استهدافات خفية واختراقات جسيمة تثير حفيظة 100 برلماني ليبي

يبدو أن المسألة الاساسية بالنسبة للدولة التونسية من خلال استضافة الحوار الليبي على أراضيها، هي الثقة في الامكانيات والقدرة على اتخاذ القرار، حيث يمكن لتنفيذ مخرجات مؤتمر تونس أن يستغرق وقتا طويلا لكن بتوفر الفاعلية الديبلوماسية و القدرة على الحضور السياسي القوي لتونس في هذه المرحلة الحاسمة من القضية الليبية يمكن حلحلة الوضع القائم. فهل تستطيع تونس أن تخرج من دور البلد المحتضن والمستضيف للمؤتمر الى دور اللاعب الاساسي في عملية السلام في ليبيا؟.

البلاد مقسمة

هي من المسائل التي يجب أن يتحمل الرئيس قيس سعيد المسؤولية الاساسية فيها، لا سيما وان الوضع في ليبيا في حالة اضطراب مستمر منذ 2011 ، وظهرت قوى سياسية مزدوجة في البلاد أحدها هو البرلمان المنتخب في مدينة طبرق الشرقية ، والآخر دعم من الأمم المتحدة وأوروبا عام 2016. و تأسست حكومة الوحدة الوطنية الليبية في العاصمة طرابلس. حكومة طرابلس ، التي لا يعترف بها حفتر ، ونتيجة لهذه الوضعية ، لم يتم تشكيل حكومة مركزية قوية في ليبيا. فالبلاد مقسمة فعليًا بين قوات حكومة فايز السراج المعترف بها من قبل الأمم المتحدة وقوات الجنرال الليبي خليفة حفتر. ، ولئن التزمت الأطراف المتحاربة في ليبيا ، باستثناء الاحداث المعزولة، بشكل عام عن مواصلة الاشتباكات المسلحة. فان عديد المؤشرات تدل على أنه ، يمكن أن تبدأ الجولة التالية من التصعيد في كل لحظة ، حيث تعزز الأطراف إمكاناتها ، وتستقبل المقاتلين والأسلحة من الخارج.

ولقد أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالنيابة ستيفاني وليامز، عن أملها في أن تتوصل هذه الجولة من المحادثات التي تجرى في تونس إلى توافق في الآراء بشأن تحقيق وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا.

صراع شركات نفطية

ويأمل كل التونسيين سواء من الفاعلين السياسيين أو من عموم الشعب التونسي أن تنفرج الأزمة الليبية وأن تتفتح آفاق الحل السياسي في بلد دفع الكثير من ضريبة الدم مع تواصل الصراع المسلح على أراضيه، نزاع بين أبناء البلد الواحد تغذّيه قوى دولية تهدف للهيمنة على القرار الليبي وتقرير مصير الليبيين رغما عنهم من اجل الاستحواذ على خيرات بلادهم خاصة من النفط والغاز ولذلك جعلوها حلبة لتصفية الحسابات ومجالا للمرتزقة القادمين من كل فجّ عميق للتناحر وسفك الدم على أرضها.

ولاشك أن الحل السياسي الناجع مازالت الطريق إليه طويلة ولكن هناك بوادر ضوء بدأت تلوح في آخر النفق وإذا أحسن الليبيون إدارة خلافاتهم حول طاولة الحوار فإن تجاوز كل العقبات وكل الخلافات مهما كانت شائكة سيكون ممكنا مما لاشك فيه.

ولأن هذه اللحظة تاريخية بامتياز فإن استغلالها سيكون حتما في مصلحة ليبيا أولا وسيعود بالمنفعة على تونس التي تجمعها اواصر قربى كثيرة مع هذا البلد.

وربما استفاق الليبيون أخيرا على حقيقة مرّة ولم يعد هناك حل سوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات للتحاور بشأن مستقبل بلادهم الذي آن الأوان أن يتجاوز محنته التي طال أمدها…لكن يبدو ان مطامع القوى الدولية، لن تقبل بتسوية الأمور في ليبيا ولن ترضى بان تصل هذه البلاد المنهكة الى حل سلمي يكفي الليبيين شر القتال.

فالحقيقة الثابتة هي أن ثمة أزمة دولية في ليبيا، وليست الأزمة ليبية خالصة، فهناك استقطاب إقليمي وتنافس دولي على إدارة التسوية السياسية. فالأزمة الليبية بها حروب بالوكالة، وصراع شركات نفطية على ثروة البلاد النفطية، كصراع شركات ‘توتال’ و’إيني’ و’بريتش بتروليوم’، ومطامع تركيا ورئيسها أردوغان في غاز شرق المتوسط وليبيا..

استهدافات خفية

و حسب مصادر من داخل الملتقى، فان عددا من المشاركين بدأوا يتخوفون من الاستهدافات الخفية لبعض بنود مسودة “وثيقة البرنامج السياسي الوطني للمرحلة التمهيدية للحل الشامل” في ليبيا. وهذا التوجس بدأ يتعمق أيضا بعد الاطلاع على آليات الاختيار التي جاءت في ملحق مشروع الاتفاق السياسي الجديد في ما يتعلق بـالترشح للرئاسي ورئيس الحكومة، والشروط التي تضمنتها في الفقرتين 6 و7 من ملحق مشروع الاتفاق السياسي الجديد.

وترى أن هذه الآليات تجعل من رئيسة بعثة الأمم المتحدة بالإنابة كأنها “وصية”على الشعب الليبي ونخبته السياسية، وخاصة أنها احتفظت لنفسها بحق تقييم المترشح للمنصبين المذكورين وفق 10 معايير أبقت عليها سرية، ما يعني إعادة استنساخ ما قام به المبعوث الأممي الأسبق برنارد ليون الذي فرض فايز السراج رئيسا للمجلس الرئاسي في آخر لحظة.

وعلى وقع هذه الهواجس، فان نحو 100 برلماني ليبي يستعدون لإصدار بيان مشترك سيحذرون فيه من تواجد بعض الأطراف داخل أروقة الفندق الذي تجري فيه جلسات الحوار السياسي الليبي بتونس، ومن تدخلها في مجريات هذا الحوار، عبر اقتراح أسماء، والترويج لاتجاهات مُحددة، بما يُنذر بنسف كل الجهود التي بُذلت لإنجاح هذا الحوار.

ويُنتظر أن يُحمّل هؤلاء البرلمانيون الليبيون، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مسؤولية “هذا الخرق الجسيم”، ويطالبونها بتوضيح دور تلك الأطراف وخاصة منها دور “منظمة الحوار الإنساني”، وسبب وجودها داخل الفندق، وتبيان علاقاتها بملتقى الحوار ومخرجاته.

ولا يستبعد المراقبون أن تتسع دائرة تلك التخوفات التي باتت تنتاب العديد من الناشطين الليبيين، بالنظر إلى جملة من الملفات الشائكة في طريق ملتقى الحوار السياسي بتونس، والتي تبدأ بعقدة الميليشيات ولا تنتهي عند مناورات ربع الساعة الأخير لتنظيمات الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين الذين يشكلون أغلبية المشاركين في هذا الحوار.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©