي تتحول لاحقاً الى مساحة للمشاركة في التعبير عن الرأي عندما يصبح هؤلاء الافراد جزءاً من هذه المنظمات التي تسير به نحو العزلة ثم التطرف.

وتبقى الإشكالية عند عضو الحركة أو التنظيم الإسلامي معقدة، لأن العضو في الجماعة الإسلامية يعيش في عالم آخر، بحيث يصبح أسير النصوص المنقولة، وبالتالي، لا يفكر بعيداً عما يصل إلى متناوله من معلومات وفتاوى مصدرها التنظيم ذاته، وبذلك سوف نجد توافقاً لجهة الأداء بين مختلف الجماعات الدينية. فالصوفي عموماً يكون له شيخ واحد فقط، وعليه أن لا يشرك مع شيخه أحداً في المحبة(9).

وأما السلفي أو الجهادي أو الإخواني فهو يستمع لصوت التنظيم دون سواه. فالمشترك بين عموم الإسلاميين هو ضيق مساحة الرأي ومحدوديته، وقلة المعلومة، وانتظار تفسير أي مسألة سواء أكانت دينية أم سياسية من أعلى الهرم التنظيمي، بمعنى إن مفهوم طاعة الأمير(10) في الإسلام جرى التحايل عليه إلى أن أغلق منهج العقل والتفكير، وأصبحت الطاعة عمياء خالصة، وإذا أمعنا في طبيعة الحركة الصوفية في دمشق ودورها في الوقوف وراء نظام الأسد، فمن الصعب جداً عدَّها حركة دينية فقط، إنها واجهة دينية كبيرة، مارست التزوير في تقديم المعلومة، وعزلت الناس عن أداء واجبهم تجاه شعبهم، فتحولوا إلى خدم صامتين يصفقون بحمد النظام.

 حافة المعلومة، تعني إعادة تأهيل جيل من الشباب ليكونوا على قدر محدود من المعرفة، ويوهَمُون بأنهم في المكان والزمان الصحيحين في مسار تغيير حركة التاريخ، هذه هي النقطة الجوهرية في سلب هؤلاء الأفراد إرادتهم، فالصوفي والسلفي والإخواني وعموم الحزبيين، يؤمنون أنهم الإسلام الصحيح، وهم مشروع قوة الإسلام الحقيقي الذي ينتظر البعث من جديد، ما يعني أن عضو الجماعة الإسلامية أياً كان، بات ينسلخ كلياً عن مجتمعه لأنه بات يرى نفسه أنه ينتمي إلى جيش الأمة القادم، على شاكلة حركة حماس، التي توهم عناصرها بأنها تقوم بإعداد جيش صلاح الدين الأيوبي الجديد، بينما في واقع الحال تقوم بإعداد جيل يتوهم صورة غير موجودة، ويمارس نوعاً من الولاء العجيب إذ يغمض عينيه، ليبرر كل فعل مشين تفعله الحركة بحق أهالي غزّة.

نهاية مدارس الفقه الإسلامي

في صدر الإسلام الأول كان مفهوم الإسلام في جانبه الأول هو نبذ الشرك والوثنية، وفي الجانب الثاني هو مسألة عبادة الإله الواحد، بمعنى أن فكرة العقيدة كانت محدودة ومختصرة في نبذ الوثنية وتوحيد الإله، فالدين بالنسبة لهم كان مختصراً ومحدوداً فهو عبارة عن ممارسة (جملة من العبادات) لكن هذه المسألة لم تعد كافية في العصور التالية، فانشغل المسلمون في محاولة إعادة فهم النصوص القرآنية انطلاقاً من العقل، فظهرت مدارس تناولت العقيدة الإسلامية مثل الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرها، وفي الجانب الآخر كانت المدارس الفقهية تتنوع داخل المذاهب الأربعة، ولكن ذلك لم يعد له أي أهمية اليوم أمام جيل الإسلاميين الجدد، الذين باتوا يحددون الهوية الدينية وفق متطلبات خاصة بكل فئة.

فالمطلوب أولاً في عقائد الإسلاميين الجدد الذين وضعوا الأسس التي انطلق منها المتطرفون هو إثبات صحة العقيدة لدى الفرد وصولاً إلى تجاهل كامل المدارس الفقهية حتى داخل المذاهب الأربعة، وبالتالي تحول الدين بين لحظة وأخرى إلى عقائد جديدة وخاصة بكل شيخ على حدة، أو كل جماعة دينية. وما عليك سوى الالتزام بهذه العقائد في أماكن وجود تلك الجماعات، وسيشمل التزامك حتى كامل القضايا البسيطة من الأدعية والأذكار وشكل الوقوف في الصلاة والأنشطة والاحتفالات الدينية، لكن الأهم من ذلك أن لغة الاتهام بالضلالة وصولاً إلى التكفير هي السمة الأكثر وضوحاً، ويأتي التعبير عنها عند اتهام الفرد بالكفر من خلال استخدام العقاب الذي يعني القتل حصراً.

وأما الحاكم المخصص لتوزيع شهادات الكفر من الإيمان فهو ما تسميه الجماعات الدينية بـــ (الشرعي أو المرجع الشرعي) الذي باتت رقاب الناس تحت سطوة رأيه، ولعل أسوأ ظاهرة شاهدناها في سورية، عندما يكون النظام القضائي بيد أجيال علاقتها المعرفية محدودة، سواء بالمحتوى الديني أو بالعرف الاجتماعي الذي هو جزء من مصادر التشريع الإسلامي، فكيف يمكن لشبان صغار أن يعرفوا بواطن الأمور الدينية والاجتماعية ويذهبوا إلى لغة الموت، التي تصبح الأكثر فصلاً في القضايا.

النقطة الجوهرية هنا، إن الغاية من إثارة فكرة تصحيح العقيدة التي ابتدعتها الجماعات الإسلامية هو إظهار كل جماعة لنفسها أنها صاحبة العقيدة الأصح، بمعنى أنها هي الإسلام دون سواها، وبهذا انتهى الجدل الفكري الذي كان في العصور الإسلامية الأولى جدلاً بحدود الآراء الفكرية بين عقول النخب الثقافية بات اليوم جدلاً يقوم على قاعدة دخول الإسلام للفرد أو خروجه منه، وبات التعبير عن الاختلاف الفكري هو في ساحات القتال، كما عبّرت عنه التجربة الأفغانية، قبل تسللها إلى العراق وسوريا عبر البوابة الإيرانية، وهو ما أنهى عملياً حتى دور المدارس الفقهية وفكرة الاختلاف وقبول الاختلاف، نحو خلط كامل للأمور تحت مسمى (العقيدة) إذ يتهم أي شخص بالكفر والارتداد لدى أبسط الأمور ما يعني هدر دمه، بينما في وقت سابق كانت المجتمعات الإسلامية تقوم بتقسيم نفسها على المذاهب الفقهية الأربعة التي تتناول العبادات، قبل ظهور المدارس التكفيرية، التي ترى في نفسها مشروعاً إسلامياً بديلاً وتستقطب أتباعها وتعمل على إعدادهم وفق هذا المسمى.

الاستحواذ على الأنصار:

تشغل مختلف الجماعات الإسلامية المعتدلة وغير المعتدلة نفسها بمسألة الاستحواذ على الأنصار، فما بين ما تعلنه هذه الجماعات، من أنها جعلت العمل الدعوي خالصاً لله بلا مقابل، وبين ما تقوم به على الأرض من صراع استحواذ على الأفراد تبدو صورة هذه الجماعات أكثر وضوحاً، فكل جماعة تحاول جلب أكبر قدر ممكن من الأتباع على حساب الأخرى، وهذا يحدث اليوم، وحدث سابقاً قبل ظهور جيل المتطرفين الجدد.

هناك كانت تبرز أهمية المساجد فيٍ الاستقطاب، من خلال دور الخطباء الذين يمتلكون لساناً خطابياً في التأثير في عقول الشباب، وتعد ظاهرة -أبو القعقاع- في حلب،(11) واحدة من بين القضايا المعقدة التي صنعها النظام واستفاد منها تنظيم القاعدة، وكان ثمة توافق مصالح بين الطرفين، فالنظام كان يسعى لتحريك الجهاديين بغية تحقيق دور سياسي يلعب به في المنطقة، كما فعل في حكاية صناعة منظمة فتح الإسلام في لبنان(12) بينما تنظيم القاعدة كان يريد تأسيس إمارته في العراق بعد الضربة التي تلقتها طالبان آنذاك في أفغانستان وكان بحاجة إلى طريق مفتوحة تجلب له الجهاديين العرب عبر الأراضي السورية.

هنا كانت تبرز أهمية المساجد في الحشد للجهاديين، كونها تختصر طريقاً طويلاً وشاقاً. فمن المستحيل أن تتمكن مجموعة حزبية من جمع هذا العدد الهائل من البشر ولو اشتغلت عليه لأشهر طويلة في برامجها الدعائية، لكن أي جماعة تحمل واجهة دينية، من السهل عليها الوصول إلى القلوب والعقول معاً، وحتى إلى جيوب الناس وكل شيء.

فكرة الاستحواذ التي نشأت في زوايا المساجد، وتجمعات البنية الصوفية أو السلفية، كانت على نحو أو آخر نواة جيل الإسلاميين الجدد، الذين باتوا يطرحون فكرة المشروع الإسلامي أو البديل الإسلامي الذي انطلق بداية من حركة الإخوان المسلمين في مصر وصولاً إلى الجماعة الإسلامية في الباكستان، وكان بمثابة تغيير شامل في مفهوم الدين الإسلامي، حيث أدى ظهور الإسلام السياسي إلى إحداث تحول خطير في بنية المجتمعات الإسلامية التي تأثرت بهذه الفكرة، وذلك لأن الإسلام السياسي قام بنقل الإسلام من جانبه الديني إلى مكوّن سياسي آخر، يمتزج فيه الدين بالسياسة، وسط لعبة معقدة، تم فيها استثمار الدين من أجل إعادة تكوين هذه المجتمعات في قالب سياسي معقد، ظاهره ديني وباطنه حزبي، وكان لحركة الإخوان الدور الأول في هذا، فيما كانت ذات الحركة تتم في المشرق، على يد أبي الأعلى المودودي في الباكستان.

هنا تماماً بات كل من يرتبط بهذا البرنامج الحزبي الجديد يغادر دوره كمسلم ينتمي لديانة قديمة، إلى كائن جديد يصبح انتماؤه لدين إسلامي يقوم على أساس انتماء حزبي ضيق، وهنا تماماً تختفي حكاية الإسلام كديانة، ليتحول هؤلاء الأشخاص إلى جزء من مكون آخر، يصبح فيه الفصل بين الدين والحزب مسألة في غاية التعقيد.

في الجانب السياسي الآخر، عندما ينتمي أي شخص إلى حزب معين، ثم تتكون لديه قناعات محددة بطبيعة انتمائه، يصبح جزءاً من هذا المكون الحزبي الجديد، وعلى هذا المنوال نشأت الأحزاب القومية واليسارية، وعلى هذا المنوال تماماً كان الإسلام السياسي يسير خطوة بخطوة، وعندما يصعب وصف الإسلام السياسي أنه قام على خطا فكرة الأحزاب السياسية الأخرى فهذا لأننا ننظر إلى المكّون الديني فحسب، فنرى فيه امتداداً للحركات الإسلامية طوال العصور السابقة، وأما عند رؤية المشهد من الداخل، فنحن أمام بنية حزبية هي التي تحكم المسار الديني، وهي التي تستغله كما تشاء وكيف تريد وأما الدين فهو مجرد واجهة يمكن من خلالها التلاعب بعقول الناس واستقطابهم والاستحواذ عليهم.

البرنامج الحزبي لمنظمات الإسلام السياسي بما في ذلك تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة (داعش) يبدو بمثابة نصوص دينية شاملة تتناول كامل نواحي الحياة، لكنه في واقع الأمر مجرد برنامج حزبي بإطار إسلامي شكلي فقط، فلا أصول تبقى ثابتة، ويمكن أن يتبدل التفسير الديني بحسب المصلحة السياسية، فقد أعاد البغدادي عصر الرّق، وبيعت الحرائر كجواري من أجل إشباع نزوات أطياف من الشبان واستقطابهم كمقاتلين، وبدلاً من الحفاظ على المسيحيين باعتبارهم أهل ذمة وفق فهم بعضهم، كان البغدادي ينظر فقط إلى أموالهم ليسلبها منهم بحجة أنهم موالون لأطراف خارجية، أضف إلى ذلك ما تُجمع عليه القاعدة وداعش من فكرة جواز قتل المدنيين من غير المسلمين بحجة الرد بالمثل، وغير ذلك كثير، لكن، الأهم من ذلك هو كيف ينجح قادة التنظيمات المتطرفة بإقناع جمهورهم أن ما يقومون به يأتي وفقاً للشريعة الإسلامية؟

القصة باختصار، إن دعاة الإسلام السياسي أخرجوا الدين من دائرة العبادة إلى دائرة السياسة، ثم أمسكوا بالنصوص الإسلامية وقاموا بتحويلها إلى فسيفساء مقطعة الأجزاء، وهذه الأجزاء هي الدستور الذي يستندون إليه، فيقومون بإسقاط ما يشاؤون من تفسيرات على ما يريدون تبريره من الوقائع على الأرض.

الخلافة وديمومة الجهاد

فكرة إعادة إحياء دولة الخلافة من جديد، وربطها بفكرة ديمومة الجهاد حتى قيام الساعة، هي مسائل في غاية التعقيد، أمام إشكالية عدم معرفة مصطلح الخلافة ذاته من قبل الأجيال التي لم تقرأ في التعليم المدرسي قصة ألف سنة من الصراعات الدموية حول السلطة تحت مسمى الخلافة.

فكل ما قدمه التعليم المدرسي هو قصة البطولات أو الفتوحات وغير ذلك، ولكن ماذا وراء تلك الحروب، فهذا مجهول أو يجري تجاهل عرضه في أهم المراكز الدينية التعليمية، وما نعنيه أن المعاهد الإسلامية التي تعمل على تخريج مئات آلاف الطلبة العرب سنوياً تبقى حريصة على عزلهم عن الجوانب السياسية في أزمنة الخلافة، وتضع في عقولهم صورة افتراضية جميلة لواقع لم يكن كذلك، ويراد من هذه الصورة أن تكون موجودة في المستقبل القريب، وقد لعبت الحقبة الأفغانية دوراً مؤثراً في إحياء هذا التفكير الذي لمسنا نتائجه فيما بعد في العشرية السوداء (13) في الجزائر،  ثم جاءت حماس أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وبسبب موقع حماس في فلسطين، حدث تعاطف شعبي كبير مع القضية الفلسطينية، إذ برزت فكرة المشروع الإسلامي (المسلح) وتجذرت بديلاً في العقول، وهناك بالضبط كان جيل الشباب يفقد البوصلة، فهو لم يعد يميز، بين قيام عمل عسكري وحرب طويلة لها أسبابها غادرها السوفييت بسبب الخسائر لكنها لم تنته ولم تصنع دولة حقيقية، وبين حركة إسلامية أحدثت عدة تفجيرات وقتلت عدة جنود، وهذا كله لا علاقة له بفكرة إعادة تأسيس دولة جامعة للعرب والمسلمين، أو ما يطلقون عليها دولة الخلافة.

وتبقى قصة ديمومة الجهاد إلى قيام الساعة وتأتي تفسيراً للأحاديث النبوية التي تحدثت عن الجهاد انتقائية فحسب، بمعنى أن تفسير أحاديث الجهاد هل جاء من خلال مفهوم الاستعداد للدفاع عن النفس في حالة حصول اعتداء على البلاد؟! فلو كان المقصود بديمومة الجهاد بمعنى دوام الحرب لما عقد المسلمون أي صلح مع غير المسلمين، ولكانت الحروب مستمرة بلا توقف منذ العهد النبوي، لكن هذا يعيدنا إلى فكرة تحويل النصوص الدينية إلى قطع من الفسيفساء، وتقديمها كفتاوى بحسب مصالح الجماعات الإسلامية.

الإشكالية أن فكرة صناعة الخلافة من جديد أصبحت مسؤولية على عاتق المجتمع والأسرة والأفراد بمعنى عسكرة المجتمع المدني بالكامل وراء نخبة معينة من أصحاب المشاريع الحزبية وهذا لا يختلف عن فكرة حزب البعث، الذي أراد الوصول إلى الطفل والمرأة وكامل نواحي المجتمع لجعلهم خلف النظام.

الظروف الاقتصادية أو الاستبداد كأسباب مباشرة لظاهرة التطرف، دون الذهاب إلى قضايا جوهرية أهم من ذلك هي مسائل غير دقيقة، فالجوع والفقر والاضطهاد قد يدفع أفراداً إلى السرقة أو غير ذلك من الجنايات، وقد يؤدي إلى تأسيس عصابة من عصابات الجريمة، لكن قيام منظمة تتبنى الفكر الإسلامي، فذلك يحتاج إلى عمل غير عادي، لأنه بحاجة إلى أفكار جديدة وتأصيل جديد لهذه الأفكار، لكي يتمكن من مداعبة العقول من خلالها ودفعهم للوقوع بين أحضانه.

 خاتمة

إن جوهر الأزمة عند الإسلامويين هي ليست نقاشاً شرعياً حول خروجهم عن النصوص كما فعل الخوارج من قبل، إنما المسالة تقوم أولاً على أصل الفكرة التي ينطلقون منها، فهم شرّعوا لأنصارهم في الدول الغربية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، واستهداف عموم المجتمع المدني بلا تمييز.

الخطاب الدموي الذي أنتجته الجماعات الجهادية، هو أنهم أرادوا تحويل المجتمع المسلم في الأذهان إلى مجتمع همجي، دموي، وظيفته القتل وسفك الدماء، لا يميز بين طفل وامرأة وعاجز من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وبالتالي فإن كل هذه الممارسات هي نوع من النازية الجديدة التي بدأت تجتاح العالم منذ أن ظهرت الثورة الإسلامية في إيران، وسياسات التحريض وشعارات الموت لأمريكا وغيرها. ثم بعد ذلك ما نتج عن الثورة الإيرانية من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة، أدت في النهاية إلى ظهور الفكر الدموي المتطرف، من أفغانستان إلى العديد من دول آسيا وإفريقيا مروراً بالبلدان العربية الواقعة عواصمها تحت الاحتلال الإيراني.


المصادر والمراجع:

  1. فرقة نشأت في العصر الوسيط على يد حسن الصبّاح تميزت بالقتل والاغتيالات.
  2. قرآن كريم، الآية 13 من سورة الحجرات.
  3. طائفة مسؤولة عن جرائم في مترو الأنفاق في اليابان، موقع قناة بي بي سي عربية 26تموز-20.
  4. حرب الانفصال بين الهند والباكستان الأولى بدأت عام 1947 وتلتها حروب عديدة أعوام 1965، 1971. انفصلت نتيجة تلك الحروب الباكستان وبنغلادش عن الهند ولا تزال قضية كشمير مشتعلة للآن.
  5. حرب البوسنة والهرسك بدأت في مارس 1992وانتهت في نوفمبر1995وشارك فيها جهاديون عرب غير عرب.
  6. حرب البوسنة … صحيفة العرب اللندنية، 8يولو 2015.
  7. معاهد الأسد للقرآن الكريم أنشأها حافظ الأسد عام 1985.
  8. حركة نسوية صوفية أنشأتها منيرة القبيسي اختلف على توصيفها لكنها كانت داعمة لنظام الأسد.
  9. كتاب حقيقة التصوف بين التأصيل والتأثير- مراجعات د. بشير جلطي.
  10. تضم مواقع التواصل الاجتماعي ومكتبات الفيديو مئات آلاف التسجيلات الصوتية والفيديو لعدد كبير لا يحصى من المشايخ (نعتذر عن الإشارة لأي منها).
  11. هو محمود غول اغاسي خطيب أثار جدلاً واسعا في سوريا أسس تنظيم غرباء الشام وارتبط بالجهاديين في العراق، بثت قناة الجزيرة برنامجاً خاصاً عرضت شهادات عدد من رفاقه، .. وعرضت وثيقة تؤكد لقاءه مع البغدادي بعد الغزو الأمريكي للعراق، وقتل في ظروف غامضة عام 2007 فيما أشير في أكثر من مصدر عن ارتباطه بالاستخبارات السورية وقيامه بنقل الجهاديين من سوريا الى العراق تحت أعين الأمن السوري.
  12. تنظيم فتح الإسلام أسسه شاكر العبسي عام 2006 وهو طيار فلسطيني متقاعد كان معتقلاً في سوريا حيث تم الافراج عنه وتسهيل الطريق له لتشكيل جماعة فتح الإسلام برعاية حركة فتح الانتفاضة التابعة للنظام السوري، استوطن مخيم نهر البارد.
  13. العشرية السوداء هي سنوات الحرب الأهلية في الجزائر والتي خلفت 400الف قتيل 1991-2002.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.