الأزمة التونسية تدخل مرحلة جديدة من التصعيد

دخل التصعيد بين حركة “النهضة” والرئيس التونسي “قيس سعيد”، مرحلة جديدة، قد تعقد فرص إيجاد مخرج للأزمة السياسية التي تعيشها تونس منذ أشهر، هذه المرحلة تمثلت بمساع لتحجيم دور رئيس الجهورية وتجريده من أهم صلاحياته الدستورية عبر مشروع قانون لتعديل “القانون الانتخابي” ومنح الصلاحيات إلى رئيس الحكومة.

حركة “النهضة” التونسية، اتهمت الرئيس “قيس سعيد” في وقت سابق، بالنزوع نحو “الحكم الفردي”، وذلك بعد أن أعلن “سعيد” نفسه قائدا للقوات الأمنية، معتبرة أن “الرئيس خرق الدستور، لتبرير نزوعه نحو الحكم الفردي، وإقحام المؤسسة الأمنية في الصراعات يمثل تهديدا للديمقراطية والسلم الأهلي ومكاسب الثورة”.

وينص الفصل 77 من الدستور الصادر في 2014 العام بأن يتولى رئيس الجمهورية القيادة العليا للقوات المسلحة، كما يجرى تأويل الدستور على نطاق واسع على أن رئيس الحكومة هو من يتولى الإشراف على قوات الأمن الداخلي وأن وزارة الداخلية ضمن صلاحياته.

انتخابات مبكرة..

تصعيد النهضة الجديد انتقل إلى أروقة البرلمان، اذ كشفت مصادر برلمانية أن أعضاء الكتلة النيابية لـ”حركة النهضة” تقدمت بمشروع قانون جديد لتعديل القانون الانتخابي تضمن جملة من الاقتراحات تستهدف إلغاء صلاحية الرئيس الخاصة المُتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية.

المشروع الذي قدمته الكتلة إلى مكتب البرلمان في العشرين من الشهر الجاري ينسف حق الرئيس المُتعلق بدعوة الناخبين للانتخابات أو الاستفتاء، كما اقترح “تعديل الفصل 101 من القانون الانتخابي الذي ينص على أن “تتم دعوة الناخبين بأمر رئاسي في أجل أدناه ثلاثة أشهر قبل يوم الاقتراع بالنسبة إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية، وفي أجل أدناه شهران بالنسبة إلى الاستفتاء”.

وتُريد حركة النهضة في مشروع القانون تعديل نص هذا الفصل ليُصبح كالتالي: “تتم دعوة الناخبين بأمر حكومي في أجل أدناه ثلاثة أشهر قبل يوم الاقتراع بالنسبة إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية والجهوية والبلدية وفي أجل أدناه شهران بالنسبة إلى الاستفتاء، وفي أجل أدناه شهر بالنسبة إلى الانتخابات السابقة لأوانها والانتخابات الجزئية”.

النائب عن “حركة الشعب” حاتم البوبكري قال لوسائل الاعلام إن “كتلة النهضة في البرلمان تقدمت بمبادرة تشريعية لتعديل الفصل 101 من القانون الانتخابي لتصبح دعوة الناخبين تتم بأمر حكومي وليس بأمر رئاسي، ما يعني سحب صلاحية الدعوة للانتخابات والاستفتاء من رئيس الجمهورية وإسنادها لرئيس الحكومة”.

وأكد النائب التونسي، أن “هذه المحاولة من النهضة تندرج في إطار معركة الحزب مع الرئيس، وتدل على تنامي خشيتها وحلفائها من إمكانية دعوة سعيد إلى انتخابات مبكرة أو إلى استفتاء لتعديل النظام السياسي”.

كما يشير المراقبون إلى أن “حركة النهضة تُريد تجريد قيس سعيد من أوراق الضغط التي قد يلجأ إليها لتصحيح توازنات المشهد الراهن وخاصة الدعوة لاستفتاء على الدستور لتعديل النظام السياسي الحالي”. بينما يرى آخرون أن “الأزمة الحالية التي تشهدها البلاد تعود إلى النظام السياسي (شبه برلماني) الذي لم يحدد الصلاحيات بشكل دقيق بين السلطات الثلاث”.

يذكر أن توزيع الاختصاصات بين الرئاسات الثلاث في تونس، أعادت الجدل إلى مدى قوة النظام شبه البرلماني، ودعت إلى تعديل النظام الحالي وتمكين مؤسسة الرئاسة، وحلّ البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة التي تخشاه حركة النهضة.

وتوترت الخلافات بين السلطات في البلاد، حول مسألة تشكيل الحكومة ورفض “سعيد” قبول عدد من الوزراء الجدد الذين اختارهم رئيس الحكومة “هشام المشيشي” في التعديل الحكومي لأداء اليمين الدستورية بعد نيلهم الثقة من البرلمان.

رسائل حركة النهضة..

لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية، أطلقت أمس الأربعاء، استشارة على الموقع الرسمي للمجلس، لمنظمات المجتمع المدني الراغبة في ابداء الرأي بخصوص أحكام مقترحات القوانين المتعلقة بتعديل القانون الانتخابي والمعروضة عليها، بداية من اليوم والى حدود يوم 10 ماي 2021، وذلك في إطار المقاربة التشاركية التي ستعتمدها اللجنة في تعاطيها مع هذه المبادرات التشريعية.

وعن دلالات هذه الخطوة التصعيدية أكد النائب في البرلمان “مبروك كرشيد” لوسائل الاعلام أنه “من الواضح حسب نص مشروع تنقيح الفصل 101 من القانون الانتخابي الذي تقدمت به حركة النهضة أن التصعيد السياسي يسير بخطى حثيثة، وهو مشروع يهدف إلى تقليل صلاحيات الرئيس وسلطته على الانتخابات بجميع فروعها”. معتبراً أن “المسألة تتمثل في رسالة جديدة إلى قيس سعيد وهي رسالة سياسية”.

كما يرى مراقبون، أن تعقد الأزمة تعود إلى محاولة حركة النهضة، توفير الآلية الدستورية الوحيدة لعزل رئيس الجمهورية، وهي المحكمة الدستورية التي ظلت غائبة طوال السنوات الماضية، بحجج مختلفة. بالإضافة صعوبة حصول توافق بين الرئيس ورئيس النهضة على تشكيل حكومة جديدة، والاستغناء عن “المشيشي”.

ويشير المتابعون إلى أنه “من الصعب تنظيم انتخابات مبكرة، وهو السيناريو الذي يلقى دعماً من الأحزاب الصغيرة، في حين تعارضه أحزاب التحالف البرلماني بقيادة النهضة، حتى لا تخسر مكاسبها، كما أنه من المستبعد دعوة المشيشي للوزراء الذين صادق عليهم البرلمان إلى مباشرة مهامهم”.

إلى جانب ذلك، رجحت مصادر تونسية أن يكون رئيس الحكومة التونسية الأسبق، “يوسف الشاهد” أحد المرشحين لخلافة رئيس الحكومة الحالي، “هشام المشيشي” في حالة استقالة الحكومة، مشيرةً إلى أن عودة ظهور “الشاهد” على الساحة، تدعم إمكانية أن يكون شخصية توافقية.

ولفتت المصادر إلى أن “الشاهد” في تصريحاته الأخيرة حول الأزمة الحاصلة في البلاد، ظهر بالمنطقة الوسطى من جميع الأطراف، من خلال دعوته لهم للترفع عن الخلافات والعمل على تجاوز الأزمة، مشيرةً إلى أن موقف حركة النهضة حيال التمسك “بالمشيشي” تراجع بعض الشيء.

يشار إلى أن قياديين في حركة النهضة قد كشفوا خلال الأيام القليلة الماضية، عن مناقشة مكتب الحركة لسبل الخروج من الأزمة الحاصلة في البلاد، دون التطرق إلى مصير “المشيشي” بينما طالب رئيس حزب تحيا تونس، “يوسف الشاهد” كافة الأطراف السياسية التونسية بالعمل على الوصول إلى هدنة سياسية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.