الأسد والمعارضة على طاولة التفاوض

للمرة الثانية منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، أي قبل ما يقارب تسعة أعوام، تُعقد محادثات مباشرة بين نظام بشار الأسد والمعارضة في مدينة “جنيف” السويسرية، سعيا للتوصل إلى وضع دستور جديد للبلاد، بعد أن فشلت اللقاء المباشر بينهما في عام 2014، ولم يكلل بالنجاح.

ومن المخطط أن تعقد اليوم الأربعاء الجلسة الأولى بين الطرفين بعد تشكيل لجنة يترأسها رئيسان مشتركان عن المعارضة والنظام، وتتألف من 150 عضوًا، بواقع 50 لكل من المعارضة والنظام ومنظمات المجتمع المدني، بهدف إجراء محادثات تعقد بوساطة من الأمم المتحدة.

من جهتها أعربت الدول الثلاث التي تتدخل مباشرة على الأراضي السورية “تركيا، وروسيا، وإيران” عن دعمها الكامل لـ اللجنة الدستورية السورية، التي تشكلت مؤخرا من المعارضة والنظام.

حيث صدر مساء أمس الثلاثاء بيانا مشتركا من قبل وزراء خارجية تلك الدول، التركي مولود تشاوش أوغلو والروسي سيرغي لافروف والإيراني محمد جواد ظريف، عقب اجتماعهم في جنيف مع المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، أكدت فيه باقتناعها “بأن إطلاق اللجنة الدستورية يثبت أنه لا يمكن أن يكون هناك حلًّا عسكريا للصراع السوري”.

كما رحبت أيضا “بتشكيل اللجنة، وانعقادها بجنيف في 30 (أكتوبر) تشرين الأول (الأربعاء)، بفضل إسهام ضامني أستانة، وتنفيذ قرارات مؤتمر الحوار السوري (في منتجع سوتشي الروسي 2018)”.

البيان المشرك لفت إلى أن الدول الثلاث تجدد “التزامها بالمضي قدمًا في العملية السياسية، التي يقودها السوريون وتتواصل مع الأمم المتحدة، بما يتماشى مع القرار الأممي رقم 2254″، كما أنها مصممة على “دعم عمل اللجنة الدستورية، من خلال التفاعل المستمر مع الأطراف السورية، والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، لضمان عملها المستدام والفعال “.

روسيا وتركيا وإيران أكدوا في البيان المشترك أنهم ملتزمون “بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، وضرورة احترام هذه المبادئ من جانب جميع الأطراف”، إضافة إلى “مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، ومكافحة البرامج الانفصالية في الأراضي السورية”.

كلمة المعارضة السورية في الافتتاح، والتي تلاها “هادي البحرة”، وجاء فيها:

(في هذا المبنى، في قاعةٍ مجاورةٍ لهذه القاعة، خُضنا أولَ عمليةٍ تفاوضيةٍ مباشرةٍ في أوائلِ العام 2014, ايماناً منا بضرورةِ السعيِ لحلٍ سياسيٍ عادلٍ قائمٍ على تنفيذِ قرارِ مجلسِ الأمنِ رقم 2118 (2013) وبكلِ أسفٍ لم تكللْ تلكَ المفاوضاتِ بالنجاحِ، وخابتْ آمالُ الشعبِ السوريِ بإمكانيةِ وقفِ معاناتهِ، واستمرتْ المأساةُ السوريةُ ليومِنا هذا, خمسة أعوامٍ مضتْ، وها نحنُ اليومَ نجتمعُ مجدداً يحدونا الأملُ لإنجازِ ما عجزنا عنه سابقاً.

لا يخفى على أحدٍ أن المائة وخمسين شخصًا المجتمعينَ اليومَ في هذه القاعةِ لدَيهِم آراءٌ متباينةٌ حولَ العديدِ من القضايا، بعضُها بسيطٌ وبعضُها أساسيٌ. ولكنْ بعدَ السنواتِ الثماني المؤلمةِ التي ابتلتْ شعبَنا في سوريا، جئنا هنا، من جانِبِنا عازمينَ على البحثِ عن أوجهِ التشابهِ بدلاً من الاختلافاتِ، لأننا ندركُ تمامًا توقعاتِ أمةٍ بأكملِها تنتظرُ الخلاصَ من حالةِ معاناةٍ لا يمكنُ تصورُها.

ونحن نبدأُ هذا الفصلَ الجديدَ من تاريخِ سوريةَ الحديثِ، هذه الخطوةُ الأولى والهامةُ من العمليةِ السياسيةِ والاجتماعيةِ التي أقرتْها الأممُ المتحدةُ في عام 2015 بقرارِ مجلسِ الأمنِ 2254، آملُ أن أتمكنَ وبكلِ تواضعٍ ومسؤوليةٍ من نقلِ أصواتِ ونداءاتِ عددٍ لا يحصى من السورياتِ والسوريينَ، وأن أستمرَ وبكلِ جسارةٍ مؤمناً أن نتمكنَ من البدءِ بالمضيِّ قُدُماً.

إذا كان هناكَ شعورٌ واحدٌ عظيمٌ نتشاركُه جميعاً كسورياتٍ وسوريينَ مجتمعين في هذه القاعةِ مع بعضِنا البعض، كما نتشاركُه مع ملايينَ من مواطنينا في الداخلِ وملايينَ آخرينَ باتوا الآنَ وبكلِ أسفٍ منتشرينَ في جميعِ أنحاءِ العالمِ، فهو فخرُنا العميقُ بتراثِنا المشتركِ. إنَّ هذا التاريخَ الغنيَ والمتنوعَ بشكلٍ مميزٍ تركَ بصماتِه في أعماقِ أرواحِنا، وفي كلِ طبقةٍ من تربتِنا الوطنيةِ الحبيبةِ، هو شهادةٌ على إنجازاتِ أسلافِنا المختلفينَ، الذينَ ساهمُوا في تطورِ الحضارةِ الإنسانيةِ، وورَّثُوا كنوزاً للعالمِ لا تزالُ تُلهمُنا ثقافياً وفكرياً وعلمياً واجتماعياً.

هذا ماضٍ متعددِ الأوجهِ نتشاركُه معًا كأمةٍ. ومثلَما نتشاركُ هذا الماضي المجيدَ، يجبُ أن نتشاركَ المستقبلَ أيضًا -مستقبلاً يخصُّ جميعَ السوريينَ. هدفُنا، منذُ البدايةِ، كان السعيَ لإحياءِ سوريا لجميعِ السوريين، وطنٌ يحترمُنا جميعًا ولا يميزُ ضدَّ أحدٍ. يلتزمُ ليسَ فقط باحترامِ التعدديةِ السياسيةِ وتنوعِنا العرقيِ والاجتماعيِ، بل أيضاً بتمكينِها، وتعزيزِ أساسِ الفسيفساءِ الجميلةِ التي ازدهرتْ بها أمتُنا لعدةِ قرون.

كي نجعلَ هذا حقيقةً واقعةً، يجبُ علينا تغييرَ الوضعِ الراهنِ، يجب علينا نحن السورياتِ والسوريين تغييرَ الطريقةِ التي نفكرُ بها، والتوقفَ عن العملِ على أساسِ دوافعِنا العاطفيةِ، يجبُ علينا أن نعضَّ على جروحِنا وأحزانِنا ومعاناتِنا، يجب أن نبدأَ بالاستماعِ لبعضِنا البعضِ، لفهمِ مخاوفِنا وتظلماتِنا، وتحديدِ المشتركاتِ فيما بيننا لتعزيزِها، وتحديدِ نقاطِ الخلافِ فيما بيننا، لإيجادِ طرقٍ لحلِّها.

لا يمكنُ علاجُ خطابِ الكراهيةِ وجرائمِها بكراهيةٍ مقابلةٍ، ولا يمكنُ للجريمةِ أن تبررَ جريمةً أكبرَ، ولا يوقفُ الخطابَ الطائفيَ المقيتَ خطابٌ طائفيٌ معاكسٌ، ولا الإرهابَ بإرهابٍ مقابلٍ، فكلُّ ذلكَ أدَّى إلى مزيدٍ من التطرفِ، دائرةٌ من العنفِ والقتلِ والتدميرِ، دائرةٌ مفرغةٌ لا نهايةَ لها ويجبُ أن تتوقفَ، من أجلِ أن نحافظَ على ما تبقَّى من وطنِنا.

يكفي أن نعلمَ أنِّ حجمَ الدمارِ الذي طالَ البنيةَ التحتيةَ لألمانيا خلالَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ بلغ الستين بالمائة, بينما بلغَ حجمُه في سوريا خلالَ الأعوامِ الثمانيةِ الماضيةِ الخمسَ والستين بالمائة, وباتَ أكثرُ من نصفِ شعبِنا بين نازحٍ ولاجئٍ, وبلغَ عددُ الضحايا من السورياتِ والسوريينَ أطفالاً ونساءً ورجالاً ومن الأطرافِ كافةً ما يقاربُ المليون, عدا عن المعاقينَ نتيجةً للأعمالِ العسكريةِ والعنفِ والذين باتَ عددُهم بعشراتِ الآلافِ, وباتَ اقتصادُنا يحتاجُ أكثرَ من عشرينَ عاماً ليتعافى ويعودَ إلى مستوياتِه ما قبلَ العام 2007, ومازالتْ حتى يومِنا هذا قضيةُ المعتقلينَ والمغيبينَ قسرياً دونَ حلٍّ جذريٍّ, يوقفُ آلامَ وعذاباتِ آلافِ العائلاتِ السوريةِ, ويبقى كأهمِ ملفٍ يجبُ علينا جميعاً العملَ على حلِّه بأسرعِ وقتٍ وسبلٍ وبأنجعِ الطرقِ, هذا حقٌّ لهم ولأسرِهم كما هو من أهمِّ القضايا اللازمةِ لإعادةِ بناءِ الثقةِ بين كافةِ الأطراِف السوريةِ, ولتعزيزِ الثقةِ بالعمليةِ السياسيةِ وإثباتاً لجديةِ كافةِ الأطرافِ المؤمنةِ بها والمنخرطةِ فيها, يتوجبُ الإنجازُ في هذا الملفِ، وإطلاقُ سراحِ المعتقلينَ لدى الأطرافِ السوريةِ كافةً, والسعيُ لمعرفةِ مصيرِ المفقودينَ والمغيبينَ قسرياً, ينبغي احترامُ حقَّ هذه العائلاتِ لمعرفةِ مصيرِ أفرادِها.

لقد آنَ الأوانُ كي نؤمنَ بأن النصرَ في سورية، هو كلُّ شيءٍ عن تحقيقِ العدالةِ وكسبِ السلامِ، وليسَ الفوزَ في الحربِ. هذا هو النصرُ الوحيدُ الذي يمكن لجميعِ السوريينَ مشاركتَه ويكونوا جُزءًا منه.

أنا متأكدٌ من أننا جميعًا ندركُ أن المهمةَ الماثلةَ أمامنا صعبةٌ، وأنَّ هذه مجردُ نقطةِ انطلاقٍ على طريقِنا الطويلِ نحو التعافي. إذا أردنا أن نشفى، يجب علينا أن نجدَ السلامَ معًا. ولكي يسودَ السلامُ، يجب أن يستندَ بالطبعِ إلى عدالةٍ شاملةٍ لشعبِ سوريا. تمِّ تضمينُ هذا التشريعِ العالميِ في جدولِ أعمالِ الأممِ المتحدةِ للتنميةِ المستدامةِ لعام 2030، في الهدفِ السادسِ عشرِ من أجلِ السلامِ والعدالةِ والمؤسساتِ القويةِ؛ إنه شرطٌ أساسيٌ غيرُ قابلٍ للتصرفِ وشرطٌ مسبقٌ لأيِّ دولةٍ ناجحةٍ ودولةٍ فاعلةٍ، حيث يكونُ صوتُ كلِّ مواطنٍ متساوٍ، وحيث تمَّ تحقيقُ العدالةِ.

أعتقدُ أن السوريينَ بأطيافِهم كافةً، وبأغلبيتِهم الواسعةِ ممن عانُوا لفترةٍ طويلةٍ -مقتنعون مثلَ معظمِ الناسِ في جميعِ أنحاءِ العالمِ -بهذه الضرورةِ، ويحدونا أملٌ قويٌ في أن يكونَ الآخرونَ مستعدينَ قريبًا للاعتراِف بأنه لا يمكنُ أن يكونَ هناك قابليةً للحياةِ لأيِّ حلٍّ، عدا عن حلٍّ سياسيٍّ عادلٍ يؤدي لتنفيذِ قرارِ مجلسِ الأمنِ رقم 2254 (2015) كاملاً. والذي نصَّ في مادتِه الرابعةِ على ” يعربُ عن دعمِه، في هذا الصددِ، لعمليةٍ سياسيةٍ بقيادةٍ سوريةٍ تُيسرُها الأممُ المتحدةُ وتقيمُ، في غضونِ فترةٍ مستهدفةٍ مدتُها ستةُ أشهرٍ، حكماً ذا مصداقيةٍ يشملُ الجميعَ ولا يقومُ على الطائفيةِ، وتحددُ جدولاً زمنياً وعمليةً لصياغةِ دستورٍ جديدٍ، ويعربُ كذلك عن دعمِه لانتخاباتٍ حرةٍ ونزيهةٍ تُجرَى، عملاً بالدستورِ الجديدِ، في غضونِ 18 شهراً تحت إشرافِ الأممِ المتحدةِ، بما يستجيبُ لمتطلباتِ الحوكمةِ وأعلى المعاييرِ الدوليةِ من حيثُ الشفافيةِ والمساءلةِ، وتشملُ جميعَ السوريينَ الذين تحقُّ لهم المشاركةُ، بمنْ فيهِم أولئكَ الذينَ يعيشونَ في المهجرِ، على النحوِ المنصوصِ عليهِ في بيانِ الفريقِ الدوليِ المؤرّخِ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2015؛” وها نحنُ اليومَ نبدأ عملَنا لصياغةِ دستورٍ جديدٍ لسورية يرقى لتطلعاتِ شعبِها.

يجبُ أن تكونَ ذكرى ما يقاربُ المليونَ ضحيةً منارةً تُوَجِّهُنا خلالَ بحثِنا عن مخرجٍ من النفقِ المظلمِ، تمامًا كما يجبُ أن يكونَ توقُ ملايينَ السوريينَ للعودةَ إلى ديارِهم والانضمامِ إلى أحبائِهم بوصلةً لنا. إن القراراتِ التي نتخذُها جماعياً اليومَ تؤثرُ تأثيراً محورياً على مستقبلِ أطفالِنا -مستقبلُهم بين أيادينا فأرجو آلا نحرمَهم من مستقبلٍ رغيدٍ يستحقونَه، في وطنٍ يصونُ كرامةَ مواطنيه ويكفلُ حرياتِهم الشخصيةَ والجمعيةَ، في دولةِ المواطنةِ المتساويةِ.

أتمنى أن تكونَ الذكرى السنويةُ الخامسةُ والسبعون للأممِ المتحدةِ، في العامِ المقبلِ، مناسبةً للاحتفاِل بإنجازٍ آخرَ من إنجازاتِها، بدعمِها الكاملِ ونجاحِ مساعيها تحتَ إشرافِ المبعوثِ الخاصِ، في عمليةٍ سياسيةٍ تمنحُ السوريينَ -جميعَ السوريينَ-السلامَ والعدالةَ والكرامةَ التي يطالُها الناسُ في جميعِ أنحاءِ العالمِ، في كلِّ قارةٍ، وفي الختامِ أرجو أن تشاركوني جميعاً الدعاءَ من أجلِ تحقيقِ السلامِ على أرضِ السلامِ وعودةِ المحبةِ بين كلِّ السوريين.)


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.