الأزمة التونسية ورهانات المرحلة المقبلة

ينتظر أصدقاء الرئيس التونسي قيس سعيد وخصومه، الإعلان عن خريطة طريق للفترة القادمة بعد مرور أكثر من 10 أيام من إمساكه بزمام السلطة التنفيذية، في وقت يرى فيه المراقبون أن التأخر في الإعلان عن هذه الخريطة سيؤدي إلى زيادة حالة التوتر في البلاد التي تعاني من حالة شلل السياسي والاقتصادي.

وعلى الرغم من أن حلفاء “سعيد” ما زالوا يتوقعون منه الإعلان عن اسم رئيس للوزراء في وقت قريب، لم تتضح بعد الفترة الزمنية المحتملة للإعلان المنتظر سواء أكان خلال فترة الطوارئ الراهنة التي حددها لمدة شهر في بادئ الأمر لكنه قال إنه من الممكن تجديدها أو بعدها.

خارطة طريق للخروج من الأزمة

المحللة السياسية، “فاطمة بلجاج” ترى أن تونس تعيش مرحلة فارقة في تاريخها الحديث، ووضعا استثنائيا صعبا ومعقدا بكل ما للكلمة من معنى يتداخل فيه الداخلي بالخارجي، مشددة على وجود تحديات عديدة تواجه التونسيين، أهمها الخروج السريع من الوضع الاستثنائي الذي وجدوا أنفسهم فيه، وذلك عبر إقرار خريطة طريق واضحة المعالم للمرحلة المقبلة تتضمن حوارا وطنيا.

وتضيف، “من المهم بمكان أن ينظر الحوار المنتظر في مسائل هامة على غرار القانون الانتخابي، وإيقاف تدفق المال الخارجي على الأحزاب السياسية الذي ساهم في تزوير إرادة الناخبين في الانتخابات السابقة وجعل التونسيين لا يثقون في نتائج الصندوق ولا يقبلون عليه بكثافة.

في هذا السياق، طالبت جمعيات تونسية الرئيس “قيس سعيد”، بوضع خطة عمل مع القوى المدنية تتعلق باستحقاقات المرحلة الجديدة والخروج من الوضع الاستثنائي في البلاد.

ومن أبرز الموقعين على البيان نقابة الصحافيين وجمعية القضاة، وجمعية المحامين الشبان، وجمعية النساء الديمقراطيات، ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية.

ودعا ‎البيان دعا “سعيّد”، إلى ضبط خطة عمل واضحة ومحددة وفق جدول زمني بالتشارك مع القوى المدنية تتعلّق باستحقاقات المرحلة الجديدة والخروج من الوضع الاستثنائي، كما شدد على ضرورة احترام مبدأ تفريق السلطات واستقلال السلطة القضائية تماما عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، لتتمكن من استرجاع دورها والعمل على تسريع فتح كل الملفات الخطيرة والمصيرية.

نظام رئاسي جديد

في خضم التحولات التي تشهدها البلاد ارتفعت أصوات تدعو إلى استفتاء لاختيار نظام جديد عوضا عن النظام السياسي القائم، وذلك بهدف إقرار نظام واضح المعالم سواء أكان رئاسيا أو برلمانيا أو مجلسيا خلفا لهذا النظام الذي أقره دستور سنة 2014 والذي أوصل البلد إلى هذا النفق المظلم الذي لا تلوح بوادر لنهايته في الأفق على المدى القريب، حسبما يقول الباحث السياسي “خلدون صندي”، الذي يؤكد أن هناك قضايا خلافية سياسية لا تزال مفتوحة، وهي ما أدت إلى تأزيم الوضع السياسي ويجب معالجتها.

وبالرغم من تأكيده على ضرورة الوصول إلى خارطة طريق للخروج من الأزمة الحالية، يشدد “صندي” على معالجة القضايا الخلافية لضمان عدم تكرار سيناريو أزمة البلاد في المستقبل.

وبحسب “صندي”، فإن أهم تلك القضايا الخلافية، تتمثل في تنظيم صلاحيات الرئاسات الثلاث، والتي تركت أثرها السلبي المباشر في أداء رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان، وهي تعود لطبيعة الدستور نفسه.

كما يؤكد “صندي” أن فشل القوى السياسية في وضع حلول تنظم العلاقة بين هذه المؤسسات، سيعيد الخلافات بشكل متكرر بين رؤسائها، مشيرا إلى أن هذه الخلافات برزت للسطح خلال حكم الرئيس السابق” الباجي السبسي” ورئيس الحكومة “يوسف الشاهد”، ثم عادت للظهور من جديد بعد انتخابات 2019 بين رئيس الجمهورية “قيس سعيد” ورئيس البرلمان “راشد الغنوشي”، حيث جعل رئيس الجمهورية على رأس أولوياته في برنامجه الانتخابي إعادة النظر في النظام السياسي، وتغييره من شبه برلماني إلى رئاسي.

بالإضافة إلى ذلك، يشير “صندي”، إلى ما يصفه بـ “خلل طبيعة القانون الانتخابي”، معتبرا أن لقانون الانتخابات دور بارز فيما يحدث.

ويرى “صندي” أن طبيعة صياغة القانون والظروف السياسية بعد الثورة كانت تحتم على المشاركين في صياغته عدم السماح لأي حزب بالحصول على الأغلبية، بحيث لا يعود الشعب إلى الوراء، مستحضرين تجربة خمسين سنة ماضية من التفرد، وتخوفًا من حصول بعض القوى المنظمة والمستعدة لهذا التحول على الأغلبية.

ويضيف أن “هذا القانون كان مناسبًا في وقته وسياقاته، إلا أنه أفضى فيما بعد إلى ضعف المؤسسات وتشرذم الأحزاب بحثًا عن مواقعها في الدولة، ولم يستطع أي حزب أن يتحمل مسؤوليته أمام الشعب، وذلك ما أدى إلى ضعف التوافقات السياسية، خاصة ما بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة”.

محاسبة لا انتقام

خلال الأيام الماضية، تعالت أصوات مطالبة بأن تشمل المحاسبة الجميع، ودون تمييز على أساس الانتماء الحزبي وأن تبقى العقوبة شخصية تتعلق بمقترف الفعل المجرم لا بالتنظيم الذي ينتمي إليه.

ويقول مراقبون، إنه قد تم في السابق وضع كل أبناء المنظومة القديمة في خانة واحدة وتمت شيطنتهم جميعا وتم حلّ حزبهم، فكانت النتيجة بروز فصيل دستوري شديد التطرف في المشهد السياسي التونسي بسبب الشعور بالضيم.

وبالتالي ما حصل للدساترة في السابق لا يجب ان يتكرر مع حركة النهضة أو أي حزب آخر حتى يقطع التونسيون مع هذه الحلقة المفرغة من الانتقام والانتقام المضاد الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم.

تعليقا على ذلك، يرى الباحث في العلوم السياسية، “محمد الحباشي” أن المصلحة الوطنية تفرض العمل لتجنيب البلاد الصدام الداخلي وإبعادها قدر الامكان عن مواجهات الشارع التي يمكن أن تتطور نحو الأسوأ خاصة وأن ما حصل في سوريا وليبيا ماثل في أذهان التونسيين.

ويقول “الحباشي” إن الحل للأزمة التونسية الحالية لا يجب أن يخرج عن هذا الإطار، أي الرعاية المحلية للحوار بدون الاستعانة بالخارج، باعتبار أن أبناء الخضراء لا يعوزهم الوعي ولا الخبرة السياسية التي جنبت البلاد الويلات خلال السنوات الماضية.

ويضيف، “بينت التجربة أن الشعب التونسي ليس دمويا يجنح إلى الانتقام والتشفي وسفك الدماء، فهو عقلاني إلى أبعد الحدود ويقدر حجم المخاطر المحدقة بوطنه، ويدرك أيضا أن هناك متربصين بالبلد، حتى من أقرب الأقربين، يتمنون انحداره ورؤيته في أكثر المواقع انحطاطا.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.