الآثار السورية؛ الضحية المنسية

نجم الدين نجم: وحدة الاستطلاع

تنتشر المواقع والمساحات الأثرية التاريخية على طول الجغرافيا السورية وعرضها، وزاد عددها على 4500 موقع أثري، تضم في جوفها آثاراً لنحو أربعين حضارة إنسانية، من إيبلا وأوغاريت وماري، مروراً بالآرامية والفينيقية والأكادية والكلدانية، وصولاً إلى البيزنطية والرومانية والعربية.

ترصد هذه الورقة:

  • مدى ثراء الجغرافيا السورية بالكنوز الأثرية.
  • أهمية هذه الآثار والكنوز التاريخية المنتشرة في سوريا.
  • تقارير أجنبية وعربية بحثت في جريمة تدمير الإرث الحضاري السوري.
  • حلول وطرائق مطروحة لإنقاذ ما تبقى من هذا الإرث.
  • آراء ورؤى لمؤرخين وباحثين سوريين حول المشكلة.

المدخل

شغلت سوريا عبر تاريخها موقعاً جغرافياً متميزاً، جعلها صلة الوصل بين الشرق والغرب، ونشأت على أرضها أهم الحضارات الإنسانية وأقدمها، تلك التي يضرب عمقها جذور التاريخ أكثر من 8000 آلاف سنة قبل الميلاد، بحسب بعض الاكتشافات الأثرية على أرضها.

وتنتشر المواقع والمساحات الأثرية التاريخية على طول الجغرافيا السورية وعرضها التي زاد عددها على 4500 موقع أثري، تضم في جوفها آثاراً لنحو أربعين حضارة إنسانية، من إيبلا وأوغاريت وماري، مروراً بالآرامية والفينيقية والأكادية والكلدانية، وصولاً إلى البيزنطية والرومانية والعربية.

وكانت اليونسكو قد أدرجت ستة مواقع أثرية سورية على لائحة التراث العالمي، وهي أحياء دمشق القديمة، وحلب القديمة التي تُعتبر أقدم مدينة مأهولة بالسكان موجودة حالياً في العالم، وقلعة المضيق، وقلعة الحصن، ومدينة بصرى القديمة، ومدينة تدمر، والقرى الأثرية شمال البلاد وشمال غربها في مناطق عدة.

في هذه الورقة لسنا بصدد تبيان الأهمية التاريخية والتراثية الإنسانية للآثار السورية، ولا توثيق الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحقها فحسب، فهذا بطبيعة الحال أمر أوسع وأكثر أهمية من أن تنصفه دراسة أو أن يدركه بحث، بل نسعى لتسليط قليل من الضوء على هذه الكارثة التي ألمت بالأثر السوري عبر رصد بعض التحقيقات والتقارير الأجنبية والعربية التي أشارت إلى الكارثة، استشعاراً منا بخطورتها وبضرورة إدراكها اليوم وليس غداً للبدء في العمل على إيقافها، وذلك بطرحها بوصفها مشكلة حقيقية واضحة جليّة تهدد تاريخ الإنسانية بالدرجة الأولى وتاريخ سوريا والسوريين بالدرجة الثانية.

بعد بداية الثورة الشعبية في سوريا في آذار/ مارس عام 2011، تعرض الإرث الحضاري السوري وما يزال، إلى عمليات التدمير والسرقة والنهب على يد مختلف الأطراف، بحسب تقرير للأمم المتحدة عام 2014 أكد آنذاك تعرض نحو ثلاثمئة موقع أثري على الأقل لعمليات التدمير والسرقة.

وقالت الأمم المتحدة في تقريرها الصادر في 12 آذار/ مارس 2014، أن مواقع التراث العالمي في سوريا مُنيَت بأضرار فادحة (لا سبيل إلى إصلاحها في بعض الحالات)، مشيرة إلى أن هذه المواقع تتعرض لـ(النهب المنهجي)، إذ بلغ الإتجار غير المشروع بالتحف الثقافية مستويات (غير معهودة)، مؤكدة أن تدمير هذا التراث النفيس يلحق ضرراً جسيماً بهوية الشعب السوري وتاريخه بل بتاريخ البشرية جمعاء.

وأدانت الأمم المتحدة استخدام المواقع الأثرية كمواقع عسكرية، وأكدت ضرورة إنقاذ ما تزخر به سوريا من فسيفساء اجتماعية غنية، وتراث ثقافي ثري، عن طريق حماية مواقع التراث العالمي التي تحتضنها سوريا وفقاً للقرار 2139، الذي اتخذه مجلس الأمن في 22 شباط/ فبراير 2014، مناشدة الدول والهيئات المهنية جميعها العاملة في مجالات الجمارك والتجارة وسوق الأعمال الفنية وكذلك السيّاح، التنبه إلى التحف والقطع الأثرية السورية المنهوبة.

كثرة المتورطين وانعدام المسؤولين

في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 كشف تقرير للنشرة الأمريكية المتخصصة (الشرق الأوسط للآثار) الصادرة عن جامعة (دارتموث) الأمريكية تورط تنظيم (داعش) في أغلب جرائم السرقة والتهريب التي ارتُكبت في سوريا، إلى جانب قوات النظام السوري، وبعض الجماعات المسلحة.

وأكد التقرير الذي اعتمد على تقنية تحليل صور الأقمار الصناعية تعرض 1300 من أصل 8 آلاف موقع أثري وتاريخي في سوريا إلى التخريب المتعمد بغية سرقة الآثار والإتجار بها.

وأَضاف التقرير أن اعتماد تنظيم (داعش) سياسة التدمير الواسع والنهب المنهجي للآثار غطى على انتهاكات مشابهة لأطراف كثيرة في سوريا، بما فيهم قوات النظام، وبحسب التقرير فإن أطرافاً أخرى من حركات مسلحة كثيرة، لا تتورع عن سرقة الآثار وتهريبها إلى الخارج.
وأشار التقرير إلى أن تنظيم (داعش) أقدم على تدمير 42.7 في المئة من الآثار والمواقع التاريخية الواقعة تحت سيطرته، مقابل 22.9 في المئة في المواقع الخاضعة لقوات النظام السوري، و14.3 في المئة في المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة الأخرى، و9.4 في المئة في المناطق الكردية.

وقال المشرف على التقرير، الباحث (جاس كاسانا) إن تنظيم (داعش) والنظام السوري لا يختلفان كثيراً في التعامل مع القطع الأُثرية المهمة، وأورد مثالاً على ذلك نهب مدينة تدمر وتخريب أبرز المواقع الأثرية السورية، مؤكداً أن كثيراً من المهربين وتجار الآثار يعرضون قطعاً نادرة، هربها النظام إلى الخارج في البداية، قبل أن يعرض التجار أنفسهم قطعاً أخرى انتزعها (داعش) بعد سيطرته على تدمر.

وأفادت مصادر محلية لـ(مينا) أن التنظيم تعمّد التغطية على عمليات الإتجار بالآثار في المناطق التي كان يسيطر عليها في سوريا، مثل مدينتي الرقة ودير الزور الغنيتان بالمواقع الأثرية، إذ بث التنظيم دعاية مرئية واسعة توضح حرصه على تدمير التماثيل والقطع الأثرية كلها بالمعاول والفؤوس في مشاهد يندى لها جبين العارفين بقيمة هذه الآثار الإنسانية، بيد أن التنظيم كان يعمل مستتراً على قدم وساق في التنقيب ونهب الآثار وبيعها في السوق السوداء، بشكل منهجي ومنظّم.

وقالت صحيفة (ها آرتس) الإسرائيلية أن عمليات الإتجار بالآثار في سوريا هي أكبر عمليات نهب الآثار الممنهجة والناجحة التي وقعت في التاريخ، وينتظر أن تؤثر في سوق الآثار العالمية في السنوات والعقود المقبلة، مفترضة أن هذه العمليات أتت على كل أمل بتنفيذ عمليات حفر وتنقيب أثرية عملية في هذه المواقع التي يعتبر بعضها من أهم المواقع الأثرية في الشرق الأوسط.

موقع (أنليزي ديفيزا) الإيطالي، هو الآخر أوضح في تقرير له في العام الماضي حجم المبيعات الهائلة للتنظيم من جرّاء انخراطه في هذه الجريمة العالمية، وقال التقرير إن سقف الأرباح التي يجنيها التنظيم يصل إلى 100 مليون دولار في السنة، وأضاف أن التحف الأثرية والقطع النادرة الثمينة، التي تزخر بها المواقع الأثرية في سوريا والعراق، أصبحت خلال السنوات القليلة الماضية، أحد أهم مصادر التمويل بالنسبة إلى التنظيم، وبخاصة في المدّة الأخيرة، التي تميزت بتراجع كبير في عائدات النفط.

وأردف تقرير الموقع الإيطالي أن تجارة الآثار تحوّلت إلى (ضرورة ملحة (بالنسبة إلى عدد من التجار ومهربي الآثار في سوريا، حتى يتمكنوا من الصمود، وذلك نتيجة للصراع الذي تعيشه البلاد منذ سنوات عدة.

من جهتها أكدت مصلحة الجمارك الأمريكية أن الواردات من مقتنيات التراث السوري زادت إلى ما نسبته 145 في المئة، بينما المقتنيات العراقية زادت إلى ما نسبته 61 في المئة وذلك بين أعوام 2011 و2013، وقدرت أرباح التنظيم بين 150 و200 مليون دولار في السنة.

أوروبا وأميركا في دائرة الاتهام

لا بدَّ من الاعتراف أن الدول الغربية لديها شغف غريب بالحضارات شرق الأوسطية القديمة، خصوصاً في سوريا والعراق ومصر، وغير خفي على الجميع أن السيّاح الغربيين عموماً كانوا يأتون أفواجاً ومن كل فج عميق في أوروبا وآسيا وأميركا لزيارة بقايا الآثار التي تركها الآشوريون والآراميون والبابليون والفراعنة وغيرهم من أصحاب الحضارات العتيقة على الأرض العربية.

وانطلاقاً من هذا الاعتراف المبدئي، يصبح أمراً يسيراً علينا تصديق أن هذه الدول متهمة بصورة ما بسرقة آثارنا، إذ أنعشت الحرب في سوريا سوق الآثار والتحف ومحال الأنتيكا في هذه الدول الغربية، مثلما أنعشتها الأحداث المؤلمة التي حصلت في العراق خلال السنوات الماضية.

وحول هذه الفكرة، نقلت صحيفة العرب اللندنية تصريحاً للأمين العام لاتحاد الأثريين العرب (محمد الكحلاوي) في تقرير لها في أيار/ مايو 2016، قال فيه إن (العالم الغربي يشارك الدواعش في جريمة تحطيم الآثار السورية وانتهاكها وسرقتها) مؤكداً أن التنظيم المتطرف على اتصال بعصابات الآثار في الخارج التي تشتري التحف والتماثيل وتقوم بتهريبها إلى العواصم الأوروبية، مضيفا أن (استمرار تنظيم داعش، في تدمير الآثار السورية جاء نتيجة تقاعس الوطن العربي في التصدي له، والتوحد في مواجهته)، ويتابع قائلا: (يوجد خلل واضح، ونحن نتعامل مع تراثنا وكأنه كومة من الرمال، في حين يجب التصدي لهذا التنظيم ووقف انتهاك حرمة الآثار).

وأردفت الصحيفة أن بعض التقارير الإعلامية تفيد بأن المهربين الأجانب يدخلون إلى سوريا بانتحالهم شخصية صحافيين ميدانيين أتوا لمتابعة الوضع الإنساني في البلاد للقيام بعملية السرقة والنهب، إذ يعمل المسلحون على التنقيب عن آثار خفيفة وثمينة من أجل بيعها وشراء السلاح، ونقلت وسائل إعلامية غربية عن خبراء في مجال مكافحة تهريب الآثار أن عصابات داعش باعت قطعاً أثرية منهوبة من سوريا بعد تهريبها إلى العواصم الأوروبية مثل باريس وروما وبريطانيا.

وتتضمن القطع الأثرية المنهوبة بحسب التقرير نقوداً ذهبية وفضية تعود إلى العصر البيزنطي، وقطعاً فخارية وزجاجية رومانية تصل قيمتها إلى مئات آلاف الدولارات، ولا يستغرب الخبراء من وجود هذه القطع الأثرية في المحال التجارية في أوروبا في ظل الفوضى التي تساهم في عمليات التهريب التي تجري عبر طرق تؤدي إلى تركيا أو الأردن ولبنان، تعرفها مافيات الآثار جيداً.

ونقلت الصحيفة تصريحاً لأستاذ الآثار في جامعة لندن (مارك الطويل) قال فيه: (ليس صعباً أو مستغرباً أن تجد بعضاً من حضارة سوريا معروضة في متاجر لندن، فالسوق السوداء ورفوف متاجر الأنتيكا باتت تغصّ بعشرات القطع الأثرية التي جاء بها المهرّبون من تدمر ونمرود).

وأضاف: (إن التحف والقطع الأثرية التي تنهبها وتهرّبها عصابات داعش تباع في الأسواق الأوروبية، إذ يعمل الإرهابيون -من خلال شبكات منظّمة- على نهب الآثار وتهريبها إلى أوروبا) مشيراً إلى أن (التحف والقطع الأثرية المختلفة التي تصل إلى الأسواق الأوروبية، هي في الأغلب صغيرة الحجم، بحيث يمكن تهريبها في حقائب السفر العادية، وتضمّ التماثيل الصغيرة والأواني ذات القيمة التاريخية).

انسداد الطرق واختفاء الحلول الناجعة

أثناء إعداد هذه التقرير، أعلن (المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص بشأن الممتلكات الثقافية) (UNIDROIT) أن حكومة النظام السورية وقّعت على اتفاقية المعهد الدولية التي اعتُمِدت في حزيران/ يونيو عام 1995 في العاصمة الإيطالية روما.

وقال المعهد (لمعالجة القضية المستمرة المتعلقة بالإتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية السورية، صادقت سوريا الآن على اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص حول القطع الثقافية المسروقة أو المصدرة بطريقة غير مشروعة) مضيفاً (مع سوريا، أصبحت لدينا الآن ثلاث وثلاثون دولة موقعة على الاتفاقية) مشيرة إلى أن (الاتفاقية ستدخل حيز التنفيذ في سوريا في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل).

وحول جدوى هذه الحلول المطروحة يقول المؤرخ والروائي السوري (تيسير خلف) في تصريح لـ(مينا): (تعرضت الآثار السورية لانتهاكات بالغة من أطراف الصراع جميعها من دون استثناء، وتجلت هذه الانتهاكات بأشنع صورها في التدمير الممنهج لمدينة تدمر الأثرية من جانب تنظيم داعش، ولقد نهبت خلال هذه السنوات السبع مئات إن لم يكن آلاف القطع الأثرية بما فيها فسيفساء مدينة أفاميا الشهيرة، وكثير من تماثيل تدمر غير المكتشفة قبل عام 2011، وخربت القذائف والصواريخ المواقع الأثرية معظمها من معبد عين دارا في الشمال السوري إلى آثار درعا والجولان في أقصى الجنوب).

وأضاف: (ما حصل للآثار السورية أكبر من كارثة، فقد وقع تحت أسماع وأبصار المجتمع الدولي، الإجراءات التي اتُخِذت ليست كافية، نظراً إلى أن المواقع والقطع التي عمم الإنتربول صورها وأوصافها لا تمثل سوى نزر يسير من الآثار المنهوبة، وهي آثار غير موثقة سابقاً ولذلك لا يمكن ملاحقتها كما هو حال الآثار الموثقة).

ويذهب (خلف) إلى أن (سوريا لن تشفَى من هذه الكارثة لسنوات طويلة، وستظهر في السنوات الآتية عشرات بل مئات القطع الأثرية في المزادات العالمية بوثائق وشهادات مزورة، كما هو حاصل الآن في بعض المزادات الدولية الشهيرة).

من جانبه يقول الباحث في شؤون التاريخ الأثري (ماهر حميد) لـ(مينا): (خلال السنوات القليلة الماضية الذاهب من دير الزور إلى البوكمال كان يشاهد على طرفي الطريق خياماً على مد النظر، وهذه ليست خيام للغجر بل لتجار الآثار، من أصقاع العالم كله، من سوريا وبريطانيا وتركيا وفرنسا وأميركا. وكل خيمة كانت تحت حماية أحد الفصائل المسلحة الموجودة في المنطقة، وهذه النوعية من التجّار هي الأخطر على التراث الأثري السوري على الإطلاق).

وأضاف: (هؤلاء التجّار بحوزتهم خرائط وإحداثيات المواقع الأثرية بدقة متناهية، ويعرفون جيداً ما يبحثون عنه وماذا سيجدون، وهذه أولى حالات بيع للآثار بهذه الطريقة (الدليفري)).

وحول الطرائق التي يجب اتباعها لإيقاف هذه الجريمة يقول (حميد): (المنظمات السورية المعنية بشؤون الآثار لا قيمة لها إطلاقاً، ومعظمها متورط بطريقة ما في هذه الجريمة النكراء. البعيد عن روح الآثار لن يشعر بقيمتها إطلاقاً، وسيشعر أنها محض باب للثروة).

يضيف: (ثمة خطوط ساخنة بين دائرة الآثار السورية وأشخاص سوريين في بريطانيا، يعملون على استخراج وثائق وشهادات مزورة للقطع الأثرية الفريدة والنادرة، لتحصيل أكبر ثمن ممكن لقاء التخلي عنها لأي شخص أو أي متحف بطريقة مضمونة وشرعية، وهذه إحدى أشكال الكارثة، ولا أظن أن هنالك حلاً حقيقياً في المدى المتوسط).

خاتمة

وهكذا من دون دماء ومن دون صراخ ومن دون أي دليل يقتفي أثره السوريون لرصد الجريمة وتوثيقها كما ينبغي، تعرضت الحضارة السورية لجريمة شنيعة وقبيحة على يد مختلف الأطراف وبطرائق متنوعة وكثيرة. جريمة لا تقل فظاعة ووحشية عن الجريمة المستمرة التي يرتكبها العالم منذ ثماني سنوات، بحق شعب عتيق وعريق ولد في رحم الحضارة الإنسانية التي جمعت أعراق الشرق والغرب على أرضها.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي©.