الأقلوية السياسية الطائفية.. سوريا نموذجاً

ليس المقصود هو الحالة المذهبية، وحقّ الناس في اعتناق ما يرونه ملائماً من عقيدة أو دين أو مذهب، فذلك جزء من إفرازات تاريخنا، وأساس الديمقراطية والتعددية، لكن المقصود هنا توظيف الحالة المذهبية لأغراض سياسية وبخاصة في بعض الطغم والمجموعات التي تقوم في النتيجة بممارسة أفعال ضارّة بالطائفة قبل الآخرين، وبالوطن ووحدته الاجتماعية والسياسية.

تناقش هذه الورقة هذا الموضوع من خلال ما يأتي:

  • جوهر النظرية الماركسية يدعو إلى ذلك.
  • الحالة السورية نموذجاً.
  • الحالة العلوية في سوريا.
  • هل أخطأ صلاح جديد؟.
  • المظلومية وتوظيفها خدمةً لهذه الفكرة.
  • تهميش بقية الطائفة في ما بعد.
  • العقل الطائفي الأقلوي.

المدخل

لا تقتصر الأقلوية على دين أو مذهب أو قومية أو إثنية، بل يمكن أن تشمل أحزاباً وقوى سياسية وطغماً تصل إلى الحكم، وتبقى مدة طويلة وهي أقلوية جداً عمادها –غالباً- القوة والعنف وسط مزيد من الديماغوجيا المختلطة بالشعارات الشعبوية.

ارتكزت النظرية الماركسية في جوهرها على فكرة الأكثرية والأقلية، من خلال تصورات ماركس للمراحل التي عرفتها المجتمعات البشرية، أو “أنماط الإنتاج” التي سادت العالم حين يسود نمط إنتاجي فيهيمن اقتصادياً واجتماعياً، ووفقاً لتلك التصورات تناول ماركس آخر تشكيلة اجتماعية تعرفها البشرية ما قبل الشيوعية المتمثلة بـ”البروليتاريا” نتاج النظام الرأسمالي التي ستكون سيدّة الإنتاج والمجتمع، فتكون والحال كذلك “دكتاتورية البروليتاريا” تحصيل قوى الإنتاج الرئيسة، وعلى ذلك ينفي فيها فكرة الدكتاتورية الأقلوية، وهي التي تمهد الطريق إلى الشيوعية (آخر المراحل الإنتاجية للبشرية) وفق تلك التصورات.

لكن متغيرات روسيا (نصف الإقطاعية، نصف الرأسمالية، بحسب وصف لينين) قادت إلى عملية استبدالية كبيرة، وجوهرية ألغت عملياً ذلك الركن الرئيس، المولّد، فأحلت العامل الذاتي مكان الموضوعي، وألقت عليه بأحمال نقل المجتمع وإنضاجه لتأمين “دكتاتورية البروليتاريا” ولو عبر وسائط من الاختلاطات أو التحالفات مع قوى كانت توصف بأنها بورجوازية صغيرة كالفلاحين والمثقفين والحرفيين والتجار الصغار (تراكب الثورتين الديمقراطية والاشتراكية). وقد قادت هذه الفلسفة إلى تكريس العقل الأقلوي عبر الحزب الوسيط الأداة، وإلى توليد ما يعرف بالعنف الثوري أي ممارسة القمع، والقرارات الفوقية من لدن ذلك الحزب حتى لو احتاج الأمر إلى استخدامه ضد الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، وهي حالة أقلوية ازدادت بعداً عن شعاراتها وفلسفاتها بمرور الزمن والفشل في التصحيح.

هذه العملية الاستبدالية على الرغم مما عرفه الاتحاد السوفياتي من تقدّم في الاقتصاد، ومن وجود طبقة عاملة بحجم كبير، وكذلك فلاحي المزارع الجماعية الأقرب إلى العمال في تصنيفهم، إلا أن دور الحزب بقي هو الأساس، ومن ثم تكريس الأقلوية السياسية، والجمود العقائدي الذي يقدّس النص، كما الشخص القائد. ولعل ذلك في مقدمة أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي.

كتب المفكر اللبناني الماركسي مهدي عامل (حسن حمدان)(1) كثيراً في مفهومات الحزب، والفرق بين الهيمنة والسيطرة على الصعيد الطبقي والسياسي، وأظهر أن القوى السياسية، حتى لو عبّرت عن طبقة أغلبية، ما لم تكن تلك الطبقة، ومن ثم الحزب، مهيمنة اقتصادياً واجتماعياً ستكون أقلوية، وستلجأ إلى وسائل العنف لتثبيت أوضاعها وبقائها في الحكم، وضرب أمثلة مهمة من الواقع العربي، ودور الأحزاب الشيوعية العربية، وأنظمة الحكم السائدة في مجتمعاتنا.

الحالة السورية نموذجاً

الانقلابات العسكرية المتوالية في سوريا كانت توقف المسار الديمقراطي لكن لمدّة قصيرة تعود فيها الانتخابات البرلمانية، التي على الرغم من سلبياتها الكثيرة، والتحديات التي كانت تواجهها، وبخاصة على صعيد مجابهة الكيان الصهيوني وما يمثله من تهديد، وما يفرضه من تضخيم دور المؤسسة العسكرية، وتزايد حجم تدخلها في السياسة، إلا أنها في النتيجة سمحت بتطور سوريا، ونمو العمل السياسي والحزبي، وتعاظم دور البلد في أمته إقليمياً وعالمياً، وكانت بمنزلة “العرس الديمقراطي” الذي احتضن خصائص السوري ومواهبه في ميادين العمل والإنتاج والثقافة، ومختلف المجالات إلا أن قطع تلك التجربة برايات الوحدة الحلم، واشتراطات عبد الناصر بحل الأحزاب جميعها، وسيادة الرأي الواحد والفوقية والشمولية فتح الطريق لشيء من “الشرعنة” لحكم العسكر، ولانقلابهم في 8 آذار 1963 الذي عبّر عن مروحة واسعة من القوى السياسية والمستقلة، العسكرية والذي انتهى باستفراد البعث، وإقصاء الآخرين.

بدءاً كان عسكر البعث أقلوية نسبية في الجيش، وكثير منهم ينتمي إلى الأقليات الإسلامية غير السنية، وكانوا بحاجة إلى توسد شرعية البعث كي يمنحهم مشروعية يحتاجون إليها، وكان البعث الذي عانى التفكك وخصوصاً في سورية والخلافات الداخلية وضمور وجوده المديني والعام في أمس الحاجة إلى أولئك العسكر فحدث اللقاء، أو الاختلاط بين تلك البنية العسكرية وما تحمله من أفكار حزبية، والبعث وقيادته التاريخية الباقية.

ولأن البعث لا يملك قدرة الهيمنة الاجتماعية ولا الإنتاجية، كان القمع والعنف والقوة وسيلته للبقاء كأمر واقع، شأنه بذلك شأن الأنظمة العربية الأقلوية معظمها.

وجد هذا الواقع هواه اللازم في الفلسفة التي أنتجها النظام الاشتراكي السوفياتي، القائمة على مجموعة متراكبة من الأسس المتحورة حول استئثار الحزب بالسلطة، واستخدام العنف الثوري نهجاً في التعامل مع الآخرين حتى لو كانوا من فئات قريبة أو من طبقات معنية بالشعارات المرفوعة وحرق المراحل، فقولبة المجتمع بالقوة عبر ما يعرف بالديمقراطية الشعبية، وتضخّم دور الدولة وتدخلها في العمليات الإنتاجية كلها بما فيها الصغيرة.

عملياً ضمن هذه الأقلوية الحزبية. العسكرية كانت أقلوية أخرى تبرز بشكل أقرب إلى السرية، ثم أفصحت عن نفسها بموضوعات صريحة عبر بضع سنوات، وبقدر ما بدت طبيعية أو إفرازاً لشعارات الحزب الفلاحية، ووجوده في الريف خصوصاً، ومقولاته عن الكادحين وموقعهم فيه، طرحت أسئلة تتجاوز الظاهر إلى الخلفيات المتعارضة مع خط الحزب ونهجه بوصفه حزباً عروبياً لا يعترف بالطائفية، ولا حتى بالإقليمية، وكانت غلبة العلويين في الجيش مثار مناقشات داخلية، وشعبية تكتسي طابع السرية والهمس، وفي الحلقات الخاصة.

“الحالة العلوية” في سوريا

أعلم مسبقاً أن الخوض في جوهر هذه الحالة موضوعياً يحتاج إلى مزيد من الدقة والشفافية، بالنظر إلى حساسيتها التي تشبه دخول حقل ألغام، علاوة على الحاجة إلى وثائق مؤكدة تدعم أي تحليل واقعي، وهي غير موجودة تماماً، أي بشكل توثيقي سوى عبر بعض المظاهر والاستدلالات.

هناك رأي قوي وحتى داخل أوساط قيادية في البعث، يتهم فئات علوية نافذة ليست ما يعرف بالمجلس الملّي. بأنها اتفقت منذ عقود على إقامة تنظيم خاص داخل البعث الذي وجدت فيه سبيلاً موائماً للحكم، وأن لهذا التنظيم قيادات وأعضاء تقرر وتقود وتوجّه، وقد وضعت نصب أعينها الوسائل والتكتيكات الملائمة لاحتواء البعث واستخدامه، وكان لها ذلك صراحة بالتدريج، ثم بشكل علني مع قيام “الحركة التصحيحية” التي كان للتكتل العلوي من الضباط دوره البارز فيها، ثم في المراحل التالية التي أظهرت غلبة علوية بخاصة في المفاصل المهمة للحكم، والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

هل أخطأ صلاح جديد؟

هناك من يبرّئ ساحة اللواء صلاح جديد من هذا المخطط، ويدلل على ذلك برفضه القاطع للمشروع الطائفي، وأنه كان يحمل مشروعاً مناقضاً تماماً: بناء الحزب الثوري الذي يقود القطاعات كلها وأولها وأساسها المؤسسة العسكرية، ويعتبرون أن رفضه كان السبب في المصير الذي واجهه، إذ انتهى باغتياله داخل الاعتقال، وبشكل ما اللواء محمد عمران الذي كان يمكن أن يكون البديل الأكثر قبولاً من حافظ الأسد لما يمتلكه من روحية منفتحة، وتوجهات وحدوية، وعلاقات عربية واسعة، لذلك اغتاله الأسد.

وهناك من يشير بأصابع الاتهام إلى مسؤولية خاصة للواء صلاح جديد مذ استلم مهمة رئيس شعبة شؤون الضباط التي تعتبر الأهم في حركة التنقلات العسكرية، والتسريحات وإدخال مئات الضباط من الاحتياط وتثبيتهم، وأن تلك الإجراءات التي تمّت في فترة وجوده رئيس أركان أحدثت تغيّرات كبيرة في بنية الجيش فعلياً بتسريح أعداد كبيرة من الضباط السنة، والمجيء بمئات ضباط الاحتياط الذين كان معظمهم من أبناء الأقليات الإسلامية غير السنية، وفيهم النسبة الأكبر من العلويين، وأن ذلك أوجد خللاً في توازن المؤسسة العسكرية تحدث عنه عدد من قيادات البعث بشكل علني أو في جلساتهم الخاصة، وكان الخلاف كبيراً بين اعتبار هذه الظاهرة نتاجاً عادياً لبنية الحزب والمجتمع وغلبة الفلاحين الذين يشكل العلويون فيهم نسبة واضحة، ومن وجد في هذه العملية المتصاعدة فعلاً متواطئاً واستخداماً متعدد الوجوه ينافي مبادئ البعث والشعارات المرفوعة التي تتناقض مع الأفكار كلها المنتشرة عن الكادحين وموقعهم، وعن الأمة الواحدة والطروحات ما فوق وطنية ودينية، ومذهبية، إلى خلل في البنية، وإلى فعل منهج من قبل بعض المسؤولين في البعث الذي استقووا بأبناء الطائفة لتحسين مواقعهم، أو لتحقيق مكاسب خاصة اتسعت وصولاً إلى السيطرة على النظام بالكامل.

المظلومية وتوظيفها

من المعروف أن المذاهب غير السنية التي ناصبت النظام السائد (السني) الخصومة والعداء واجهت على امتداد تاريخ طويل أصنافاً من الملاحقة والعنف والتصفيات، وأن كثيرها اضطر إلى الاحتماء بالجبال والمواقع الوعرة محافظة على الحياة كونها توفر نوعاً من الحماية الطبيعية حين لا تصل إليها قوى الحكم وفق الوسائل التي كانت مستخدمة، وأن تلك المذاهب معظمها تفريخات لحركة الشيعة التي عرفت انقسامات وانشطارات، كان العلويون من أبرز من عانى ويلات الملاحقة والاضطهاد عبر قرون مديدة يحتاج شرح أسبابها إلى بحث مستقل.

كان الطبيعي أن تستخدم القوى المستفيدة (وبخاصة رجالات الدين والأغنياء) في الطائفة هذا الواقع وتضخيمه، وإحياءه كي تحافظ على مصالحها، وعلى بقاء الطائفة متماسكة ومشدودة، فانتشرت قصة المظلومية وثقافتها الموجّهة ضد الآخر السني، بغض النظر عن طيّات التاريخ واختلاف المراحل، وأصبحت بمنزلة العامل التحريضي الذي يساهم في تشكيل الشخصية والوعي الذي يحضّ على نوع من العلاقات السرية، خصوصاً أن فلسفة “التقيّة” التي أوجدتها حال القمع والملاحقة كانت تقضي إلى مزيد السرية، والازدواجية في المواقف، إذ يختلف المعلن عن الباطن اتقاء للأذى أو منعاً للكشف.

ونعرف هنا أن الطائفة العلوية حافظت على مدار التاريخ وحتى تاريخه، على سرّية التعاليم الدينية التي يصعب أن يعرفها أحد من خارج الطائفة، وأن الأغلبية من الشباب العلوي يتلقى علوم الدين بشكل سري، في مرحلة مبكرة على يد شيخ يقيم في القرية أو المنطقة، ويحتل مرتبة عالية تفوق تأثير الأب ودوره، ويطلق عليه” العم”، وأن من الوصايا المهمة المحافظة على الأسرار منعاً للأخطار، وسلاحاً في مواجهة ذلك الآخر العدو الذي يستهدفهم.

بل إن كثيراً من المثقفين العلويين، ومنهم نسبة واضحة من اليساريين الذين اعتنقوا الفكر الماركسي تحدثوا مراراً عن الاستغلال المركّب الذي واجهته الطائفة العلوية، والمقصود به الاستغلال الطبقي كون معظمهم من الفقراء الذين يعملون في أراضي الإقطاع وملكياته (وهو سني في الأغلب)، والاستغلال المذهبي باعتبارهم ينتسبون إلى الطائفة العلوية، وأن ما يعرف بالحقد الطبقي، وحتى المذهبي يعتبر نتاجاً طبيعياً، أو ردّة فعل، وما يولده ذلك من خوف شبه معمم من الآخر (السني)، وحتى غير العلوي الذي يمثل التواصل لذلك المسار التاريخي الممتلئ بالظلم والاعتداء والكراهية.

هنا نرى التراكب المتناقض بين العامل الطبقي الذي كثيراً ما يبرز إلى الواجهة، وقد يذهب به بعضهم بعيداً وتصويره وكأنه آلي ميكانيكي، ووجه مذهبي تعبوي قد لا يظهر إلا في المنعطفات، والمواقف الحرجة، ويمكن الاستدلال أيضاً على تأثير مناخات التثقيف والتعبئة والبيئة المنتشرة بسردياتها نوعاً من التوافقات في المواقف السياسية والأحاسيس بين فئات تنتمي إلى اتجاهات فكرية مختلفة ومتصارعة أحياناً، وكان يلاحظ على سبيل المثال انسجام في النظرة والموقف من حركة الإخوان المسلمين، بل من النظام العراقي (البعث القومي)، وبعض الأوضاع السياسية المنتشرة في الوضع العربي، في حين كان يُفترض مثلاً حين تقويم النظام العراقي استخدام المسطرة نفسها، أو المنهج الذي يستخدم لتقويم مشابهاته من النظام المحسوبة على حركات التحرر الوطني والقومي، كحال النظام في اليمن وليبيا والجزائر، على سبيل المثال.

كان السؤال الذي يبحث عن إجابات دقيقة: هل يمكن لحالة طائفية تمثل أقلية في المجتمع أن يفكر متعاطو السياسة فيها الاستفراد بالحكم، والسيطرة على البلاد وتهميش الآخرين بطريقة ملتبسة، ومن خلال استخدام حزب اشتهر بتشدده القومي، ومبادئه الداعية لتجاوز التجزئة والمذاهب والقطرية وغيرها.

الواقع يقول إن الحقائق التي برزت صارخة في عهد نظام الأسد الأب والوارث تؤكد وجود خط ونهج طائفيين غير عفويين، يسمحان بتقويم النظام عند توصيفه بأنه طائفي فعلاً لأنه عمل على موضعة الطائفية في ميادين مختلفة، وبخاصة في الكليات الحربية والجيش والأجهزة الأمنية، وفي البعثات إلى الخارج، وميادين مختلفة أحدثت خللاً ليس في بنية الحكم وتوازناته وحسب، بل في المجتمع السوري. وأنه استند منذ بداياته إلى المحسوبين على الطائفة بشكل مميز، ووضع هؤلاء في أهم المفاصل الحساسة، وأمكنة الفعل والقرار، وفي الوقت نفسه مارس عملية تدليس كبيرة بتجويف البعث وتحويله إلى غطاء، وتصنيع واجهات غير علوية يضعها في كراسي المسؤولية من دون أن تكون مؤثرة، أو صاحبة قرار حتى في الحيّز الضيّق الذي يقع ضمن صلاحياتها.

ويمكن التأكيد أيضاً أن ذلك العقل الأقلوي، وقد نجح في فرض الاستقرار في الحكم، وفي ممارسة ديماغوجيا عالية الإتقان عبر ركوب الشعارات القومية واليسارية، وتوظيف القضايا الوطنية والقومية، واستغلال المزاج الشعبي في خدمة البقاء، كان يشرعّن وجود الطائفة في الحكم كحق، بينما أظهرت المواجهات مع المخالفين، وبخاصة مع الإسلاميين، وعلى مدار سنوات الثورة السورية منسوباً من الحقد الذي يغرف من ذلك الخزين التعبوي، وتوظيفه لحشد أغلب الطائفة في حرب أهلية ضد الآخرين، وقد تمكن بمساعدة إيرانية، وباستغلال أخطاء الثورة، وتخلف وتصريحات بعض المحسوبين عليها، تجييش عدد كبير من أبناء الطائفة في حربه المفتوحة، وظهر ذلك جلياً في مواقف المعارضين القدماء من الثورة، أو أولئك الذين انخرطوا فيها بداية، وكانوا بنسبية ملحوظة.

في هذا الجانب كانت الملاحظة، غير المفهومة للبعض، اصطفاف بعض المناضلين المعارضين الذين أمضى بعضهم ردحاً طويلاً في المعتقلات، إلى جانب النظام، أو الانتقال إلى المنطقة الرمادية، أو الحيادية، ما فتح المجال لموجة من التشكيك فيهم، وبتأثرهم الطائفي، ورفضهم وجود بديل عن النظام القائم.

بحسب تقديري هناك عاملان تفاعلا بقوة وأنتجا هذا الوضع

يكمن الأول في خشية عدد من المعارضين العلويين من وصول الإسلاميين إلى الحكم، وهم عندما يضعون النظام وهؤلاء في الميزان يرجحون بالقطع بقاء النظام، ولا يتورع بعضهم عن الاصطفاف المباشر، أو في النتيجة معه.

في هذا الجانب، ومن خلال مسار طويل في معارضة النظام، كان يتضح أن قسماً مهماً من المعارضين للنظام في الميدان السياسي، أو العسكري كانوا جادين في العمل على إسقاطه ولو عبر انقلاب عسكري، ومواجهات يمكن أن تكون عنيفة، لكن شرط أن يكونوا هم البديل ولا أحد سواهم، ولهذا حين يكون احتمال وجود إمكان للتغيير عبر بدائل من خارج الطائفة، كانت الأغلبية منهم تقف بحذر وتعارض، وبعضها يمكن أن يصطف مع النظام بمسوّغات نظرية عن الظلامية والرجعية.

يتعلق الثاني بخط الثورة الذي عرف تحولات وتشوّهات وانحرافات طغت فيها الأسلمة، أو الإسلاموية الساذجة، والمتطرفة التي اعتبرت الثورة حالة سنية في مواجهة الطائفة، والشيعة، وترافق ذلك مع نظرة تشكيك للمعارضين من الطائفة، وكأنّ عليهم أن يثبتوا كل يوم وطنيتهم، وحسن معارضتهم وصدقيتها، فدفع ذلك إلى ردات فعل أنتجت ابتعاد عدد مهم من أبناء الطائفة المنخرطين بالثورة عنها، وبعضهم بات أقرب إلى مواقف النظام بشكل مباشر، أو من حيث النتيجة إضافة إلى الخلاف حول المواقف السياسية في التعامل مع النظام، ورأسه، وكبار رموزه، ودعوة بعضهم إلى المصالحة، وفتح صفحات جديدة، ووضع الجميع: نظاماً ومعارضة في مستوى واحد من المسؤولية عن المأساة السورية.

العقل الأقلوي الطائفي

الأكيد أن المقصود ليس الحالة المذهبية، وحقّ الناس في اعتناق ما يرونه ملائماً من عقيدة أو دين أو مذهب، فذلك جزء من إفرازات تاريخنا، وأساس الديمقراطية والتعددية، لكن التركيز يكون على توظيف الحالة المذهبية لأغراض سياسية وبخاصة بعض الطغم والمجموعات التي تقوم في النتيجة بممارسة أفعال ضارّة بالطائفة قبل الآخرين، وبالوطن ووحدته الاجتماعية والسياسية.

في عمق تلك القيادات التي امتطت الطائفية ضمناً، والبعث شكلاً نلمس بوضوح حيثيات العقل الأقلوي، وبخاصة في نظرتها إلى الآخر غير العلوي، وفي تعاملها مع أي معارض لها، وقابليتها لاستخدام منتهى العنف والدموية ضد الشعب، والذهاب بعيداً في حرب الإبادة والقتل، وبصورة حاقدة تبرز فيها تلك البنية الشخصية الممتلئة بالخوف من الآخر، ومن الاستعداد لإبادته إن لزم الأمر مقابل البقاء في السلطة.

تعتمد الأقلوية السياسية العنف ارتكازاً وهي تظن خصوصاً لدى الأحزاب الحاملة لمبادئ عامة، أنها تفعل ذلك لمصلحة الشعب والأمة، والأقلوية السياسية الطائفية تزيد على العنف ذلك الحقد المعمم المنبعث من جوف حالة أقلوية تبحث عن مصالحها الضيّقة التي تعادي أصلاً الطائفة التي تدعي أنها تمثلها، وتعمل لها، وهو حال الطائفة العلوية الآن التي دفعها النظام إلى أتون محرقة رهيبة، قدّمت فيها عشرات آلاف الضحايا من دون أن تكون لها مصلحة استراتيجية فيها بما يطرح أسئلة داخل فئات مهمة فيها عن الغد والمصير في بلد متعدد الديانات والمذاهب وبأكثرية سنية كبيرة كانت حريصة على التعايش مع الجميع، وتعزيز الوحدة الوطنية أساس بقاء الأوطان.

الأقلوية السياسية معادية تماماً للتعددية والديمقراطية، ولن تسمح بها ما دامت تستطيع تقويضها، وكان ذلك واضحاً في مسيرة نظام الاستبداد والفئوية على امتداد عقود وجوده، كما كان صارخاً في تعامله مع مطالب الشعب السوري المحقة في الحرية والكرامة والعدالة.


مراجع

  1. مهدي عامل، واسمه الحقيقي حسن حمدان شيوعي لبناني، درس الفلسفة، وأنتج كثيراً من الكتب في الفكر الماركسي، والنقدي أيضاً، إضافة إلى مئات المقالات المتميزة، وقد جرى اغتياله في 18 أيار 1987 في أحد شوارع بيروت، والمتهم الرئيس، كما هو الحال في اغتيال المفكر الماركسي حسن مروة، هو حزب الله اللبناني والاثنين من أعلام المفكرين اليساريين، وهم من الشيعة، ويمكن إضافة القائد الشيوعي جورج حاوي إلى قائمة الاغتيالات التي يتهم بها حزب الله.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.