الأسد أم داعش.. المفاضلة بين الأسوأ والأكثر سوءاً

مهمة صعبة هي، عندما نضطر للاختيار بين السيئ والأسوأ، ولكن الأصعب من ذلك، أن نضطر للاختيار بين الأسوأ والأكثر سوءا، تماماً كما هو حال السوريين في منطقة الجزيرة، الذين يبدو أن خلاصهم من تنظيم داعش الإرهابي، الذي أذاقهم شتى أنواع العذاب، ارتبط بعودة نظام “بشار الأسد”، الذي انتفضوا ضده قبل ما يزيد عن سنوات ثمان، ليبقى السؤال المفتوح في هذه الحالة، لو قدر للسوريين الاختيار بين ظلم داعش أم ظلم النظام أيهما سيكون أشد؟.

التساؤل السابق طرحه العديد من المعلقين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما بعد عودة النظام السوري مؤخراً، للسيطرة على الكثير من المناطق، التي كان يستولي عليها تنظيم الدولة الإرهابي في ما سبق، لا سيما مع التحذيرات التي أطلقها أهالي تلك المناطق، من ارتكاب النظام لعمليات انتقامية ضدهم، جراء مشاركتهم بالثورة ضده، والتي كان من بينها مدينة منبج، التي تداولت وسائل إعلامية أنباءً عن وجود اتفاق بين روسيا وتركيا لتسليمها للنظام.

تنظيمات الدم وسياسات مدروسة

عدد من المراقبين والمحللين السياسيين ربطوا بين إجرام داعش وممارسات النظام السوري، واصفين أنهما عملياً كانا وجهين لعملة واحدة، أولهما اتخذ من اللحية شعاراً له، أما ثانيهما فكان البسطار العسكري واحداً من أقوى رموزه، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن مغالاة التنظيم وتشديده من إجرامه وممارساته، جاء كنوع من التغطية على ممارسات النظام، وربما لجعله مقبولاً فيما بعد من قبل السوريين.

المحلل السياسي المعارض “سمير نشار” من جهته، لفت إلى وجود دورٍ أساسيٍ للنظام السوري في التأسيس لتنظيم داعش وإرهابه، مضيفاً: “منذ بداية الثورة وعندما اكتشف النظام أن الثورة تكبر وتتوسع بالأشهر الاولى من عام 2011، قام النظام بإطلاق سراح أعداد كبيرة من المتشددين المعتقلين لديه من سجن صيدنايا، النظام وأجهزته الخبيرة يعلمون تماماً أن هؤلاء المتطرفين سيحملون السلاح وسوف يعمدون ألى أسلمة الثورة، ومن المؤسف القول أن جماعات الإسلام السياسي ساعدت في ذلك، بحيث حرفت وشوهت ثورة الحرية والكرامة بحيث أصبحت كما زعموا ثورة أهل السنة والجماعة ضد النصيرية والروافض ، وهذا ما ساعد في تحقيق أهداف النظام وإلباسها ثوب الاٍرهاب حسب زعمه”.

واعتبر “نشار” أنه في حال كانت الخيارات محصورة بين داعش والنظام فقط، فإن سكان منطقة شمال شرق سوريه تحديداً قد يفضلون النظام، موضحاً: “مفاضلة النظام على داعش تأتي لسبب واضح، وهو عدم تدخله في نمط حياة اليومي للناس، كما فعلت داعش أو القاعدة أو النصرة أو هيئة تحرير الشام أو عموما جميع التنظيمات الاسلامية، التي تريد ان تطبق الشريعة ، حسب فهمهم لها، والذي هو فهم ملتبس ويوجد أكثر من تفسير أو تأويل لنصوص الشريعة، وهذا ما برهنت عليه التجارب بالمناطق التي سيطرت عليها الجماعات المتطرفة وما نزال نشاهده في بعض المناطق في محافظة إدلب”، مؤكداً أن تلك المفاضلة لم تتم على أساس أن النظام له إيجابيات، وإنما على مبدأ الأخف تدخلاً في حياتهم، حتى وإن كانت أحكامه بذات الإجرام الذي يتمتع به التنظيم.

وأردف “نشار”: “النظام معروف أنه يصادر حريات الناس وقرارهم ويحدد لهم مستقبلهم ولا يسمح لهم بالمشاركة في النظام السياسي ولا يحقق المساواة بين المواطنين ويعمل على عدم تحقيق اَي تنمية او إيمان بالمستقبل ، لذلك حدث الانفجار الكبير ، ثورة الحرية والكرامة”.

على الضفة الأخرى: جهنم داعش ولا جنة النظام

في الطرف الآخر من معادلة “داعش والأسد”، رأي العميد المنشق “فاتح حسون”، أنه على الرغم من إرهاب تنظيم داعش الكبير، وتصرفاته الإجرامية، وقتله الأبرياء بلا رادع ولا حق، وتسلطه على الناس وتكفيرهم، إلا أنه كان أقل منه إجراما بالمقارنة مع نظام الأسد، على حد قوله، مضيفاً: “داعش لم يستخدم البراميل المتفجرة العشوائية، ولم يعتقل الآلاف من النساء ويعتقلهن، كما يفعل نظام الأسد، والإحصائيات حول ذلك تدلل على أن إجرام نظام الأسد أعم وأكبر من إجرام داعش، وكلاهما سيء، وبالتالي يكون أهالي المنطقة الشمالية في أهون الشرين إن كان داعش وليس النظام”.

نظرة العميد المنشق “حسون” تقاطعت مع شهادة الناشط الإعلامي “محمد المصطفى” الذي أشار في حديثه مع مرصد مينا إلى أن تنظيم داعش ومع كل تاريخه يبقى أفضل من عودة النظام، مضيفاً: “بعيداً عن الجرائم والمجازر، لننظر إلى كم الأذى النفسي للسوريين عموماً وأهالي الجزيرة خصوصاً وهم يرون أرتال النظام تدخل إلى مدنهم وقراهم بعد أن دفعوا دماء أبنائهم مقابل التخلص منه، أي إحساس سينتابهم وهو يرون أن كل تضحياتهم طلية سنوات ذهبت على مبدأ وكأنك يا أبو زيد ماغزيت”.

إلى جانب ذلك، أردف “المصطفى”: “الناس ذاقت المر جراء سياسة النظام بالمنطقة الشرقية من خلال تهميش المنطقة و تجهيل أبناء المنطقة و افقارها و السماح للايرانيين بالتوغل بالمنطقة الشرقية و نشر التشيع مستغلين افقار المنطقة و ترغيب الايرانيين للناس بالتشيع مقابل رواتب تأتي من إيران”، معتبراً أن ظهور التنظيم وسيطرته السريعة على مساحات واسعة من البلاد، خلال فترة قصيرة جداً، يثير اليقين حول ارتباطه بالنظام الذي كان أكبر المستفيدين منه.

وختم “المصطفى”: “النبي محمد عليه السلام وصحابته المبشرين بالجنة والصالحين احتاجوا سنين طوال حتى يعودوا لمكة فاتحين، فكيف للبغدادي ومجموعة من المتطرفين البعيدين كل البعد عن الدين أن يسيطروا على ثلث مساحة العراق وثلثي مساحة سوريا خلال أسابيع، ومن ثم يختفي التنظيم بأيامٍ معدودة!، لولا أن كان وراءه قوة تسمح له بالتوغل أكثر والسيطرة أكثر وأكثر في أراضي البلدين”.

استطلاعات وآراء من الداخل

في الداخل السوري كان لاستطلاع الرأي الذي أجرته منظمة “غالوب إنترناشيونال”، حول موقف السوريين في منطقة الجزيرة؛ من عودة النظام إلى مناطقهم، كلمة كبرى في تحديد توجهات السكان هناك، لا سيما وأن نتائج الإستطلاع الذي شمل عينة ضمت 700 شخص من أبناء الرقة والحكسة، أظهرت أن معظم الأهالي هناك يرفضون عودة النظام تحت أي ظرفٍ من الظروف.

وتأتي أهمية الاستطلاع السابق من كون أن مؤسسة “غالوب اتنرناشيونال” تعتبر واحدة من أكثر المؤسسات في العالم، التي دأبت على استطلاع الرأي العام في سوريا منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، ضد نظام “بشار الأسد”.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.