البادية السورية وأهميتها في أجندات أطراف الصراع

أحمد العبدالله

تلعب البادية السورية، دوراً حيوياً في تمكين إيران من الاستمرار في الحرب، مما يدفع قوات التحالف بقيادة واشنطن إلى التحرك لانتزاعها والسيطرة عليها، بعد تبدلات السياسة الأميركية؛ مع دعوة ترامب وفريقه إلى تحجيم دور إيران، لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، فهل تعتزم واشنطن مواجهة التمدد الإيراني، فيما ينشط تنظيم داعش من جديد في ظل التشابكات الإقليمية والدولية التي تتسابق للسيطرة على هذا الجزء الحيوي من سورية؟.

المحاور

أهمية البادية السورية استراتيجياً لأطراف الصراع

أولاً: أهمية البادية السورية في أجندة إيران وحلفائها

    • الصراع على الممرات البرية العابرة للبادية السورية
    • مسار الممرات، الأهداف والمعوقات
    1. التغييرات الديموغرافية الإيرانية في البادية السورية
    2. تدفق الموارد الإيرانية إلى سورية
    3. تأمين عبور القوات الإيرانية والمليشيات والأسلحة

ثانيًا: الأهمية في أجندة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن

    • أهمية قطع ممرات البادية في سياق التهديدات الأمنية الإيرانية
    • الأهمية الجيوسياسية للبادية:

ثالثاً: أهمية البادية في أجندات داعش

    • مناطق انتشار قوى أطراف الصراع في البادية السورية
    • دوائر الاشتباك وتداعيات المعارك

رابعاً: أبعاد الصراع على البادية السورية في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية:

    • البعد العسكري
    • البعد الأمني
    • البعد السياسي

خلاصة

تمهيد

منذ الإعلان عن نهاية تنظيم داعش في مناطق شرق الفرات، عادت بادية الشام بقوّةٍ إلى واجهة الأحداث السياسية والعسكرية في سورية، لتشهد صراعاً على عدة جبهات بين قوات النظام والمليشيات الإيرانية من جهة، وبين بقايا تنظيم داعش من جهة أخرى، فضلاً عن مواجهة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لكل من الميليشيات الإيرانية وتنظيم داعش.

ويقترن هذا التصعيد العسكري بين أطراف الصراع بتعاظم التصعيد السياسي بين الولايات المتحدة وإيران حول السيطرة على البادية الشامية, وما تشكّلُهُ من أهميةٍ استراتيجيةٍ في أجندات المتصارعين, بهدف السيطرة على هذا الحيز الجغرافي المتصل بمجمل المحافظات السورية, بحيث لا يمكن إغفال البُعد الجيوسياسي القائم في البادية وتداعياته، والذي تتجاوز أهدافه مسألة الحرب على الإرهاب، إلى أهداف أخرى مرتبطة بالمشروع الإيراني للسيطرة على المنطقة, وما تواجهُهُ من تهديداتٍ إيرانيةٍ تمتدّ من العراق إلى ساحل البحر المتوسط، باستمرار إيران تطوير قدراتها في مجال ما يوصف بـ”بالقوس الشيعي” ، الذي يتيح لميليشياتها السيطرة على هذه المناطق، ويشكل تهديداً كبيراً لأمنها.

لكن الولايات المتحدة كانت أسبق إلى ذلك، عبر إنشاء قاعدة التنف العسكرية على الحدود الشطرية بين العراق وسورية, لمراقبة التحركات الإيرانية ومواجهتها, وبناءً عليه تحاول هذه الدراسة التركيز على الأهمية الاستراتيجية للبادية السورية, وترسم بالتحليل ملامح أجندات أطراف الصراع, ابتداءً بأجندة إيران لفهم سلوكها الإقليمي القائم على المخاتلة السياسية, واستتناج أسباب هيمنتها على هذه المنطقة الحيوية, وما يقابلها من أجنداتٍ أميركيةٍ تستندُ في أساسها على مواجهة أجندات إيران وتنظيم داعش, وذلك من خلال مراقبة دوائر الاشتباك والانتشار العسكري لكافة الأطراف, وصولاً لتقديم قراءةٍ استشرافيةٍ لأبعاد الصراع على البادية السورية في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية.

الأهمية الجيو استراتيجية للبادية السورية

يمكن وصف البادية التي تشكل ما بين (40- 57) بالمئة من مساحة سورية، أي ما يقارب 74 ألف كيلومتر مربع”1″, بأنّها منطقةٌ حيويةُ، تدفعُ جميع أطراف الصراع للسيطرة عليها. وتبدأ من سلسلة المرتفعات الممتدة من حواف العاصمة دمشق إلى نهر الفرات والمنتهية في جبل البشري، ويطلق عليها السكان المحليون ” الشامية” يسمى القسم الجنوبي الأوسط منها “الحماد”, والقسم الغربي يسميه البدو ” ديرة الشنبل” “2” ينتهي عند سكة حديد الحجاز الرابطة بين حلب – دمشق، وتتميز البادية بمعدلاتٍ منخفضةٍ من الأمطار سنوياً تقدر بحوالي 127 مم فقط”3″. ويتبع ذلك قيمةٌ استراتيجيةٌ وجيواستراتيجية من خلال تنوع تضاريسها بين السهلية والهضبية التي تضم سلاسل جبال القلمون الشرقي، وسلسلة جبال تدمر، ويخترقها وديانٌ شهيرةٌ كوادي المياه الذي ينتهي بنهر الفرات مما جعلها حظيرةً مفتوحةً للثروة الحيوانية من أغنام وإبل، وأعطاها ميزةً اقتصاديةً لها أهميتها الكبيرة في ظروف السلم والحرب. وتعتبر الجزء الأكثر حساسيةً وتأثيراً في قلب سورية باعتبارها بوابة العراق عبر منفذ “التنف”, وتتصل بالمملكة الأردنية بحدود طويلة, وتجوب ثراها قبائل عربية عريقة مثل “عنزة وبني خالد والفواعرة والعمور والموالي والحديديين والعقيدات”، وعلى حوافها الجنوبية الغربية تتموضع قبائل الجبل القريبة من محافظة السويداء, وتمتد مناطق انتشارها في الشتاء من وراء حدود تل أصفر بعيداً إلى الجنوب, وحتى حرّة الراجل ومنطقة قصر الأزرق” “4” وتعتبر مدينة تدمر حاضرتها ومركز استقطاب كبير في زمن الحرب والسلم, ومن الحواضر الأخرى ” السخنة والطيبة والكوم والشولا وحميمة والبغيلي وكديم وتوينان”  وتضم حقولاً للنفط والغاز ومنجماً للفوسفات في موقع خنيفيس “5”. يخترقها خط أنابيب كركوك-حيفا، قبل أن تُؤمَّم في بداية السبعينيات وتُصادِر سورية أجزاء الخط التي تمرّ في أراضيها، وأُعيد فتح خط الأنابيب بعد ذلك، ثم أقفلته دمشق مجدداً في بداية الحرب بين إيران والعراق (1980-1988)، في بادرة تضامنٍ سوريٍ مع طهران” “6”.

ومنها يمر خط القوس الفارسي أو ما يسمى الهلال الشيعي معبر إيران البري الوحيد عبر منطقة “التنف” وصولاً إلى دمشق فاللاذقية وبيروت على البحر المتوسط. وعسكرياً؛ يكتسب معبر “التنف” الواصل بين طهران وبغداد ودمشق فبيروت أهميةً استراتيجيةً بعد إغلاق الولايات المتحدة لهذا الممر الدولي الهام.

وتتواجد على أطرافها أكبر المطارات الحربية التابعة لنظام الأسد “التيفور والشعيرات والسين والناصرية”, وتكمن أهمية البادية في كونها نقطةَ وصلٍ وفصلٍ جغرافيٍّ بين العراق وسورية وهو ما يضعها في خريطة من يسعى لتحقيق نصرٍ عسكريٍ ضامنٍ لوحدة سورية أو تقسيمها. ويعتبر التحكم بطرق إمدادات الميليشيات الشيعية الإيرانية وتحركاتهم، تهديداً لتماسكهم والتأثير على أفكار قادتهم ومقاتليهم، فيربك حساباتهم ويحدُّ من خياراتهم، وحجمُ التأثير يتوقف على طبيعة التحكم بها وطرق توظيفها.

هنا تجدر الإشارة إلى أنّ من بين ما ركزت عليه الميليشيات الشيعية التحرك إلى عمق البادية بعد أوامر صدرت من طهران في سباقٍ محمومٍ للسيطرة على تركة تنظيم “داعش” المتقهقر والسيطرة على معبر “التنف”, وسعيها لإخضاع كامل البادية السورية بوصفها ثقلاً جغرافياً واستراتيجياً. في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير تمركز القوات الأميركية في معبر “التنف” منذ العام 2014م وطرد تنظيم “داعش” منه، فهي خطوة عسكرية قطعت الطريق مبكراً أمام أية محاولةٍ لجعل المعبر نقطة استراتيجية لإيران وميليشياتها”7″.

أهمية البادية السورية استراتيجياً لأطراف الصراع

تلعب البادية السورية دوراً حيوياً في تمكين أطراف الصراع من الاستمرار في الحرب، مما يدفع كل طرف من تلك الأطراف إلى التحرك لانتزاعها والسيطرة عليها. حيث ظلت البادية السورية طيلة سنوات الحرب بعيدة عن خيار الحسم العسكري سواءً لقوات التحالف الدولي التي تقودها واشنطن، أو الحلف الروسي وأذرعِهِ العسكرية من الحرس الثوري الإيراني، وما يتبعه من ميليشيات شيعية متعددة الجنسيات وتلك التابعة للأسد، وكذلك تنظيم “داعش” الذي يسيطر على مساحة واسعة من البادية السورية. ويمكن بيان ما تمثِّله البادية من أهمية لدى أطراف الصراع، باستعراض ما تمثّله من أهمية بالنسبة لكل طرف.

وعلى ذلك سيجري مناقشة هذه الأهمية، وذلك من خلال المحاور التالية:

أولًا: أهميةٌ البادية السورية في أجندةِ إيران وحلفائها

 ينتشر النفوذ الإيراني على شكل قوس جغرافي متواصل من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت. بدأ تصاعدياً مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتسارع عندما اندلعت ثورات الربيع العربي وبالأخص في كل من سوريا واليمن، وراحت تتطلع إلى أن تكون القوة المهيمنة في المنطقة. وترى نفسها وكأنها تخلع ثوباً من العزلة الطويلة المختنقة بالعقوبات، فتدخلت منذ انطلاقة الثورة السورية في مارس/ آذار عام 2011م بقوتها العسكرية لحماية حليفها الأسد، وإبعاد الخطر عن خط إمدادها المتصل بحليفها حزب الله اللبناني”8″.

الصراع على الممرات البرية العابرة للبادية السورية

مع استمرار الحرب السورية؛ أدرك الإيرانيون أن الولايات المتحدة تحاول منع وصولهم إلى سوريا عبر العراق فالبادية السورية، لذا دفعت بميليشياتها للاستيلاء على جزء من الحدود شمال شرق معبر الوليد العراقي الحدودي مع سوريا، وتحديداَ في القاعدة الجوية العراقية th-3 “9”, وسيطرت مع حلفائها على مساحة واسعة من البادية السورية وباتت تطوق قاعدة التنف العسكرية من كل الجهات. مما يعكس التصور السائد في المنطقة والغرب بأن طهران تسعى لإقامة ممر بري يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط. ويعتبر الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإسلامي الإيراني (IRGC) أحد المسؤولين عن تنفيذ رؤية السياسة الإيرانية الجديدة. وإعداد اللبنات الأساسية على مدار السنوات الثلاث الماضية، لتحقيق الممر البري الذي سيقطع مسارات متعرجة، مسافة لا تقل عن 800 ميل عن الحدود الغربية لإيران عبر وديان الفرات ودجلة والمساحات الشاسعة من الصحراء في العراق وسوريا”10″.

مسار الممرات، الأهداف والمعوقات

يعبر الممر البري العمق الجغرافي العراقي، وبعد أن يتجاوز أطراف بغداد الجنوبية، يمتد صعوداً إلى صحراء الأنبار، بمحاذاة مدن الفلوجة والرمادي وصولاً إلى الحدود السورية العراقية عند نقطة حميمة، ومنها إلى مدينة السخنة ثم تدمر باتجاه العاصمة دمشق. لكن إيران اصطدمت بعوائق أمنية؛ تمثلت ببقايا تنظيم داعش الذي يجوب البادية السورية، وما يبديه من مقاومة عسكرية شرسة للدفاع عن آخر معاقله في سورية، وبوجود قاعدة التنف العسكرية الأميركية التي تضغط على إيران لوأد هذا المشروع.

وتبرز الأهمية بالنسبة لإيران في ضوء استراتيجيتها التي تعمل وفق التالي:

1ــ التغييرات الديموغرافية الإيرانية في البادية السورية:

كان على إيران وحزب الله إجراء تحولات ديموغرافية عدوانية في بعض المناطق، أي دفع السنة السوريين شمالاً إلى إدلب أو عبر الحدود إلى لبنان، مع جلب الشيعة السوريين والأجانب لإعادة التوطين في أراضي الممر الفارسي”11″. اليوم على سبيل المثال، مدينة البوكمال السورية تسيطر عليها الميليشيات الشيعية بشكل كامل وكذلك السخنة وتدمر والقرى الواقعة على طول الممر الإيراني.

2- تدفق الموارد الإيرانية إلى سورية:

رسخت إيران وجودها في سورية لوجستياً عبر تدشين طريق “طهران ـ دمشق” وتأمين خط بري يعبر وسط وشمال العراق وحتى دمشق وسواحل المتوسط في اللاذقية ولبنان؛ يشكل الطريق نقطة تحولٍ كبيرةٍ لإيران في المنطقة، إذ سيتيح لها لعب دور محوري في زيادة صادراتها من السلع غير النفطية إلى العراق وسورية ولبنان والأردن والمنطقة العربية عموماً، ويقدم لمنتجاتها ميزة تنافسية عن المنتجات الأخرى بفضل خفض كلفة النقل وسهولة الطريق”12″.

3- تأمين عبور القوات الإيرانية والمليشيات والأسلحة:

استخدمت إيران معبر التنف عند الحدود الإيرانية ممراً لشاحنات أسلحتها إلى حزب الله حتى العام 2011م، لذلك مع تطور الحرب السورية سعت إيران لتوفير طريق آمن تحت سيطرتها لنقل القوات والمليشيات التابعة لها، والعتاد العسكري، بين البلدان الأربعة، بعيداً عن الرقابة الدولية التي تزخر بها الموانئ والطرق التقليدية”13″. ولاستنزاف كمية كبيرة من هذه الأسلحة في حربه ضد السوريين، ولتعويض هذا الاستهلاك العسكري تعمل إيران على تفعيل خط الهلال الشيعي للقيام بتهريب الأسلحة المختلفة لحزب الله ولميليشياتها المتواجدة على الأرض السورية.

ثانيًا: الأهمية في أجندة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن

تأتي أهمية البادية السورية في أجندات واشنطن بالسيطرة على معبر التنف الحدودي، الذي حولته إلى قاعدة عسكرية عام 2017م، بعد تحريره بمشاركة “جيش سوريا الجديد” الذي عرف لاحقاً باسم “جيش مغاوير الثورة”. تقع القاعدة في منطقة المثلث السوري العراقي الأردني، وتتمتع بموقع استراتيجي “14” على طول طريق سريع (أوتوستراد) يصل نظام الأسد في دمشق بداعميه في طهران، تتمثل أهداف هذه القاعدة بشكل أساسي في تعطيل الممرات التي تستخدمها إيران ومواجهة تمددها، والعمل على قطعها لإضعاف موقف إيران العسكري والاقتصادي، علاوة على الأهداف المرتبطة بأمن المنطقة والمصالح الدولية، والتي يمكن إجمالها بالتالي:

1- أهمية قطع ممرات البادية في سياق التهديدات الأمنية الإيرانية:

لفت انتباه التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن حجم التهديدات الإيرانية للمنطقة مع تزايد نفوذها في سوريا ولبنان، حيث تسيطر “ميليشيا حزب الله” على مفاصل الدولة اللبنانية ،والميليشيات الشيعية على غالبية مناطق سيطرة الأسد، مما شكل هذا النفوذ المرتبط بالإرهاب الإيراني, تهديداً للسلام والأمن في المنطقة، كما أن تواجد الميليشيات الإيرانية في البادية السورية يؤثر على المصالح الأميركية، لذلك تولدت قناعة لدى واشنطن بضرورة التحكم بمصدر التهديد الإيراني المتمثل في قطع ممرات ميليشياتها، من هنا كثفت واشنطن طلعاتها الجوية في المنطقة الممتدة على الشريط الحدودي بين سورية والعراق من قاعدة التنف. 

وأكدت المصادر؛ أن غارات التحالف استهدفت في أيار/مايو 2017م”15“ دباباتٍ وعرباتٍ عسكرية لميليشيات إيران قادمة من منطقة “السبع بيار” المجاورة في البادية السورية، كانت متجهة نحو معبر “التنف” الحدودي، الذي تتخذه قوات التحالف الدولي، كقاعدة عسكرية لها. وكذلك استهدفت طائرات التحالف الدولي رتلاً عسكرياً لقوات الأسد وميليشيات إيران في منطقة “الشحمي” على طريق دمشق- بغداد الدولي. وقالت هيئة الحشد الشعبي العراقية “إن الضربات الأمريكية على الحدود العراقية مع سوريا أدت إلى مصرع 22 من أفرادها وإصابة 12 آخرين”16″”.

2- الأهمية الجيوسياسية للبادية:

شكل اندحار تنظيم “داعش” مؤخراً وانحساره في جيوب صحراوية متباعدة، بروز البعد الجيوسياسي لأهداف كلٍ من الولايات المتحدة وإيران في البادية السورية التي تتجاوز مدعى الحرب على “الإرهاب” إلى أهداف جوهرية تتمثل في ترسيخ نفوذها في البادية السورية في سياق التنافس الأميركي – الإيراني, فضلاً عن قيام إيران بنشر ميليشياتها العسكرية في أكثر من أربعين موقعاً في البادية السورية, توزعت على طول الممرات البرية, فيما تتمسك الولايات المتحدة ببقاء قواتها في قاعدة التنف  لتتحوّل البادية، إلى ساحة صراع مفتوح على كل الاحتمالات، إذ هاجمت مجموعات من تنظيم داعش في البادية السورية، عناصر قوات النظام والمسلحين الموالين له، لإيجاد ممر لهم من الضفة الشرقية لنهر الفرات نحو الجيب الأكبر والأخير المتبقي للتنظيم في غرب نهر الفرات، والممتد على مساحة نحو 4 آلاف كم مربع”17″.

إذ اجتمعت مصالح المتنافسين على سورية في هذه المنطقة ذات الموقع الاستراتيجي الفريد، ما أعطاها أهمية استثنائية، فضلاً عن كونها غنية بالثروات، لتصبح ميدان مصالح متنافرة، بل متضاربة، ومسرح تصفية حسابات إقليمية ودولية، من المتوقع أن تتصاعد في الفترة المقبلة، وربما تصل إلى مرحلة الصدام العسكري، في سياق بتر الأذرع الإيرانية وإجهاض ممراتها المتشعبة في هذه المنطقة. لأنّ هدف “تقويض طهران” بات يشكل قاسماً مشتركاً لمعظم الفاعلين في الشأن السوري؛ خاصة بعد التوافق الدولي غير المعلن حول السماح لإسرائيل باستهداف تحركات وقواعد طهران المنتشرة في معظم المحافظات.

هذا الاستهداف الذي تزايدت حدته في الآونة الأخيرة، الذي قد يكون من شأنه إبقاء المشهد السوري خاصة والإقليمي عامة، مرشحاً لاضطرابات كبرى، ولكن قد يُخفف من بعضها، تغليب الفاعلين في الولايات المتحدة الأمريكية لسيناريو “الخنق الاقتصادي والاستهداف الدقيق”، الذي يعني – بحسب بعض التصريحات الأمريكية- إ تغيير النظام الإيراني من الداخل من خلال ضرب الاقتصاد المحلي، وإنهاك البلد، واستهداف التواجد الإيراني الإقليمي”18”.

ثالثاً: أهمية البادية في أجندات داعش

على الرغم من القضاء على وجود تنظيم “داعش” في جيبه الأخير في قرية الباغوز بريف دير الزور، إلا أن ذلك لا يعني نهاية التنظيم المتواجد أصلاً في البادية السورية منذ العام2014م, وتتردد مؤخراً عبارة “الولايات الأمنية”، في تصريحات الناطقين باسم تنظيم داعش في إشارةٍ واضحةٍ إلى استراتيجية “داعش” في المرحلة المقبلة، كتحول من ولاياتٍ كانت تسيطر عليها إلى ولاياتٍ تنشط فيها أمنياً. تقول مصادر عشائرية على معرفة وافية ببوادي الرقة و ديرالزور: إن “داعش” ومنذ العام 2017، اتخذ من مناطق صحراوية في عمق الشامية “أوكاراً” له؛ وأبرزها جبل البشري في أقصى جنوب شرقي الرقة، ومنطقة الدفينة جنوب غربي ديرالزور، والمنطقة الصحراوية الممتدة بين مدينتي تدمر والسخنة غرباً ومنطقة 55 جنوباً ومحطة T2 شرقاً، وفيضة ابن موينع شمالاً. وتتصف هذه المناطق بوجود تضاريس تسمح بالتخفي فيها مثل الجبال والاودية والمغاور الطبيعية الكلسية العميقة جداً. في جبل البشري منجم للإسفلت يمتد لمسافات طويلة يمكن استخدامه كمستودع أو معسكر تدريب. هذا عدا عن المساحة الشاسعة للمنطقة، والعواصف الغبارية اليومية التي تحجب الرؤية الجوية وتزيل آثار التحرك بسرعة. ويتحرك التنظيم ليلاً، بحرية تامة، وتتنقل مجموعاته ودورياته رافعة راياته، وتنقل الذخائر والمؤن بعربات دفع رباعي من طرز حديثة استولى عليها التنظيم أو اشتراها ما بين العامين 2014-2017. وفي النهار، يتنقل “الدواعش” عند الضرورة، منتحلين صفة عناصر النظام، أو مدنيين من سكان البادية.

يتمتع عناصر التنظيم في تلك الجيوب الصحرواية بالقدرة والخبرة للتكيف مع ظروف الصحراء القاسية. والنواة الصلبة بينهم هي ما كان يدعى “قطاع البادية”، ومعظم منتسبيها من سكان المنطقة الصحراوية على جانبي الحدود السورية-العراقية. ويضاف إليهم بشكل يومي عناصر هاربة من مناطق أخرى، مثل المجموعات التي انسحبت من الحدود السورية-اللبنانية، ومن محيط دمشق، بعد اتفاقيات الإخلاء التي عقدت مع “ميليشيا حزب الله” والجانب الروسي خلال الشهور الأخيرة من العام 2017.

ويُقدّر عدد مقاتلي التنظيم في الجيوب الصحراوية شرقي سوريا، بنحو 1000 عنصر، إضافة إلى أكثر من 800 ينتشرون في بادية السويداء الشرقية. وترتفع أعداد مقاتلي التنظيم في الصحراء حالياً، بشكلٍ كبيرٍ بعد هزيمة التنظيم شرقي الفرات على يد “التحالف الدولي” و”قوات سوريا الديموقراطية”. وتلتحق بهم أعداد أخرى من وافدي العراق ومناطق التنظيم السابقة في سوريا. وتشكل المنطقة فرصةً للتنظيم، يلتقط فيها أنفاسه، متطلعاً لمرحلة جديدة”19″.

مناطق انتشار قوى أطراف الصراع في البادية السورية

سعى المسؤولون الإيرانيون الكبار للسيطرة على البادية السورية، بالاستعانة بمصادر خارجية لأجل الإشراف على تلك المنطقة، مثل حزب الله ومختلف الميليشيات الشيعية التي ترعاها إيران في العراق وسوريا، لتجنب استخدام قواتها العسكرية الخاصة للسيطرة على الطرق. (فلدى إيران نفور طويل الأمد من استثمار القوى العاملة في الخارج). وتمكنت طهران من إرسال ميليشيات متعددة الجنسيات، يتراوح عدد أفرادها عشرات الآلاف، من بينهم 18000 شيعي أفغاني و3000 إلى 4000 شيعي باكستاني بالإضافة إلى ميليشيات مسيحية ودرزية صغيرة. وقد تم بالفعل نشر بعض هذه القوات في قطاعات مختلفة”20″ على طول الممرات البرية العابرة للبادية على شكل مجموعات قتالية تتمركز على النحو التالي: “المحطة الثانيةt2 , وحميمة، والمحطة الثالثة t3, وجبل الغراب، وفيضة ابن موينع، والسخنة، والعليانية،  ومفرق ظاظا، ومعبر الوليد مع القاعدة الجوية h-3  في الأراضي العراقية المواجهة لمعبر التنف””21”, وأشهر الميليشيات المدعومة من إيران هي, الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية. وحزب الله اللبناني في منطقة التنف للمشاركة في عمليات نظام الأسد في الصحراء السورية المعروفة باسم البادية.

 فيما ينتشر تنظيم “داعش” في جيوب صحراوية وعرة التضاريس في كل من ( جبل البشري, جبل الضاحك, وادي المياه, وادي الهيل, روض الوحش, وشرق تل أصفر, وفي المفاوز القريبة من قاعدة التنف), وكذلك على طول خط نهر الفرات داخل المنطقة الصحراوية, من البوكمال صعوداً إلى مدينة دير الزور بمسافات متفاوتة عن مقرات الميليشيات الإيرانية، التي تستولي على مدن وقرى الضفة اليمنى من نهر الفرات, ويُقدّر عدد مقاتلي التنظيم في الجيوب الصحراوية شرقي سوريا، بنحو 1000 عنصر، إضافةً إلى أكثر من 800 ينتشرون في بادية السويداء الشرقية. وترتفع أعداد مقاتلي التنظيم في الصحراء، حالياً بشكل كبير، بعد هزيمته شرقي الفرات على يد “التحالف الدولي” و”قوات سوريا الديموقراطية”. وتلتحق بهم أعداد أخرى من وافدي العراق ومناطق التنظيم السابقة في سوريا. أما قوات الولايات المتحدة العسكرية تتموضع في قاعدة التنف عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، حيث قررت الولايات المتحدة في عام 2014 تأسيس قاعدة عسكرية حملت اسم التنف، وهذه القاعدة النائية محاصرة من جميع الجهات بالميليشيات الإيرانية, وقالت مصادر دبلوماسية غربية في لندن، إن أحد المقترحات هو “مقايضة الوجود الأميركي بما فيها قاعدة التنف شرق سوريا بالوجود الإيراني بما في ذلك القواعد العسكرية والميليشيات في كل سوريا”، مشيرة إلى رغبة واشنطن في الاحتفاظ بالقاعدة في زاوية الحدود السورية – العراقية – الأردنية لـ”مراقبة” تنفيذ إخراج إيران”22″.

دوائر الاشتباك وتداعيات المعارك

تجري معارك البادية السورية وفق خطط تفرضها الأحداث العسكرية على كل طرف وسط منطقة مترامية الأطراف, ولا يمكن فصلها عما يجري في ريف السويداء الشرقي أو منطقة التنف, والبوكمال, أو جبل البشري والسخنة وما حولها, بمعنى أن الصورة هنا وهناك تصعيد عسكري واستماتة لكسب مزيد من الأرض يقابله تصعيد واستماتة للتشبث بالأرض واستردادها, وفي جانب التكتيك المتبع في معارك البادية, فالملاحظ أن تنظيم “داعش” في المعارك التي يخوضها, قد تحوّل من وضعية الدفاع إلى الهجوم وتطويره، مما مهد عملياً لإطلاق معارك استنزافية, حيث قالت وكالة “أعماق” التابعة لتنظيم “داعش” إنّ نحو 20 من قوات النظام والميليشيات الإيرانية لقوا مصرعهم وأصيب آخرون يوم 19أبريل/نيسان 2019م, في كمين لتنظيم “داعش” قرب جبل “البشري” شرق مدينة السخنة في بادية حمص. وكان الكمين قد بدأ، عندما حاولت قوات النظام تقفي أثر مجموعاتٍ من مقاتلي التنظيم، بعد هجوم نفذوه يوم 18أبريل/نيسان شمال مدينة السخنة، واستمرت المواجهات التي استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة لنحو 24 ساعة. وأسفر الكمين عن مقتل 3 ضباط و 17 عنصراً من قوات النظام والمليشيات الشيعية وإصابة آخرين، إضافة إلى تدمير 4 آلياتٍ، كما استولى مقاتلو التنظيم على 7 آلياتٍ رباعية الدفع، ومدفعين رشاشين وأسلحة وذخائر متنوعة, وأكدت صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي موالية لنظام الأسد، أن قوات النظام فقدت الاتصال بمجموعة كاملة من الفرقة 18 بقيادة العقيد “نادر منير صقر”، في بادية حمص.”23″، وبالمقابل, قامت إيران بزج ميليشياتها الشيعية المتعددة الجنسيات وإطلاق سلسلة عمليات على محاور عدة بهدف توسيع مناطق سيطرتها على جانبي طريق دمشق- بغداد, واقتربت من منطقة الـ” 55″كم المحميّة بقاعدة التنف العسكرية بهدف الضغط على قوات التحالف التي تقوده واشنطن, ولكنها تراجعت نتيجة قصف الطائرات الأميركية الذي وصفته واشنطن بالدفاع عن النفس”24″, مما أتاح للتنظيم تكثيف هجماته ضد الميليشيات الإيرانية, وتقطيع أوصال الميليشيات إلى جزر يسهل الإطباق عليها وحصارها في المنطقة الممتدة من السخنة جنوبا إلى جبل البشري شمالاً, بعدما تقدم التنظيم  من عدة محاور في شمال غرب السخنة من منطقة الكوم والطيبة”25″ تزامناً مع الاندفاعة في جنوب السخنة من منطقة “t2″ ويطلق عليها محلياً ” كامب الصواب”، وفي حال اتصال مجموعات التنظيم ببعضها سيتم حصار مناطق الميليشيات الإيرانية في مدينة السخنة, مثلما تمكن من السيطرة على كامل المنطقة الفارغة خارج طريق بغداد – دمشق, وتدمر – دير الزور, والملاحظ نشاط التنظيم في هذه المنطقة، التي باتت المجال الحيوي لحركته بعد فقدانه غالبية مناطق نفوذه شرقي الفرات، وذلك يعود للأسباب التالية:

أولاً: القيام بعمليات عسكرية في إطار استراتيجية “الكمائن والإغارة ثم الانسحاب”، معتمداً على مرونة مقاتليه وسهولة حركتهم، من خلال استخدامه عربات رباعية الدفع تحمل أسلحة مختلفة وتتحرك في كل الاتجاهات، والطرق، والظروف، في منطقة صحراوية مترامية الأطراف، يركز من خلالها على عدة محاور، كمحور “حميمة” والمحطة الثانية -t2، ومحور ريف منطقة البوكمال من الزاوية الجنوبية الغربية، وهو مجال عمل ميليشيا “حزب الله” اللبناني، وقوات نظام الأسد، والمحور الأخير باتجاه أطراف مدينتي السخنة وتدمر مما أدى لخلق وضع ميداني وسياسي يخدم مصالح التنظيم باستنزاف الميليشيات عسكرياً، بحيث باتت الميليشيات تتكبّد يومياً عشرات القتلى.

ثانياً: تزايد عملية التنظيم الأخيرة ضد النقاط العسكرية الروسية في البادية، سيعمق الخلاف الروسي – الإيراني، بعد مقتل عدد من الضباط والجنود الروس”26″, ولعلّ تنامي قدرات تنظيم “داعش” في البادية وامتداده نحو مناطق أخرى، يعود إلى تواطؤ الميلشيات الإيرانية وإتاحة الفرصة لتنامي نشاط التنظيم.

ثالثاً: التواطؤ الروسي – الإيراني، فإيران تربط استمرار وجودها في سوريا ببقاء التنظيم حيّاً، فيما ترى روسيا أن وجود التنظيم يدخل في حسابات استنزاف الميليشيات الإيرانية التي تزاحمها على النفوذ في مناطق سيطرة نظام الأسد، لذلك تغيب طائراتها بشكل ملحوظ عن مناطق نفوذ التنظيم.

رابعاً: أبعاد الصراع على البادية السورية في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية:

اتخذت الحرب في البادية السورية منعطفًا جديدًا، عندما تحول التركيز العسكري من المناطق الغربية في البلاد إلى هذه المنطقة الحيوية، حيث أنّ ما يشكله حجم التهديد في البادية السورية بين القوى المتصارعة يثير قلقاً إقليمياً ودولياً، بعد تحويل تلك المناطق إلى بؤر من الصراعات المستمرة، فالجماعات المسلحة المدعومة من الولايات المتحدة وإيران تسعيان إلى الاستيلاء على أراضي البادية أو الدفاع عنها مع وضع هدف واحد في الاعتبار؛ السيطرة على الطريق السريع الاستراتيجي بين دمشق وبغداد.

فإيران التي قامت بتكثيف تواجدها العسكري قبالة القاعدة الأميركية في التنف، تعمل على خلق حالة تهديدٍ مستمرة في المنطقة، بمحاولتها وصل الحدود السورية العراقية لاستمرار تدفق مواردها وأسلحتها إلى قواعدها في مختلف مناطق نفوذ الأسد في سياق تنافسها مع إسرائيل وابتزازها، لتسوية قضاياها مع دول الغرب، واستخدام ميليشياتها لزعزعة أمن المنطقة كما يفعل ذراعها العسكري “حزب الله” في لبنان وسورية. وترى في انتشار ميليشياتها العسكرية في البادية السورية, خطاً دفاعياً متقدماً وعمقاً استراتيجياً لها، ولذلك فإن الولايات المتحدة، تراقب عن كثب التحركات الإيرانية، تحسباً لأي تمددٍ لميليشياتها التي باتت على الضفة الغربية من نهر الفرات وعلى تواصلٍ جغرافيٍ كاملٍ مع ميليشيات الحشد الشعبي في العراق”27″, لتجعلها في حالة إرباك مستمرة، ومع انحسار تنظيم داعش في بؤر متعددة على طول مساحة البادية أصبحت مناطق سيطرة الميليشيات مهددة، لذلك تعمل طهران على زج الآلاف من عناصرها بهدف الحفاظ على مناطق نفوذها, باعتبارها تتصل بالدفاع عن عمقها الاستراتيجي.

في ظل هذه التجاذبات تبدو البادية السورية، تخضع لاستراتيجيات متضاربة، تسير وفق أبعاد مختلفة, يمكن إجمالها بالآتي:

1- البعد العسكري:

هذه المنطقة باتت المجال الحيوي لقوى الصراع في سورية, لكل من الولايات المتحدة بخيارات محدودة رغم قوتها الجوية الساحقة, وكل ما تملكه في أعلى تقدير ما يقارب 1000 من القوات الخاصة وباتت علاقتها مع حليفها, الجيش السوري الحر” فصيل مغاوير الثورة” شبه محاصرين في قاعدة التنف, فيما الحليف الرئيسي لها “قوات سوريا الديمقراطية” ، لديها اتفاق مبطن مع نظام الأسد, ولا ترغب بالدخول في معركة مع الميليشيات التي تدعمها إيران، علاوةً على أن إدارة ترامب مقيدة من حيث قدرتها على عقد صفقة كبيرة مع موسكو بشأن سورية، كما تشهد علاقة واشنطن مع أنقرة توترات متعاظمة نتيجة تسليح الولايات المتحدة للأكراد، الأمر الذي جعل القوات الأمريكية تعمل كقوة عازلة بين القوات التركية ووحدات حماية الشعب الكردي (YPG)، من هنا, تستغل إيران التخبط الأميركي لفتح ممراتها في البادية السورية عبر ثلاثة محاور الأول، محور حميمة المحطة الثانية t2 والمحور الثاني على امتداده شمالاً في ريف منطقة البوكمال من الزاوية الجنوبية الغربية، وهو مجال عمل ميليشيا حزب الله اللبناني وقوات نظام الأسد، والمحور الثالث من داخل الأراضي العراقية حيث يتحرك الحشد الشيعي العراقي وحركة النجباء والحرس الثوري الإيراني لتثبيت نقاط ارتكازها العسكرية في البادية السورية, فيما ينشط تنظيم “داعش” ليلاً ويشن غارات على مواقع الميليشيات الإيرانية.  

وفي الآونة الأخيرة كشف مسؤول محلي ومصدر عسكري في محافظة الأنبار غربي العراق عن وصول تعزيزات أميركية إلى منطقة التنف العراقية على الحدود مع سوريا، غربي المحافظة. وأوضح المصدر المسؤول” أن الهدف من تلك التعزيزات هو تأمين الحدود العراقية مع سوريا، بالتزامن مع العمليات العسكرية التي انطلقت في الجانب السوري ضد آخر معاقل داعش في دير الزور”28″.

2- البعد الأمني:

من خلال استشفاف حيز المواجهة، فإن المنطقة الممتدة من أطراف بغداد الغربية وحتى العاصمة دمشق ذات طبيعية ديمغرافية ومذهبية مشتركة، تعرقل التواجد الإيراني في البادية السورية, الذي يتطلب موارد عسكرية بشرية كبيرة للحفاظ على ميليشياتها المتمركزة  في منطقة صحراوية لا يمكن التحكم برمالها المتحركة الواقعة بالقرب من وادي الفرات، المركز الحضري ذي الكثافة السكانية العالية، وما تقوم به الميليشيات الإيرانية من عمليات تشييع وتهجير للسكان المحليين في الضفة اليمنى للفرات, يشجع على المضي في المواجهة المسلحة مما يزيد من حدّة الصراع وسط تصريحات واشنطن بالعمل على تحجيم الدور الإيراني في المنطقة, ومن ثم إخراج إيران من سورية.

3-البعد السياسي:

اصطدم الوجود الإيراني بتبدلات السياسة الأميركية بعد وصول الرئيس ترامب وفريقه إلى السلطة، ودعوته إلى طرد إيران من المنطقة، بالتفاهم مع روسيا، وقالت مصادر دبلوماسية غربية في لندن، إن أحد مقترحات التفاهم بين واشنطن وموسكو، هو “مقايضة الوجود الأميركي بما فيها قاعدة التنف شرق سوريا بالوجود الإيراني بما في ذلك القواعد العسكرية والميليشيات في كل سوريا”، مشيرة إلى رغبة واشنطن في الاحتفاظ بالقاعدة في زاوية الحدود السورية – العراقية – الأردنية لـ«مراقبة» تنفيذ إخراج إيران. فرغم قرار ترامب سحب قواته من الشمال السوري، إلا أن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، شدد على بقاء جنود في قاعدة التنف جنوب سوريا”29”.

خلاصة

في ضوء ما سبق، فالملاحظ على الآلية المتبعة للتحالف الدولي أنها تسير باتجاهات تهدف بنتيجتها الى تعطيل الممرات البرية عبر البادية السورية، وفق تدابير عسكرية أمريكية، وذلك بالاعتماد على سلاح الطيران، وعلى فصيل مغاوير الثورة، الذي يسيطر على الجزء الأخير من الطريق الدولي دمشق – بغداد في محيط قاعدة التنف العسكرية الأميركية، ومهامهم الحفاظ على أمن القاعدة والحدود المشتركة في نطاق النفوذ الأميركي.

فالحرب الدائرة في تلك المنطقة في أحد أهم أبعادها الاستراتيجية، الصراع على المنطقة الحدودية أي قطع أو وصل طريق “طهران – بغداد – دمشق – بيروت” الأمر الذي تطلب حشد إيران لآلاف من ميليشياتها، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إغراق إيران في هذا المستنقع، وتوصلت مع روسيا عبر قناة منع الصدام القائمة إلى تسويات لرسم خطوط القتال ومناطق النفوذ حول قاعدة التنف بعمق 55 كم قرب العراق. وفي المحصلة، تعمل إيران على تحريك تنظيم “داعش” في البادية, مما أسفر عن سلسة هجمات أدّت إلى مصرع العديد من الجنود الروس، ومئات من الميليشيات الأخرى، لتحقيق أهداف استراتيجية, يأتي في مقدمتها, صرف أنظار المجتمع الدولي عن المطالبة بإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، باعتبار رؤية إيران أن خطر التنظيم على السلم والاستقرار الدوليين أكبر من خطرها, وكذلك تعميق الصراع الروسي – الإيراني، نتيجة الاتهامات المتبادلة بينهما عن مسؤولية سقوط قتلاهم في هجمات التنظيم المستمرة, واستثمار طهران نشاط التنظيم كرسالة موجهة لواشنطن، ردّاً على إصرار واشنطن على إخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، باعتبارها ميليشيات إرهابية، تهدد الأمن الدولي, وهذا ما أتاح المجال للتنظيم فتح طرق إمدادٍ جديدةٍ على محاور واسعة، تمنحه فرصة التمدد بكافة الاتجاهات، والتركيز على السخنة وجبل البشري, كنقطتي وصل مع معاقله في البادية السورية، لذلك لن يتوقف بمعاركه عند هذه الجغرافية، ما دام الطريق مفتوحاً أمامه عبر القوى المتصارعة.

وبالتالي، تستمد البادية السورية أهميتها الاستراتيجية من مساحتها الواسعة المطلة على مجمل المحافظات السورية, والمتصلة بكل من الأردن والعراق، بينما يشكل الجانب الاقتصادي بما تحتويه من ثروات باطنية هائلة (نفط وغاز وحقول فوسفات) عاملاً مهمّاً في تعاظم الصراع الدولي والإقليمي على هذه المنطقة الحيوية, فالتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن, يعمل وفق استراتيجية محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم “داعش” وحرمانه طرق إمداده في الاتجاهات المختلفة, ويحاول في الوقت ذاته الوقوف ضد التوسع الإيراني بالمنطقة من خلال قطع الممرات البرية الإيرانية التي تصل طهران ببغداد ودمشق وصولاً إلى ساحل البحر المتوسط.

الأهم في هذا الموضوع كيف سيتشكلُ المشهد الجيوسياسي للبادية السورية في خضم هذه التطورات المتسارعة التي تشي بتغيرات سيكون لها أثرٌ بالغٌ على مستقبل سورية والمنطقة.


المراجع

(01) البادية السورية في حسابات تنظيم الدولة https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2016/4/10

(02) ” البدو” فون أوبنهايم، الجزء الأول, (ص 412).

(03) البادية السورية، https://www.marefa.org

(04) ” البدو” فون أوبنهايم، الجزء الأول، (ص 493).

(05) البادية السورية في حسابات تنظيم الدولة https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2016/4/10

(06) سورية وخريطة الطاقة المتغيِّرة في الشرق الأوسط https://carnegie-mec.org/2013/01/02/ar-pub-50481

(07) معركة البادية السورية.. حرب المصير https://www.baladi-news.com/ar/news/details/19885

(08) أولويات إيران في الشرق الأوسط المضطرب https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/iran/184-irans-priorities-turbulent-middle-east

(09) DISPOSITION OF ADVERSARY AND FRIENDLY FORCES I1`N EASTERN SYRIA http://www.understandingwar.org/backgrounder/disposition-adversary-and-friendly-forces-eastern-syria

(10) أولويات إيران في الشرق الأوسط المضطرب https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/iran/184-irans-priorities-turbulent-middle-east

(11) طموحات إيران في بلاد الشام https://www.foreignaffairs.com/articles/iran/2017-05-01/irans-ambitions-levant

(12) الديناميكيات بين “حزب الله” وإيران: وكالة وليس شراكة https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/hezbollah-iran-dynamics-a-proxy-not-a-partner

(13) التموضع الاقتصادي الإيراني في سورية https://www.omrandirasat.org

(14) ممر “إيران – العراق – سوريا” تحت التنفيذ في انتظار الإعلان الرسمي https://al-ain.com/article/iran-terrorism-iraq-syria

(15) Al-Tanf, Syria https://www.crisisgroup.org/trigger-list/iran-us-trigger-list/flashpoints/al-tanf-syria

(16) أمريكا تؤكد استهداف رتل لقوات الأسد قرب التنف وتحمل روسيا المسؤولية https://orient-news.net/ar/news_show/136572

(17) مصرع العشرات من عناصر الحشد الشعبي وميليشيات إيران بقصف لطيران مجهول على الحدود العراقية السورية https://www.soshals.com/politics/6210/

(18) داعش يبحث عن ممر نحو البادية.. ويهاجم ميليشيات إيران https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/syria/2019/02/03

(19) الدور الإيراني في الأزمة السورية: التموضع والتحالفات والمستقبل http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/03/190306073852778.html

(20)  “داعش” في البادية الشامية: عائدون! https://www.almodon.com/arabworld/2019/3/6

(21) طموحات إيران في بلاد الشام https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/irans-ambitions-in-the-levant

(22) DISPOSITION OF ADVERSARY AND FRIENDLY FORCES IN EASTERN SYRIA http://www.understandingwar.org/backgrounder/disposition-adversary-and-friendly-forces-eastern-syria

(23) واشنطن تحتفظ بالتنف لـ”مراقبة” خروج إيران https://aawsat.com/home/article/1324436/

(24) مقتل 20 بينهم ضباط لقوات النظام في بادية حمص https://www.baladi-news.com/ar/news/details/44296

(25) Exclusive: U.S. expands presence in Syrian desert, rebels say https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria-usa-exclusive-idUSKBN1951YX

(26) 29 قتيلاً من القوات الروسية وقوات النظام بكمائن لتنظيم الدولة في بادية السخنة https://grouplawsuit.blogspot.com/2019/03/29.html

(27) حشود أمريكية في المنطقة لمواجهة نفوذ إيران https://www.albayan.ae/one-world/arabs/2019-03-15-1.3511667

(28) العراق.. تعزيزات عسكرية أميركية للتنف الحدودية مع سوريا https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/iraq/2019/02/10

(29) واشنطن تحتفظ بالتنف لـ«مراقبة» خروج إيران https://aawsat.com/home/article/1324436


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.