“الأزمة الاقتصادية” تدخل معركة الانتخابات الرئاسية في إيران

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية، المقرر إجراؤها الاسبوع المقبل، تزداد الوعود الاقتصادية الرنانة للمرشحين، في ظل صعوبة الواقع المعيشي وغلاء الأسعار وتراجع متواصل في قيمة العملة، إذ بات الاقتصاد حديث الساعة في إيران هذه الأيام، بعد تراكم الأزمات الاقتصادية والإخفاقات المستمرة في مواجهتها.

بينما يركز المرشحون على الملف الاقتصادي في حملاتهم الانتخابية، على أمل استقطاب أصوات الناخبين، وتأكيد كل منهم على أنه الأقدر لتقديم حلول للمشكلات الاقتصادية، يرى محللون أن الواقع الاقتصادية الذي يواجه الشعب الإيراني، باتت أحد أهم الأسباب لدى البعض للعزوف عن المشاركة في الانتخابات، وسط شكوك في قدرة المرشحين على إيجاد حلول جذرية للأزمة الاقتصادية في حال فاز أي منهم.

وبغض النظر عن الذي سيتولى الرئاسة بعد “حسن روحاني”، يؤكد خبراء أنه سيواجه مهمة لا يحسد عليها وهي محاولة إصلاح الاقتصاد الإيراني الذي تسيطر عليه الدولة إلى حد كبير، ولا سيما أن جهود خصخصتها شهدت انتشار مزاعم بالفساد حيث فقد الكثيرون مدخراتهم واحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

مؤشرات الأزمة الاقتصادية..

يرى الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (“إيريس”) في باريس، “تييري كوفيل”، أن ما تعيشه إيران حاليا يعدّ الأزمة الأصعب التي تطال الاقتصاد الكلّي منذ “الثورة الإسلامية”، مؤكداً أن “هذه الصعوبات ترافقها أزمة اجتماعية عميقة تتمثل خصوصا بانهيار القدرة الشرائية لجزء كبير من الإيرانيين”.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي، إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي في إيران إلى أكثر من ستة بالمائة في 2018، وأكثر من 6.8 بالمائة في العام التالي.

رغم عودة الاقتصاد إلى تسجيل مستوى إيجابي في 2020، لا يزال الناتج المحلي عند مستويات تناهز التي عرفها في 2015، تواجه إيران مشكلة التضخم، فبعدما تمكنت حكومة الرئيس “حسن روحاني” من خفضه إلى ما دون 10 بالمائة، تسببت العقوبات المتجددة بارتفاع كبير في نسبة التضخم التي يتوقع أن تبلغ هذا العام 39 بالمائة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

أما نسبة البطالة، فيقدرها “كوفيل” بحوالى 20 بالمائة، فيما يرى الخبير الاقتصادي الإيراني جواد صالحي-اصفهاني أنه “منذ 2011، تراجع نحو ثمانية ملايين شخص من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الوسطى الدنيا، ونحو أربعة ملايين التحقوا بالطبقات الفقيرة”.

معالم الأزمة الاقتصادية تبدو واضحة في متاجر طهران وأحاديث سكانها، حسبما تكشف مصادر محلية، مشيرة إلى غلاء المعيشة وارتفاع أسعار مواد أساسية كاللحوم والبيض والحليب.

وانتشرت خلال شهر آذار\ مارس الماضي، صور طوابير الانتظار أمام المتاجر التي تبيع مواد غذائية مدعومة مثل الدجاج والأسماك، ما أثار ردود فعل واسعة وتصدرت الكثير من الصحف اليومية.

المصادر تقول: إن “الأزمة انعكست على فئات مختلفة من المجتمع في البلاد التي يناهز تعداد سكانها 83 مليون نسمة، إذ اضطر الكثير من الطلاب للتخلي عن متابعة تعليمهم العالي خارج البلاد نظرا لافتقادهم الموارد المالية اللازمة، كما لجأت عائلات تأثرت بأزمة البطالة، إلى التقشف في الكثير من المصاريف الأساسية، والاعتماد على مداخيل بسيطة توفرها وظائف ظرفية”.

يشار إلى أن المحلل الاقتصادي “سعيد ليلاز”، كان قدر نسبة الفقر في إيران عام 2018، بأكثر من 35%، كما كشفت الأرقام الرسمية للجنة التخطيط والميزانية في البرلمان الإيراني في العام ذاته، أن ما بين 5 و6 ملايين خريج جامعي لا يعملون، فيما يعتبر بعض الخبراء أن معدل البطالة بين خريجي الجامعات 45% ويصل إلى 60% بين الخريجات.

ووفقاً لتقارير صحفية، يعيش ما بين 11 مليوناً و21 مليون شخص في إيران في أحياء فقيرة، محرومين من الحد الأدنى من الخدمات الصحية والخدمات العامة.

توقعات بالأسوأ..

أخرجت العقوبات الأمريكية والأوروبية إيران من النظام المصرفي العالمي، كما أفقدتها غالبية مستوردي صادراتها النفطية، ما حرمها من عائدات مالية أساسية.

وفي غياب هذه الإيرادات، يرى “كوفيل” أن “الحكومة الإيرانية كانت ملزمة الحد من الاستثمار في الاقتصاد المحلي، من أجل مواصلة دفع النفقات الجارية ورواتب موظفي القطاع العام”، لكنه يرى أن سياسة تقليص الاستثمارات هذه “متواصلة منذ فرض العقوبات، وليس مصادفة أن نبدأ برؤية انقطاعات في التيار الكهربائي في إيران” متوقعا أن تشهد البلاد تصاعدا للأزمة نتيجة السياسات الحكومية.

كما طاولت العقوبات الأميركية كافة مفاصل إيران الاقتصادية، بما فيها الصادرات النفطية وتعاملاتها المالية والمصرفية مع الخارج، لتواجه شحاً كبيراً في مواردها بالنقد الأجنبي، ما تسبب بسقوط الريال إلى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين، بنسبة 800%، ووصل سعر الصرف إلى 320 ألف ريال لكل دولار، قبل أن يستعيد الريال جزءاً من عافيته خلال الشهور الماضية ويستقر السعر على نحو 240 ألف ريال.

الرئيس الإيراني “حسن روحاني”، كان كشف مؤخرا، أنّ العقوبات الأميركية خفضت 200 مليار دولار من إيرادات إيران قائلا: “نواجه في الوقت الحاضر أسوأ أنواع الحظر” الأميركي.

يشار إلى أن صادرات طهران من النفط، ارتفعت إلى مليوني برميل يوميا في 2016 ووصلت إلى ذروة عند 2.8 مليون برميل يوميا قبل أن يعيد “ترامب” فرض العقوبات عليها في 2018.

أما الآن، فلا تكشف إيران عن أرقام صادراتها الحالية، لكن بعض الشركات التي تراقب قطاع الطاقة قدّرت صادراتها بنحو 700 ألف برميل يومياً.

سيطرة حكومية..

ينتقد عدد كبير من الإيرانيين سيطرة النظام على الاقتصاد، إضافة إلى ارتفاع نسبة الفساد في البلاد، حيث يُلحظ تشابك كبير بين الشركات والمصارف التجارية العادية وتلك التي يملكها الحرس الثوري أو تابعة لمؤسسة “سيتاد” المملوكة للمرشد الأعلى في إيران، حسبما يرى المحلل الاقتصادي والمختص في الشؤون الإيرانية “عماد النعامي”، الذي يؤكد أنه يصعب إجراء صفقة تجارية أو مالية في إيران دون أن يكون الحرس الثوري أو مؤسسة “سيتاد” التابعة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية جزءاً منها، أو المنفذ لها خلف ستار. مضيفاً أن “هيئة ستاد تحولت من هيئة تنفيذ أوامر الإمام إلى كيان تجاري عملاق”.

تقارير وزارة الخزانة الأميركية، أشارت في وقت سابق إلى أن عدد الشركات الإيرانية التي يسيطر عليها الحرس الثوري أو يدير مجالس إداراتها بشكل مباشر أو غير مباشر تراوح ثرواتها بين 20 و30% من إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد الإيراني.

“حبر على ورق”..

في تصريحاتهم خلال الحملة الانتخابية والمناظرات، شدد المرشحون السبعة، بمن فيهم الخمسة المحافظين المتشددين الذين غالبا ما انتقدوا اتفاق فيينا، على أولوية رفع العقوبات الاقتصادية، كما ركزوا على الملف الاقتصادي في حملاتهم الانتخابية، مع تأكيد كل منهم على أنه الأقدر لتقديم حلول للمشاكل الاقتصادية والمعيشية، فيما بدأ بعض المرشحين بتقديم دعم نقدي للمواطن بأرقام محددة، في محاولة لدغدغة مشاعر الناخبين واستمالتهم إلى التصويت لصالحهم.

وفي معرض تعليقه على الوعود الاقتصادية التي يطلقها المرشحون، يعتبر الخبير الاقتصادي، “نعمان الجبيري” أنها ” ستبقى وعود وهي مجرد حبر على الورق، وهناك صعوبة شديدة للإيفاء بها، لأن الاقتصاد الإيراني أصبح مرتبطا إلى حد كبير بقضايا السياسة الخارجية والعلاقات مع الدول الأخرى والعقوبات التي استهدفت خلال السنوات الأخيرة النظام المصرفي والمالي وقطاع النفط وبقية قطاعات التصدير.

كما يؤكد “الجبيري” أن إيران تفتقر إلى الموارد اللازمة لتحقيق الوعود المالية التي يطلقها المرشحون للناخبين، مشيرا إلى أن الرئيس المقبل سيكون مجبرا على فتح آفاق التعامل والتعاون مع العالم والانضمام إلى مجموعة العمل المالي الدولية، “فاتف” التي وضعت إيران على قائمتها السوداء مطلع عام 2020.

ويربط “الجبيري” تطبيق الوعود الاقتصادية بوجود موارد مالية، قائلاً “عندما تكون هناك موارد كافية وأموال فيمكن للوعود الاقتصادية أن تجد طريقاً للتنفيذ، لكن الوعود التي يطلقها المرشحون لا أرى ما يدعمها على أرض الواقع”.

إلى جانب ذلك، يستبعد “الجبيري” تنفيذ الوعود الاقتصادية للمرشحين “إذا بقيت إيرادات البنك المركزي 9 مليارات دولار في العام الحالي، رابطا تحسين ذلك بإحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات الأميركية لتتمكن إيران من بيع نفطها وتحصيل عوائدها وإدخالها إلى الداخل واستيراد المعدات اللازمة.

7 أجزاء أساسية..

المحلل والمختص في الشؤون الإيرانية “عماد النعامي”، يدعم ما جاء به المحلل “نعمان الجبيري”، مشيرا إلى أن هناك 7 أجزاء رئيسية، لمشاكل إيران الاقتصادية وهي “عدم وجود الأولوية الاقتصادية، والعقوبات، وعدم التحاق إيران بمجموعة العمل المالي (fatf)، وخروج رؤوس الأموال من البلاد وعدم جذبها من الخارج، والتوترات الداخلية والحزبية، فضلا عن التضخم وكورونا.

كما يشير “النعامي” إلى أن القيود المفروضة على طهران وإدراج إيران في القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي، أدت إلى تعطيل العلاقات التجارية والمصرفية الإيرانية مع البنوك العالمية، وبسبب التوترات الموجودة تدفقت خلال السنوات التسع الماضية نحو 100 مليار دولار من رؤوس أموال الإيرانيين إلى خارج البلاد.

وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية، بحسب “النعامي” ستكون أمام الرئيس الجديد وحكومته مهمة صعبة للغاية لعلاج الاقتصاد الإيراني، كما يؤكد أنه سيكون من الصعب على الرئيس الجديد تحقيق الوعود الاقتصادية قبل حل المشكلة بإجزائها الـ7.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.