الإسلام السياسي في ليبيا

يتناول الكاتب في هذه الدراسة دور تيارات الإسلام السياسي المختلفة في نهايات عهد القذافي وفي الثورة الليبية حتى يومنا هذا من خلال محاور منها:

  • الإسلام السياسي قبيل الثورة الليبية.
  • الإخوان المسلمون قبل الثورة وبعدها.
  • السلفية المدخلية قبيل الثورة ثم تحالفها مع الجنرال حفتر في الثورة.
  • السلفية الجهادية.
  • الجماعة الليبية المقاتلة.
  • جماعة أنصار الشريعة.
  • تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
  • النتيجة.

ليبيا قبيل الثورة:

كانت ليبيا قبل الثورة وأثناء حكم القذافي دولة شمولية، تحظر تكوين الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وتضيق على أي نشاط ثقافي أو سياسي أو مدني، ولقد شهدت مرحلة حكم القذافي صدامات عدة مع الجماعات الإسلامية في ليبيا.

كانت ليبيا قبل حكم القذافي دولة صوفية أشعرية في أغلبها باستثناء المذهب الإباضي، وتدرس جامعاتها ومعاهدها الدينية الفقه والعقيدة وفقاً للمذهب الغالب.

سئم القذافي التعلق الروحي في الصوفية بالملك السنوسي الذي كان ينتمي إلى الطريقة السنوسية، فأغلق جامعة السيد محمد بن علي السنوسي في مدينة البيضاء والمعاهد الدينية ثم أعقب ذلك بحملة هدم ضريح السيد محمد بن علي السنوسي في مدينة الجغبوب ونبشه واستخرج جثمانه ورميه في الصحراء.

خلال عقد من الزمن أصبحت البلاد فارغة من كوادرها الفقهيه وجاهزة لاستقبال الوافدين الجدد، وهنا نشير إلى أن حركة الإخوان المسلمين كان منها أفراد قد مُنِحُوا اللجوء السياسي أثناء حكم الملك السنوسي عند قدومهم من مصر ولكن لم يكن للحركة أي دور مؤثر، إلا أن القذافي وأثناء الجلسات الفكرية التي كان يعقدها في السبعينات من القرن الماضي لاحظ انتماء بعض الطلاب إلى فكر الإخوان أو أنهم قريبون منها؛ فزج بهم في السجن ثم هرب منهم من هرب، ومع كثرة الصراعات الفكرية والعسكرية التي خاضها القذافي وضعف القبضة الأمنية وبخاصة في مراقبة الأفكار في الجامعات كما كان يفعل في السبعينات، تسرب الفكر الوهابي مع ما سُمي في وقتها بالصحوة الإسلامية، وانتهاء مرحلة الحرب الأفغانية السوفياتية ورجوع بعض الهاربين إلى ليبيا وتشكيلهم خلايا لنشر الفكر السلفي الجهادي وتنامي السلفية العلمية عبر عدد كبير من المطويات والكتب الواردة من السعودية إلى ليبيا التي كانت توزع مجاناً أو بأسعار شبه مجانية.

ومع فقدان وزارة الأوقاف كوادرها الفقهية وسيطرة عناصر يغلب عليها الجانب الأمني دون الجانب الفقهي، أصبح الفكر السلفي بشقيه (السلفية العلمية والسلفية الجهادية)، إضافة إلى تنامي حركة الإخوان وحركة التحرير الإسلامي، أصبحت هذه الحركات تسيطر على الخطاب الديني شيئاً فشيئاً، وعلى الرغم من الصدام الأمني إلا أن تأثير هذه الحركات كان واضحاً في الشارع الليبي، إذ اختفى اللباس المعتاد للمرأة الليبية وانتشرت العباءة الخليجية وكذلك ظاهرة إعفاء اللحى وتقصير السراويل.

وعلى الرغم من أن القذافي زج بعدد كبير من الشباب المنتمي إلى هذه الجماعات في السجون إلا أن تناميها كان أمراً ظاهراً للعيان وهكذا شهدت البلاد تراجعاً في انتمائها إلى المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وبخاصة في شرق البلاد. ومع قرب بداية اشتعال فتيل الثورة كانت أبرز الجماعات الدينية الموجودة واقعياً في ليبيا -ولكن من دون اتخاذها الشكل الرسمي- كالآتي (السلفية المدخلية، السلفية الجهادية، الإخوان المسلمين) وسوف نستعرض دور كل منها في مراحل الثورة الليبية.

أولاً. حركة الإخوان المسلمين

عند بداية الثورة كانت حركة الإخوان المسلمين في حالة أشبه بالمصالحة مع النظام، إذ أطلق سجناؤها لدى النظام، وسُمح لشخصيات من التنظيم العالمي أو منتمية فكرياً إليه بزيارة ليبيا وإلقاء دروس ومواعظ، ولكن هذه الحالة شهدت تحولاً عند انطلاق شرارة الثورة، فكانت الحركة فعلياً مشاركة عبر أفرادها في التظاهرات وساهمت في إدارة ساحات الثورة هي والفصائل القريبة منها وإن كانت شخصيات منها قد حاولت حتى بعد انطلاق الاحتجاجات التوصل إلى صيغة إصلاحات مع النظام.

لكن الحركة مع الوقت ركزت جهدها في فرض حضورها في المؤسسات الجديدة للثورة، ودخلت في صراع مع التيار المدني وأطلقت عليه بعض الشخصيات المحسوبة عليها التيار العلماني، ثم افتُعِلَت معركة مسبقة، كان الهدف منها إزاحة بعض الشخصيات المؤثرة وإكساب الانتفاضة الصبغة الدينية والدعوة إلى تطبيق الشريعة وكأن هذا هو مطلب المتظاهرين الأساسي.

وخلال العمليات العسكرية مع النظام في منطقة خليج السدرة، جرى تشكيل عدد من الكتائب من قادة حركة الإخوان والقريبين منها وحظيت هذه الفصائل بدعم عسكري كبير دون غيرها، وقد واجه بعض الضباط المنتمين إلى الثورة هذا الأمر بالاحتجاج والإنكار ولكن وجود القذافي في طرابلس جعل بعضهم يؤجل الصراع إلى مرحلة ما بعد القذافي.

شهدت مدينة بنغازي التي كانت العاصمة قبل سيطرة الثوار على العاصمة طرابلس تحالفات عقدها الإخوان مع الإسلاميين غير المنتمين إلى تيار واضح فشهدنا دوراً بارزاً للخلوات في الانتخابات المحلية، وبدا الانقسام واضحاً بين الإسلاميين بقيادة الإخوان وغيرهم من الليبيراليين والقوى البرقاوية.

عقدت جماعة الإخوان أول مؤتمر لها داخل ليبيا، وبشكل علني في مدينة بنغازي وقد حظي المؤتمر بتغطية إعلامية واسعة، وقررت فيه الحركة إنشاء حزب سياسي بمشاركة شخصيات من خارج الجماعة. وأسِّسَ بعد أشهر حزب أطلق عليه اسم (حزب العدالة والبناء) وقد انتخب أحد قيادات الإخوان السجين السابق (محمد صوان) رئيساً للحزب.

كانت انتخابات المؤتمر الوطني (أول هيئة تشريعية بعد الثورة) وأول اختبار لشعبية الحركة والمتحالفين معها، وقد خسر الحزب فيها بمواجهة حزب تحالف القوى الوطنية برئاسة محمود جبريل، وكان بيان رئيس حزب العدالة والبناء صادماً لكثيرين إذ اتهم الأغلبية التي صوتت لحزب تحالف القوى الوطنية بأنهم (أزلام) وهي صفة كانت تطلق على مناصري القذافي والمتعاطفين معه. ولكن الحزب عقد تحالفات داخل المؤتمر الوطني مع شخصيات أسماها إسلامية، دخلت المؤتمر عبر القائمة الفردية.

احتدمت حدة الصراع داخل المؤتمر الوطني وشهدنا تقارباً واضحاً بين تصريحات قياديي الإخوان والجماعات الجهادية -حتى الرافضة للديمقراطية- وأصبحت الشاشات مساحات صراع مفتوحة، وشيئاً فشيئاً جُرَّ المواطن إلى حالة استقطاب حادة من أجل نصرة الدين.

خلال هذه المرحلة كانت كوادر الإخوان تتولى الرد على أي تصريحات سياسية أو مطالب جهوية، وكان لخطاب الوصاية الذي مارسته جماعة الإخوان أو جرت إليه، الدور الأكبر في حشد مزيد من الخصوم والأعداء.

بالرغم من أن الصورة النمطية التي روج لها في الشارع الليبي هي أن الإخوان منظمون جداً ومتعلمون، لكن ممارساتهم خلال عامي (2012 ــ 2013) كشفت غياب الوعي السياسي وعدم العمل بمبدأ التخصص وأيضاً قلة الكوادر، ومع ازدياد حوادث الاغتيالات في مدينة بنغازي وتوجيه أصابع الاتهام إلى الكتائب الإسلامية الجهادية كان من المعتاد ظهور بعض أعضاء الإخوان في الوسائل الإعلامية لتوجيه الاتهام إلى أتباع القذافي بتنفيذ تلك الأعمال والدفاع عمن يسمونهم الثوار، في حين كانت الكتائب المتهمة مثل كتيبة أنصار الشريعة وغيرها لا ينفون عن أنفسهم تلك التهم بشكل قاطع.

ولا شك في أن إصرار الإخوان على البقاء على مسافة أقرب إلى الجماعات الإسلامية الرافضة للعمل الديمقراطي مثل حركة أنصار الشريعة، والابتعاد عن الشركاء في العمل الديمقراطي كان له الأثر السيئ في تنامي تلك الحركة وأيضا تنامي العداء للإخوان وفقدانهم تأييد قطاع واسع في الشارع.

ولقد نصبت حركة الإخوان وحزبها السياسي نفسها (محامي) الثورة والثوار وأهملت الاستماع إلى دعوات فئة من الشارع وبخاصة في بنغازي سواءً كانت مطالبة تلك الفئة جهوية أم مدنية كإخراج الكتائب المسلحة من بنغازي.

ولاشك في أن الدخول في معركة (إيمان وكفر) في الثورة الليبية أو(مدافع عن الشريعة ومعتدٍ عليها) من حركة الإخوان قد ساهم في إفساد العمل السياسي الديمقراطي وأتاح الفرصة لجماعات أكثر تطرفاً لتتنامى، ثم التورط في تحالفات معها وإشعال فتيل حرب أهلية جرى التنكيل فيها بالقيم الإنسانية كلها من الأطراف المتناحرة كافة وغدت مساحة الحياد تضيق كثيراً.

إن فقدان البوصلة وغيابها لدى حركة الإخوان وحزبها السياسي، جعل ممارستها للعمل السياسي حالة توهان في أدغال لا قدرة لها على ولوجها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن دعوات انطلقت من داخل الجماعة لحل التنظيم كلياً واندماج أفرادها في المجتمع باعتبار أن إطلاق الحريات العامة بعد الثورة وبداية واقع جديد في البلد يتطلب انتهاء تلك الحقبة بأفكارها وأدوات تنفيذها كلها، ولكن تلك الدعوات لم تلق في ما يبدو آذاناً صاغية، وكانت الروح المدعومة بهوس الدفاع عن الشريعة كفيلة بإسكات أي صوت للعقل.

ثانياً. السلفية المدخلية

يصعب التحديد بدقة وعلمية متى دخلت الحركة الوهابية إلى ليبيا لغياب أي توثيق علمي، ولكن لاشك في أن عقد الثمانينيات من القرن الماضي شهد بدايات الظهور الوهابي في الشارع الليبي وقد حصلت صدامات مسلحة في منتصف الثمانينيات، إذ كانت الحركة الوهابية داعمة للأفغان في حربهم مع الروس وإضفاء الصبغة الدينية على تلك الحرب وجعلها حرباً بين كفر وإيمان -بالرغم من الاختلاف المذهبي بين المكونات الأفغانية والحركة الوهابية- ومع عودة من كانوا يسمون بالمجاهدين الأفغان إلى بلدانهم ومنها ليبيا حدثت أولى الصدمات المسلحة واشتداد القبضة الأمنية، ولأن الجماعات الإسلامية الليبية هي محض تابعة لجماعات خارجية، فقد كان للخصومة بين الدولة السعودية وأسامه بن لادن في الموقف من حرب العراق والكويت والاستعانة بالأمريكان التأثير الواضح في الساحة الليبية، إذ انقسمت الحركة الوهابية في ليبيا إلى قسمين:

الأول: أيد بن لادن.

والثاني: أيد موقف هيئة الإفتاء في السعودية. وشاهدنا آلاف المطويات المؤيدة والمضادة التي تثبت شرعية الاستعانة بالأمريكان أو تنفيها، وهكذا أصبح اسم السلفية في ليبيا يطلق على طائفة تهتم بالمظهر الخارجي من إعفاء اللحى وتقصير السراويل والدعوة إلى طاعة ولي الأمر-مع الإشارة إلى أن تكفير القذافي كان متفقاً عليه من الطرفين- ومع الدعم السعودي من كتب ومطويات وأشرطة مسموعة وفيديوهات لشيوخ الحركة السلفية الرسمية في السعودية.

 تنامى ظهور الحركة على الرغم من أن النظام كان ينكل بأفرادها ولا يفرق بينها وبين الفصائل المنشقة عنها والتابعة لفكر أسامه بن لادن الجهادي، ولكن مع حدوث الصدامات المسلحة في بنغازي ودرنة في تسعينيات القرن الماضي وبعد الزج بالأطراف كافة في السجون، إلا أن حدة المواجهة مع الحركة السلفية خفت وأصبح أفراد من الحركة يكلفون من الدولة بإمامة المساجد ومع وفاة الشيخ الألباني وقبله بن باز أصبح الولاء الفعلي للحركة للشيخ ربيع المدخلي، وحدثت انشقاقات بين أعضاء الحركة وأصبحت السلفية المدخلية هي الأكثر ظهوراً في الشارع الليبي.

تجدر الإشارة إلى أن ابن القذافي الساعدي انضم إلى الحركة السلفية وزار عدداً من كبار شيوخها، ما خفف من حدة العلاقة مع النظام الليبي.

مع بداية الثورة كان موقف الحركة السلفية المدخلية واضحاً من عدم تأييدها واعتبارها خروجاً على ولي الأمر، وعلى الرغم من صدور فتاوى من شيوخ الحركة السلفية في السعودية داعمة للثورة والإقرار بكفر القذافي إلا أن الصوت المسموع لدى الحركة السلفية في ليبيا كان لربيع المدخلي حتى إنهم أصبحوا يسمون بالمدخليين بدلاً من السلفيين.

وكانت الفتاوى الصادرة من القيادات المدخلية في السعودية لهم باعتزال الثورة والسيطرة على المنابر والاهتمام بالدعوة، وفعلاً شهدت الأعوام التالية للثورة استحواذاً شبه كامل من المداخلة على المنابر ووُزِّعت مئات آلالف من المطويات التي تروج لشيوخ المداخلة وتحذر الناس من فكر الإخوان المسلمين والديمقراطية العلمانية.

وشهدت أغلب المدن الليبية إن لم نقل كلها انطلاق بث قنوات مسموعة للتيار المدخلي، وعملت هذه الإذاعات على التحذير من الديمقراطية والتظاهرات باعتبارهما من صفات العلمانيين والإخوان المسلمين وأنهما تلهيان عن ذكر الله.

خلال انتخابات المؤتمر الوطني -الذي كان أول ممارسة انتخابية للشعب الليبي- جرى عبر المنابر المدخلية تحذير الناس من الذهاب إلى الانتخابات، إذ إنهم سيؤثرون في دعوة الإخوان المسلمين. وشهد عام 2012 حملة على الأضرحة وتفجيرها بالعبوات الناسفة وكانت صفحات فيسبوكية تنشر الأخبار عن تفجيرها واصفة الفعل بالنصرة للتوحيد.

المدخلية وحفتر

مع ازدياد احتقان الشارع ضد حركة الإخوان والجماعة المقاتلة وهما الحركتان النافذتان في الدولة في ذلك الوقت، بدأت عملية الكرامة بقيادة الجنرال حفتر، وكان التيار المدخلي مسانداً لها بالفتاوى والمطويات والخطب المحرضة على قتال(الخوارج) وهكذا أصبحت الدولة الليبية في حالة انقسام فعلي بين شرقها وغربها، وفي الطرفين كليهما يُشحن الناس بالشعارات الدينية القائلة إنها حرب لنصرة دين الله وأن المقتول شهيد.

هنا تجدر الإشارة إلى أن موقف التيار المدخلي في المنطقة الغربية من ليبيا لم يلجأ إلى الصدام المسلحة مع بقية الفصائل التي يخالفها فكرياً بالرغم من امتلاكه عدداً من الكتائب المسلحة، وإن كان الصدام الخطابي موجوداً.

لكن النفوذ المدخلي في شرق البلاد أصبح واضحاً للعيان وشهدت البلاد زيارات رسمية لشيوخ من دول مختلفة لإلقاء الخطب والمحاضرات، وأصبح من المألوف رؤية ضباط من المؤسسات النظامية بلحى وسراويل قصيرة، وأصبح لهيئة الأوقاف في الشرق الليبي دوراً شبيهاً بهيئة الإفتاء في غرب البلاد، وأصبحت الفتاوى تصدر في كل ما يخص الشأن العام ومن أشهر الحوادث حادثة مصادرة الكتب التي وصف بأنها منافية للإسلام والموقف من الاحتفال بيوم الأرض الذي أقيم في بنغازي.

ثالثاً. السلفية الجهادية

لم تكن ذات شكل واحد إنما أشكال وتيارات عدة منها:

الجماعة الليبية المقاتلة

الجماعة الليبية المقاتلة من الجماعات السلفية التي نشأ أفرادها في أفغانستان خلال حقبة الحرب الأفغانية السوفياتية، إلا أن خلاف قياداتها مع بن لادن وعدم دخول الجماعة الليبية المقاتلة ضمن تنظيم القاعدة ضيق الأمر عليها هناك، وعاد أفراد منها خلال التسعينيات من القرن الماضي وشهدت البلاد صداماً مسلحاً لها مع النظام، ومحاولات لاغتيال القذافي والقيام بعمليات انتحارية عدّة.

وزعت الجماعة أشرطة مسموعة عدة وكتباً تروج للفكر الجهادي ونجحت في استقطاب عدد من الشباب في تلك الحقبة، ومع انفتاح النظام وظهور سيف الإسلام وفتحه باب الحوار مع القوى المعارضة صدرت بيانات مراجعة من قيادات الجماعة الليبية المقاتلة الموجودة في السجن، وأفرج عن أغلب قادتها وظهروا على شاشة التلفزة الليبية الرسمية ليعلنوا توبتهم عن الفكر المتطرف.

لكن مع انطلاق التظاهرات وحدوث صدام مع قوى الأمن سارعت قيادات الجماعة الليبية المقاتلة لنكث حالة المصالحة مع النظام والتحقت بالثورة التي تحولت إلى ثورة مسلحة وجرى تشكيل كتائب مقاتلة من سجناء سابقين للجماعة وتوفير دعم تسليحي لها ودخلت ساحة المعارك بشعارات جهادية والدعوة إلى تحكيم شرع الله وأن هذا هو مطلب الثورة.

عملت قنوات فضائية دولية على إظهار قائد الجماعة الليبية المقاتلة بمظهر الثائر المعتدل وأحد أبرز قيادات الثورة الليبية؛ وأُبرِزَ دورُه في دخول باب العزيزية، وأيضاً في بيان إعلان مقتل القذافي على الرغم من أنه لم يكن في سرت في وقت الحادثة.

مع انتقال السلطة الجديدة إلى العاصمة طرابلس ظهرت سيطرة الجماعة الواضحة على وزارة الدفاع ووضع يديها على أهم مكاتب النظام السابق الأمنية وأصبحت مستندات مهمة تحت سيطرتها.

أسست القيادات المقاتلة حزباً سياسياً (حزب الوطن) وبالرغم من فشل الحزب الذريع في انتخابات المؤتمر الوطني إلا أن سيطرة الجماعة على وزارة الدفاع وادارتها لبعض السجون جعلها من مراكز القوى في العاصمة طرابلس إن لم تكن القوة العليا.

ومع انطلاق موجة الاغتيالات في بنغازي وُجّهت اتهامات إلى بعض الأعضاء المنتمين إلى فكر المقاتلة بتنفيذ الاغتيالات.

لكن مع قلة ظهور قيادات المقاتلة في الإعلام يصعب تحديد موقفهم من الحوادث البارزة التي حدثت خلال الأعوام الثلاثة للثورة إلا أن نفوذهم كان ملموساً وداعماً للكتائب المتطرفة في بنغازي ودرنة على وجه الخصوص.

وبخاصة مع تنامي دعم الكتائب الجهادية التي اعتبرت منضوية تحت سلطة وزارة الدفاع بعد الثورة وتدار من شخصيات مدنية مع المحافظة على المظهر السلفي في اللباس وإعفاء اللحى.

أنصار الشريعة

ربما سُمِعَ مسمى أنصار الشريعة في الإعلام أول مرة عندما أُعلِن تأسيسها في اليمن، ووقتها قيل إن ابن لادن كان قد عزم على تغيير اسم تنظيمه بهذا الاسم أو أوصى بعض أتباعه به، وأُعلِن تأسيس كتيبة أنصار الشريعة في ليبيا في مدينة بنغازي من الجهاديين في المدينة والمدن المجاورة، ولكن سرعان ما امتد نشاط الكتيبة ليشمل عيادات العلاج القرآني والعمل الخيري وأيضاً مع استمرار التدريب العسكري وإطلاق إذاعة مسموعة تروج لفكرها الذي اعتبر استمراراً لفكر القاعدة مع اختلاف الاسم فقط.

كانت بيانات أنصار الشريعة تلتقي مع بقية الجماعات السلفية في تكفير الديمقراطية وتلتقي مع بقية الحركات الأخرى ومنها حركة الإخوان في حلم إقامة ما يسمى بدولة الخلافة وارتباط الحكم بالدين.

ومع بداية الاغتيالات وُجِّهت اتهامات إلى هذه الحركة التي كان قادتها لا يظهرون كثيراً في وسائل الإعلام وكان إعلام الإخوان يتولى الدفاع عنهم وتوجيه الاتهامات إلى أطراف أخرى.

وظهر أول اتهام رسمي لأنصار الشريعة بالإرهاب في الإعلام الخارجي بعد مقتل السفير الأمريكي في بنغازي.

وقُبض على أحد قادتها قرب بنغازي في عملية أمريكية حدثت من دون صدام مسلح.

على الرغم من نفي قائد كتيبة أنصار الشريعة في لقاءات تلفزيونية عدّة لارتباط الكتيبة بالقاعدة، إلا أن الارتباط الفكري والمنهجي كان واضحاً في سياق بيان موقفهم من الديمقراطية والقوات النظامية الحكومية، ومفهوم الطاغوت والحاكمية التي تستلزم تكفير أفراد هذه القوات أو استتابة أعضائها في أحسن الأحوال.

وهكذا كانت الكتيبة قد تحولت إلى تنظيم يتنامى كل يوم ويتنامى نفوذه وبخاصة في بنغازي وسرت ودرنة، وأصبح تنظيم أنصار الشريعة يجاهر بتكفير بعض الشخصيات العامة عبر إذاعاته المسموعة في ظل غياب أجهزة الدولة الأمنية أو ضعفها وعدم وضع استراتيجية لمحاربة التطرف أو تعريفه على الأقل.

مع تنامي تنظيم داعش في العراق وسوريا واعلان ما يسمى بالدولة الإسلامية قام عدد من أعضاء تنظيم أنصار الشريعة بمبايعة البغدادي خليفه للمسلمين وبثت مبايعة رسمية من درنة للبغدادي.

ومع انطلاق حركة الكرامة صرح قائد حركة أنصار الشريعة في بنغازي بتحويل بنغازي إلى ساحة جهاد والدعوة إلى فتحها للمجاهدين كلهم من مختلف دول العالم.

تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

مع تحول الثورة السورية إلى حرب طائفية سافر عدد من الشباب الليبي إلى سوريا؛ أغلبهم من أصحاب التوجه الجهادي، ومع تنامي صعود نجم تنظيم الدولة وإعلان ما سمي دولة الخلافة التي كانت حلم الجماعات الإسلامية وإن اختلفت في طرق عودتها، بدأ الترويج للدولة الإسلامية عبر نقل أخبارها والدعوة إلى السفر إليها، وفي مرحلة أخرى أصبحنا نرى مبايعات وانضماماً إلى التنظيم، وعلى الرغم من أن وجود التنظيم الفعلي سبق إعلانه، إذ نسبت بعض الأعمال التي شهدت اعتداءً على قوات نظامية؛ كما حدث في حادثة ذبح عسكريين قرب مدينة سوكنه الذي سبق إعلان مبايعة البغدادي رسمياً في إحدى خطب الجمعة في مدينة سرت.

استغل التنظيم انطلاق عملية الكرامة في بنغازي ضد الكتائب المسلحة الإسلامية فيها ليزيد استقطاب مزيد من المبايعين، ويعلن ظهوره بشكل كامل في درنة وسرت ويعلنهما تابعتين له، ويدخل الصراع في بنغازي ويبث مقاطع فيديو دعائية له مظهراً التنكيل وقطع الرؤوس، ويعلن كذلك وجوده في مدن في أقصى الغرب الليبي، وهكذا بدا خطر التنظيم واضحاً، ما دعى العالم إلى إطلاق صفارات الإنذار خوفاً من سيطرة التنظيم على ليبيا بالكامل.

على الرغم من انهزام التنظيم في شرق البلاد وسرت إلا أن بعضهم ما يزال يتخوف من عودته. لكن ظهور التنظيم في ليبيا وانهياره انهياراً سريعاً يطرح تساؤلات عن حجم قوته، واعتماده على الدعاية الهوليودية وقوة التنكيل وسفك الدماء. ولا شك في أن تنظيم داعش كان إحدى القوى المؤثرة في ليبيا خلال عامي 2015و2016 وترك آثاراً ربما يحتاج المجتمع الليبي إلى وقت طويل قبل أن يتعافى منها.

النتيجة

لا شك في أن الجماعات الإسلامية -بمختلف توجهاتها- كانت عاملاً مؤثراً في ثورة ليبيا بعيد انطلاقها وحتى ما بعد سقوط النظام، وعامل انتكاسة وتحويل للصراع الليبي إلى صراع ديني واستقطاب حاد نابع من السعي نحو الانفراد بزعامة المجتمع الليبي دينياً وثقافياً وسياسياً.

ولا شك في أن الصراع الديني في ليبيا أمر جديد على المجتمع الليبي الذي لم يألف هذا النوع من الصراعات في بلد كانت تسوده الصراعات القبلية والجهوية بغض النظر عن المذهب.

وفي ما يلي نورد جدولاً يبين موقف الجماعات الدينية في ليبيا من بعض القضايا المهمة.

القضية

الإخوان

المداخلة

الليبية المقاتلة

أنصار الشريعة

داعش

الديمقراطية

تمارسها

لا تمارسها

تمارسها

لا تمارسها

لا تمارسها

العلمانية

عداء على أساس ديني

عداء على أساس ديني

عداء على أساس ديني

عداء على أساس ديني

عداء على أساس ديني

قضايا المرأة

من منطلق ديني

من منطلق ديني

من منطلق ديني

من منطلق ديني

من منطلق ديني

رئيس الدولة

منصب ديني

منصب ديني

منصب ديني

منصب ديني

منصب ديني

 


هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.