الاقتصاد التركي.. وجع متعدد الأقطاب

مع إقرار مصرف تركيا المركزي في بيانٍ لها، الخميس، بأن السلبية والتباطؤ باتتا سمات أسياسية للنشاط في قطاعات الخدمات والإنتاج، يطرح إشارات استفهام عديدة حول قدرة الحكومة التركية على تجاوز الأزمة الراهنة في البلاد، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض سعر صرف الليرة التركية مقارنة بالعملات الأجنبية.

يشار إلى أن هيئة الإحصاء التركية، كشفت مطلع العام الحالي أن معدلات التضخم قفزت بنسبة 14.97 بالمئة على أساس سنوي، وان التضخم في شهر كانون الثاني زاد بنسبة 1.68 بالمئة مقارنة مع كانون الأول 2020.

مشكلات متشابكة تتجاوز حد الفقر

تعقيدات المعضلة الاقتصادية التركية، كما يسميها الباحث الاقتصادي، “كمال عمرو”، تأتي من كونها تتجاوز الفرد أو المواطن إلى المنظومة الاقتصادية ككل بشقيها الحكومية والخاصة، موضحاً: “الأزمة الاقتصادية في تركيا أكبر من ارتفاع معدلات الفقر أو أزمة اقتصاد المواطني، فسوء الإدارة ومعالجة المشكلات أضرت حتى باقتصاد الدولة ككل وموازنتها كما أضرت بوتيرة الاستثمار في البلاد، لا سيما وأن الحكومة التركية اتبعت أسلوب ربط السياسة بالاقتصاد”.

كما يعتبر “عمرو” أن حالة التوتر في العلاقات السياسية لتركيا، انعكست سلباً على علاقاتها الاقتصادية والتجارية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ما عقد من المشكلة وزاد من حجمها، لافتاً إلى أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية أدت إلى جملة من الآثار السلبية، بينها انخفض سعر الليرة، الذي أدى بدوره إلى موجة غلاء عامة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الانتاج وانخفاض الاستثمارات الأجنبية ومدخول البلاد من القطع الأجنبي، وهي أمور ساهمت في ترسيخ الأزمة وتعميقها، على حد قوله.

يذكر أن الولايات المتحدة قد فرضت سلسلة عقوبات على الحكومة التركية بسبب أزمة صواريخ إس 400 الروسية، كما يتجه الاتحاد الاوروبي إلى تشديد العقوبات على تركيا على خلفية أزمة التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.

في السياق ذاته، يعتبر “عمرو” أن الخطأ الأكبر الذي اقترفته حكومة العدالة والتنمية هو في تركيزها على الجانب السياسي وانتشار النفوذ خارج البلاد، على حساب الأولويات الاقتصادية، مشدداً على أن تركيا خسرت الكثير في تلك المعادلة.

وكانت اللجنة الاقتصادية لحزب الشعوب الديمقراطى التركى، قد كشفت نهاية العام الماضي أن 20 مليون شخص يعيشون تحت خط الجوع، وأنه إذا ما تمت إضافة من فقدوا وظائفهم خلال العام ، فإن هذا الرقم يتجاوز 30 مليونًا.

تزامناً، وفي مؤشرٍ على تزايد حجم الفقر في تركيا، يلفت نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة خبز إسطنبول الشعبي، “أوزجين ناما”، إلى أن حجم المقبلين على أكشاك الخبز الشعبي خلال الأشهر الماضية، وصل إلى معدلات لم يتم تسجيلها خلال السنوات العشر الماضية، مضيفاً: “بدلاً من شراء الخبز مقابل 2 ليرة من مخبزهم في الحي، يسير السكان 5 كيلومترات ويشترون الخبز مقابل 1 ليرة من كشك خبز إسطنبول الشعبي في الحي المقابل، تخيل أنك تشتري 8 أرغفة من الخبز، هذا يوفر شهريًّا 250 ليرة، التي تعتبر قيمة فاتورة كهرباء، أو فاتورة غاز طبيعي لذوي الدخل المحدود”.

الدولرة.. ونتيجة طبيعية لسياسات قائمة

ضمن تناول الأزمة الاقتصادية والمراحل التي وصلت لها، تكشف مصادر إعلامية تركية عن تصاعد ظاهرة ما يعرف بنظام الدولرة، وهو ما يعني تحديد سعر السلع داخل السوق المحلية وبيعها بالدولار الأمريكي، بدلاً من الليرة التركية، وهو ما اعتبرته ضربة موجعة للاقتصاد الوطني ومؤشر على عمق الأزمة وتقدم مراحلها.

من جهته، يقول المحلل الاقتصادي، “عامر الحامض”: “خطر الدولرة يكمن في عدة نقاط اولها فقدان ثقة التجار والمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال بالليرة التركية، ما يضعف من قيمتها، كما ان ذلك سينعكس على سعر صرفها كونها تحولت إلى عملة غير مرغوب بها”، لافتاً إلى أن تلك الظاهرة ستحد من إمكانية تعافيها حتى على مستوى المستقبل المتوسط.

أما أستاذ الاقتصاد في جامعة إسطنبول الثقافية، “سنان ألتشين”، فيقول: “الليرة التركية شهدت قبل انخفاضا تاريخيا لقيمتها بسبب أحداث مثل ديون القطاع الخاص التي تجاوزت 300 مليار دولار في السنوات الأربع الماضية، والأزمة المحيطة بالقس الأمريكي أندرو برونسون وتغيير النظام إلى نظام رئاسي في 2018″، مشيراً في الوقت ذاته، إلى أن تعيين رئيس البنك المركزي الجديد، “ناجي أغبال” بعد استقالة وزير المالية السابق، “بيرات البيرق”، قاد إلى زيادة قيمة اليرة.

يذكر أن “آل بيرق”، وهو صهر الرئيس التركي، أثار موجات كبيرة من الجدل في الأوساط التركية، لا سيما مع اتهام المعارضة التركية له بالمسؤولية عن الحالة لتي وصلت إليها الليرة التركية، بسبب سياساته، أثناء وجوده في وزارة المالية.

في غضون ذلك، يشير الخبير الاقتصادي “باريش سويدان”، إلى أن ارتفاع سعر الدولار، يعني أن أسعار المواد الغذائية ترتفع بسبب ارتفاع التكاليف أيضا للديزل والأسمدة، التي تأتي بشكل أساسي من الخارج، مشيراً في ذات الوقت إلى أن تركياتشهد اختفاء القرى والحقول لأن الناس يعتقدون أن الزراعة لا تأت بمحصول كافٍ، بالإضافة إلى التضحية بالأراضي الزراعية لصالح المباني، من أجل بناء مشاريع سكنية كبيرة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©