الإخوان المسلمين في كندا: المظاهر وآليات التأثير – الجزء الأول

Photo Credit: Chris Helgren / Reuters

تمهيد:

في ضوء الضربات القاصمة التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال العقد الأخير، وتقييد حركتها نسبيا في الدول التي تأويها مثل تركيا، والتضييق الحكومي والأمني الذي يطالها ضمن عدد من دول الإتحاد الأوروبي، تبرز كندا البعيدة جغرافيا كإحدى الملاذات الآمنة للجماعة التي يبدو أنها تستغل مناخ الحريات الدينية والسياسية والاجتماعية، ومكانة كندا في النظام الإقتصادي والسياسي الدولي، لإعادة تنظيم صفوفها تمهيداً لمرحلة التمكين.

تناقش هذه الدراسة الواقع الراهن لجماعة الإخوان في كندا، مع التركيز على أبرز المؤسسات والمنظمات التابعة للجماعة أو التي تدور في فلكها.

مقدمة:

على الإخوان أن يفهموا أن عملهم في أمريكا هو نوع من الجهاد الكبير للقضاء على الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل وتخريب بيتها البائس بأيديهم وأيدي المؤمنين حتى يتم القضاء عليها وينتصر دين الله [الإسلام] على جميع الأديان الأخرى (…)”.

وردت هذه العبارة ضمن وثيقة مكتوبة بتاريخ 22 مايو 1991 تحت عنوان “مذكرة تفسيرية حول الهدف الاستراتيجي العام للجماعة في أمريكا الشمالية” [1]، وكانت مُقدَّمة من قبل القيادي البارز في الجماعة، محمد أكرم، إلى أمين مجلس شورى الجماعة وأعضاء المجلس، كتفسير لما جاء في الخطة بعيدة المدى التي اعتمدها مجلس شورى الإخوان في أمريكا الشمالية عام 1987، وخطة المؤتمر التنظيمي الذي عقد في نفس عام كتابتها.

تكشف هذه الوثيقة الداخلية التي عثر عليها في منزل إسماعيل البراسي، عضو التنظيم (فلسطيني الأصل وأمريكي الجنسية) عقب القبض عليه في ولاية فرجينيا الأمريكية عام 2004 بتهمة الانضمام لحماس، أنّ التنظيم الدولي للإخوان وضع خطة لـ”التمكين” في شمال أمريكا [2]، وبخاصة في الولايات المتحدة وكندا. ورغم أنّ الوثيقة أثارت الكثير من الجدل في الأوساط السياسية، إلا أنّ الجماعة، بتقيّتها المعروفة، تمكنت من التنصل من تهم الإرهاب وإثارة القلاقل في البلاد، مستغلة مناخ الحريات الذي أتاح لها الانفراد شبه التام بالفضاء الديني الإسلامي في كندا، عبر شبكة مترابطة من المنظمات المدنية التي تتستر خلفها.

ويعود تواجد الجماعة في “بلد القبقب” إلى منتصف القرن العشرين، حيث حطّ عدد من أعضاءها رحالهم في جامعاتها، كما أدت ملاحقة السلطات المصرية لكوادر الجماعة عقب محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فيما يُعرف بإسم “حادثة المنشية” في 26 أكتوبر 1954، إلى انتقال المئات منهم إلى دول الشتات، وخاصة أوروبا، ومنها بدأوا تأسيس شبكاتهم التي سرعان ما امتدت إلى الأمريكيتين، فتمّ تأسيس الجمعية الثقافية عام (1962) ومنظمة الطلاب المسلمين عام (1963)، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (1982/83) والجمعية الإسلامية الأمريكية (1993)، وعشرات غيرها من المنظمات والجمعيات الإسلامية والإجتماعية و”الخيرية” التي تنشط ضمن الولايات المتحدة وكندا.

خلال تسعينيات القرن الفائت، ازداد حراك الإخوان داخل كندا، وتجلى ذلك بإنشاء المساجد والمدارس والمراكز الثقافية. بالتوازي مع ذلك، عملت الجماعة على التوسّع والحصول على الدعم الشعبي والسياسي، مستخدمة الورقة الأنجع؛ الوصاية على الجاليات المسلمة البالغ عدد أفرادها اليوم نحو مليون مسلم [3]، واحتكار تمثيلها أمام الحكومات والدولة.

أولاً- طبيعة التواجد:

سعت جماعة الإخوان مبكرا للتوغل في المجتمع الكندي تحت مسميات وأنشطة مختلفة تصطبغ بالشكل الإسلامي، وعبر مسارٍ مشابه لما فعلته في دولٍ شرق أوسطية حيث تتبع عادة نهجًا محدداً بقوم على الأنشطة الطلابية، واختراق الجاليات المسلمة لتكوين أرضية في الداخل الكندي وتكوين قوة يمكن استغلالها والرهان عليها أمام الحكومات المتعاقبة، وصولاً إلى إنشاء منظمات المناصرة السياسية والعمل على استمالة بعض دوائر الحكم وصنع القرار والتقرب منها بهدف تحقيق المكتسبات وحماية المصالح الإخوانية في البلاد.

ورغم تعدد النشاطات الإخوانية وتنوعها لتشمل مختلف مناحي الحياة، تختفي الإدارة المركزية للجماعة خلف مسمّيات كثيرة في الأراضي الكندية، ربما خشية الملاحقة الأمنية على خلفية  تمويل ودعم جماعات مصنفة إرهابية، كما حصل حين وضعت “مؤسسة عرفان الخيرية” أحد أذرع الإخوان الأخطبوطية في كندا على قوائم المنظمات الإرهابية عام 2014 بسبب تمويلها لحركة حماس. [4] أو تأثّرًا ربّما بنهج الجماعة في العالم العربي القائم غالباً على السريّة، وأيضًا بسبب أن كثيرين من المقيمين هناك ما زالوا مرتبطين بأوطانهم الأم، فكانت هناك خشية عليهم أو على عائلاتهم من الملاحقة إن عادوا إليها.

نقطة أخرى جديرة بالملاحظة وهي أنّ جماعة الإخوان المسلمين كثيراً ما ترى كندا والولايات المتحدة الأمريكية كمنطقة عمليات متكاملة، لذا فإنّ معظم المنظمات الإخوانية الكندية مرتبطة بمنظمات في الولايات المتحدة، كما أنّ العديد من الشخصيات الحاصلة على الجنسية الكندية يعملون أو عملوا في مجالس إدارة مقرها الولايات المتحدة أو العكس.


[1] https://www.investigativeproject.org/documents/misc/20.pdf

[2] https://al-ain.com/article/brotherhood-canada-terrorism-saudi-arabia

[3] https://www.cicnews.com/2022/07/how-muslims-in-canada-are-celebrating-eid-ul-adha-0728533.html

[4] https://www.canada.ca/en/news/archive/2014/04/government-canada-lists-irfan-canada-terrorist-entity.html