الاتفاقيات التجارية.. سيناريو إيراني جديد لتثبيت نفوذها في سوريا

هيئة التحرير

مع ترسيخ السيطرة الروسية على القرار السوري وتراجع نفوذ الميليشيات الإيرانية، يظهر بشكلٍ واضح بدء البوصلة الإيرانية بالميل نحو الاستثمارات الاقتصادية في سوريا، وفقاً لما يراه المحلل السياسي، “علي الأمين”، الذي يشير إلى أن توقيع إيران عقوداً للتنقيب واستخراج النفط شرق سوريا، هو خطوة تهدف إلى تثيبت للدور الإيراني في سوريا، بعد الخسائر الكبيرة التي قدمتها هناك، بالإضافة إلى كونها مطالبة “للأسد” برد الجميل، مقابل الدعم الإيراني.

وكان النائب الإيراني “حشمت الله فلاحت” قد طالب حكومة بلاده باستعادة مليارات الدولارات أنفقتهم في دعم دمشق، لافتاً إلى أن إيران دفعت ما بين 20 و30 مليار دولار، خلال الحرب في سوريا.

أمر واقع وأهداف سياسية بنكهة الاقتصاد

خلافاً للظاهر، فإن الاتفاقيات الاقتصادية لا ترتبط فقط بالبعد المالي، بقدر ارتباطها بسعي النظام الإيراني لخلق أمر واقع في سوريا يمثل النفوذ الإيراني جزءاً منه، اذ لفت “الأمين” إلى وجود جهود دولية لإخراج إيران من سوريا، مشيراً إلى أن طهرن تبحث من خلال تلك العقود وديونها المتراكمة على النظام السوري إلى تشريع نفوذها داخل سوريا.

وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد طالبا بخروج الميليشيات الإيرانية المقدر عددها بنحو 70 ألف مقاتل قبل الشروع في طرح حل سياسي للأزمة السورية، والبدء مخططات إعادة الإعمار.

في السياق ذاته، يشير “الأمين” أن الجميع يدرك حقيقة أن إيران دولة غنية بالنفط، وبالتالي فإن الاتفاقيات النفطية، التي عقدتها مع النظام السوري، في المنطقة شرقية، المتاخمة للحدود العراقية، هي مسألة تثبيت وجود على طرفي الحدود، ولا سيما أنها تمتلك نفوذاً قوياً على الجانب العراقي من الحدود”.

وأوضح الناب العراقي “الأمين”: أن “البعد السياسي هو الأهم هي هذه الاتفاقيات، وهي محاولة للقول أنه لنا وجود هنا ضمن اتفاقية معينة وضمن التوافق هذا تغطية وسيكون له دور في المرحلة المقبلة، بمعنى إذا كان هناك من عملية إخراج إيران من سوريا فإيران يمكن تحدد وتقول أنا لدي اتفاقات ولدي عقود وديون على سوريا”.

الروس وصراع الغنائم

الحديث عن التوجه الإيراني نحو العقود الاقتصادية وتعديلات مخططات السيطرة العسكرية والسياسية، يشمل أيضاً التدخل الروسي المباشر منذ العام 2015، بحسب ما يؤكده مصدر خاص لـ”مرصد مينا”، والذي يشير إلى أن دخول روسيا على خط العمليات العسكرية حد بشكل كبير من النفوذ الإيراني على القرار السوري، وحول الميليشيات الإيرانية إلى طرف مرتبط بالسياسة الروسية داخل سوريا بعد أن كان المتحكم الأكبر فيها.

ويضيف المصدر: “النظام الإيراني يدرك تماماً أن نهاية العمليات القتالية في سوريا بشكل كامل، يعني أن الروس سيبدؤون حينها بإخراج الميلشيات الإيرانية، كما أنه يعلم أن مسألة الوجود العسكري على الأرض السورية أمراً شبه مستحيل، لذا فإن الاتفاقيات الاقتصادي وعقود الاستثمار باتت تمثل الضامن الأول لاستمرار مصالح إيران، ونفوذها والحفاظ على موطئ قدم لها هناك”، لافتاً إلى أن تنوع تلك الاتفاقيات يشير إلى وجود نية لتوسيع السيطرة على الاقتصاد وتحقيق ما عجزت عنه العسكرة والسياسة.

وكانت غرفة تجارة دمشق قد اعلنت مطلع شباط الماضي عن توقيع مجموعة من الاتفاقات الجديدة مع الجانب الإيراني، إلى جانب أنها حصلت على الحق الحصري للتشغيل التجاري لمرفأ اللاذقية أواخر العام 2018.

مع تراجع وتيرة العمليات العسكرية واستعادة النظام للسيطرة على مساحات واسعة من سوريا، أدخل البلاد في حالة صراع على الغنائم، يقول المحلل السياسي، “صادق الطائي”، مضيفاً: “يبدو موقف حلفاء النظام على وشك التغير، بل والانقلاب نحو حالة من التصارع، على تقاسم غنائم الحرب حتى قبل أن تعلن نهايتها الرسمية”.

وهنا يضيف “الطائي”: “تجليات الصراع الاقتصادي الروسي الإيراني في سوريا يمكن فهمه عبر التعرف على خطط كل طرف من طرفي الصراع وطريقة تعاطيه مع المشكلة”، لافتاً إلى أن الهدف الاستراتيجي الإيراني في سوريا هو ربط محور نفوذها من طهران وصولا إلى لبنان وموانئ البحر المتوسط، ما يعني الوصول إلى حقول الغاز العملاقة شرق المتوسط التي من المتوقع انها ستغير خريطة الطاقة العالمية في هذا القرن، ما يشكل مصدر قلق بالنسبة لروسيا، التي تريد أن تكون صاحبة القوة الرئيسية على الساحل الشرقي للمتوسط الواعد بحقول عملاقة من الغاز غير المكتشف حتى الآن.

لا دعم بالمجان وضمانات سيادية

على اعتبار أن السياسة تقوم على مبدأ المصالح، فإن المحلل السياسي “بديع يونس” يؤكد أن الدعم العسكري والمالي الإيراني للنظام السوري ليس مجانيا، وهنا تظهر الاتفاقيات الاقتصادية كضمانات سيادية تضمن للإيرانيين استرداد ما دفعوه خلال السنوات العشر الماضية.

أما عن وتأتي فوائد المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة ككل، في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان، على الجانب الاقتصادي، فيحصره “بونس” بالأرباح الطائلة التي قد يجنيها على نظام إيران، وإعادة ملئ خزائن قاداته بالأموال على حساب شعبٍ لم يحصل منها حتى على فتات، على حد وصفه.

وكان النظام السوري قد منح إيران مؤخرا بلوكات نفطية كما حصلت على ميناء في الساحل السوري إضافة لسيطرة على القطاع الصحي، من خلال رجل الأعمال السوري الموالي لإيران، “سامر الفوز”، بحسب ما تصفه وسائل إعلام المعارضة السورية.

كما شهدت السنوات الماضية، دخول إيران في مفاوضات لمد خط سكك حديدية يربط إيران وسوريا مرورا بالعراق، بدءاً من من ميناء الإمام الخميني في إيران، وصولا إلى ميناء اللاذقية الذي سيكون المحطة الأخيرة في مسار السكة الحديدية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©