البريكست وتقارب بريطانيا وتركيا.. الأبعاد والتوقيت

تمكنت المفوضية الأوروبية – بعد مفاوضات ماراثونية – من توقيع اتفاق اللحظات الأخيرة مع بريطانيا لإتمام عملية خروج الأخيرة من الاتحاد وفق بنود وتفاصيل كثيرة في نقاط جمعتها 1500 صفحة لم تعلن فعليًا بعد.. لتبقي على التكهنات سيدة الموقف في حيثيات تلك الاتفاقية ولصالح من ستكون رغم أن توقيعها يعني توصل الطرفين لنقاط مشتركة تحقق مصالحهم بأدنى قدر من الخسائر دون استبعاد حدوث تنازل بريطاني معين لضيق الوقت ولحسابات أخرى..

وكان اللافت في خضم جولات المباحثات وصولًا إلى لحظة توقيع الاتفاق النهائي.. حضور أنقرة في كواليس الاتفاق عبر التقارب مع بريطانيا والاعلان عن اتفاق تجارة حرة بين لندن وتركيا يحدد إطار مرحلة ما بعد “البريكست” في خطوة أثارت موجة من التساؤلات عن الأسباب والتأثيرات ودلالة التوقيت.

وتكمن النقطة المفصلية في ضرورة الاتفاق أن أنقرة ترتبط بعلاقة اقتصادية خاصة مع الاتحاد الأوروبي في اتحاد جمركي يرتبط بالشروط المفروضة على تركيا التي تحاول الانضمام للاتحاد.. حيث وبخروج بريطانيا الرسمي من النادي الأوروبي، ستمسي قضايا التبادل التجاري بين لندن وتركيا معلقة وغير خاضعة للاتفاق الشامل مع أوروبا ما يستوجب اتفاقًا جديدًا يضمن استمرار التبادل التجاري بين البلدين.

وتقدم بريطانيا نفسها كـ “نصير التجارة الحرة” بعد بريكست.. حيث وبالتوازي مع المفاوضات التي جرت مع الاتحاد الأوروبي، وقعت المملكة المتحدة اتفاقيات تجارية مع 62 دولة، بينها اليابان وسنغافورة والمكسيك وكينيا، ومددت في معظمها الترتيبات السارية في إطار الاتحاد الأوروبي. لكن المباحثات مع الولايات المتحدة لم تسفر عن أي نتيجة ملموسة، رغم وعود دونالد ترامب السابقة.. ما شكل نقطة مفصلية “محتملة” في حيثيات التقاربات البريطانية الأخيرة مع عدة دول كـ تركيا.

اتفاق وتبادل تجاري

يوم الثلاثاء الماضي، أعلنت كل من لندن وأنقرة التوصل لاتفاق تجارة حرة، يضمن استمرار التبادل التجاري بين البلدين بعد خروج بريطانيا من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي.

اتفاق تاريخي وفق توصيف “روهصار بيكان” وزيرة التجارة التركية، حيث أنه يتضمن نفس الشروط القائمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، اللذين يربطهما اتفاق اتحاد جمركي.

الوزيرة التركية أوضحت ضرورة الاتفاق الذي بدونه كانت أنقرة ستخسر صادرات بقيمة 2.4 مليار دولار إلى بريطانيا بسبب أعباء ضريبية إضافية.. حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 25 مليار دولار.

كما وصل حجم التبادل التجاري بين بريطانيا وتركيا نحو 18.6 مليار جنيه إسترليني (25.1 مليار دولار) خلال عام 2019، وفق بيانات وزارة التجارة الدولية في لندن.

خطوة لتعزيز العلاقات

أكدت الوزيرة التركية أن الاتفاق “أول خطوة لتعزيز علاقاتنا”، في حين وصف الرئيس رجب طيب أردوغان الاتفاقية الموقعة بأنها “أهم اتفاق منذ اتفاق الاتحاد الجمركي” مع الاتحاد الأوروبي الذي تم توقيعه عام 1995.

بدورها، نوهت “ليز تروس” وزيرة التجارة البريطانية، إلى أن الاتفاق “يمهد الطريق نحو التوصل إلى اتفاقية جديدة أكثر طموحا مع تركيا في المستقبل القريب، كما يندرج في إطار خططنا لوضع بريطانيا في وسط شبكة من الاتفاقيات العصرية مع الأنظمة الاقتصادية الديناميكية”.

مواعيد قريبة

يدخل الاتفاق مع تركيا حيز التنفيذ اعتبارًا من أول كانون ثان يناير المقبل (مطلع العام المقبل)، حيث جاء بعد توصل بريطانيا إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي، قبل خروجها ممن الاتحاد يوم الـ 31 من كانون أول ديسمبر الجاري.

حيث أنه وبعد انقضاء الفترة الانتقالية مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سينتهي تطبيق الاتفاقيات التجارية السارية بين الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى على المملكة المتحدة التي يتعين عليها أن تُبرم نصوصًا جديدة لتجنب العوائق الجمركية.

وكانت المملكة المتحدة تخوض سباقًا مع الزمن لتعويض ما ضاع منها، وهي تفاوض النادي الأوروبي على الخروج مباشرة بعد إعلان التوصل إلى اتفاق مع التكتل الأوروبي.. ليأتي الاعلان البريطاني عن توقيع اتفاقية التبادل الحر مع تركيا منهيًا حالة انتظار الأخيرة لما ستسفر عنه المفاوضات بين البريطانيين والأوروبيين.

للسياسة نصيبها

لا يمكن إهمال البعد السياسي في الاتفاق الأخير بين بريطانيا وتركيا، حيث يعاني البلدان من صدامات مختلفة مع أوروبا “تختلف أسبابها ونتائجها طبعًا” لكن ذلك يوحي – بحسب مراقبين – باتجاه البلدين لاستغلال ذلك في سبيل تحقيق اختراقات سياسية وإعلامية..

كما يمثل الإعلان عن اتفاقية تجارية بين بريطانيا وتركيا فرصة للزعيمين “المأزومين” رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن يقولا إن أزمة بريكست والأزمة المالية والاقتصادية التركية أتاحتا فرصة استثنائية للتقارب بين البلدين، مع إعلان الاتفاق التجاري المؤطر للعلاقة بينهما، والذي هو – في الحقيقة – إعادة تأكيد للاتفاقية الموجودة مسبقًا.

وكان إثبات السيادة على قراراتها السياسية والاقتصادية، هو المحرك الرئيس لخطوات بريطانيا الأخيرة فدخلت في مفاوضات تجارية مع العديد من الدول، حيث بدأت في تأمين الأهم بالنسبة لها كاليابان وتركيا في انتظار الاتفاق الضخم مع الولايات المتحدة الذي أربكه خروج ترامب المنتظر من السلطة.

وانعكست مؤشرات ذلك مع الحفاوة الإعلامية والتركيز المقصود الذي تعاملت بها كل من تركيا وبريطانيا مع اتفاق التبادل الحر، بشكل يؤكد أنه يتجاوز الأغراض اقتصادية بل له رسائل سياسية لجهة بعينها هي الاتحاد الأوروبي.

اتضح ذلك من إصرار رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” على تحرير بلاده من سيطرة أوروبا بزعمه ومنحها حرية ما تريد ليكون أول ما قامت به تحقيق الاتفاق التجاري مع أنقرة المشاكسة في أوروبا..

ولابد من التذكر هنا أن بريطانيا لم تدخل علانية بأي صدامات أوروبية تركية التي شهدتها الفترة الماضية، بل حافظت على مسافة متساوية من الطرفين “وكأنها ليست عضوًا في أوروبا”، فكان من النادر أن تساهم لندن في أي قرارات أو بيانات ضد تركيا.. حيث تجاهلت لندن ضغوط أوروبا الكثيرة لإبداء امتعاض من سياسة تركيا الخارجية.

أما أنقرة، فإنها – ولا شك- تعتبر الاتفاق الأخير انتصارًا دبلوماسيًا جاء في وقت تزاد فيه حدة الصدام مع القارة العجوز فالعلاقة الاقتصادية مع دولة بحجم بريطانيا ووزنها؛ سيكون عامل قوة محتمل في المواجهات بين الطرفين.. وهذا ما يستشف ببساطة من تصريحات كبار مسؤولي تركيا وعلى رأسهم أردوغان نفسه.. الذي وجد في الدعم البريطاني الأخير – عبر الاتفاقية – متنفسًا محتملًا يخفف خناق العقوبات الغربية المنتظرة إذا لم تغير أنقرة سلوكها..

التعاون العسكري المنتظر

ربما سيسعى الطرفان لتعميق التعاون بينهما وصولًا لأبعاد حساسة أكثر وعلى رأسها الجوانب الأمنية والعسكرية..

فقبل ثلاث سنوات، عقدت لندن وأنقرة صفقة دفاع بقيمة 120 مليون دولار، للمساهمة في برنامج تطوير طائرات حربية تركية، وتم عقد الاتفاق بين شركتي “بي إيه إي سيستمز” (BAE Systems) و”توركيش آيروسبيس إندستريس” (Turkish Aerospace Industries).. حيث كانت بريطانيا تأمل أن تروج تلك الصفقة لصناعتها الدفاعية، في حين تتوقع تركيا أن تطور قدرة سلاح الجو، في إطار إعلان الجيش التركي السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي في تصنيع المعدات الحربية.

علاقات قديمة

في حديثه مع وكالة الأناضول قبل أشهر، أكدت “جوديث سلاتر” القنصل البريطاني بإسطنبول، أن علاقة بلاده مع أنقرة استراتيجية وستبقى ذات أهمية كبيرة لبريطانيا..

وقالت “سلاتر” التي هي المفوض التجاري البريطاني ، لأوروبا الشرقية ووسط آسيا، إن خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي (بريكست) لن يُضر بمستوى العلاقات الاستراتجية مع تركيا، ولن يؤثر سلبًا على الأهمية التي توليها لتلك العلاقات.

وأضافت المسؤولة البريطانية: “موقف الاتحاد الجمركي الفريد، الذي تتمتع به تركيا مع الاتحاد الأوروبي، يعني أن جزءًا من علاقتنا التجارية في المستقبل سيتأثر من الاتفاقية التي ستبرمها بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي”.

لتؤكد حينها: “سنواصل مفاوضاتنا مع تركيا، في نهاية الفترة الانتقالية التي تنتهي في 31 ديسمبر/كانون أول (المقبل)، لضمان استمرار علاقتنا التجارية القوية” وهو ما جرى قبل يومين.

زيادة حجم المبادلات

شددت القنصل البريطاني والمفوضة التجارية ” جوديث سلاتر” على أن الحكومة البريطانية أعطت أهمية كبيرة للعلاقات التجارية مع تركيا.

حيث أفادت في حديثها القديم مع الأناضول، بزيادة حجم التجارة الثنائية، منذ عام 2008 وحتى الآن، بنسبة 65 بالمئة، ليصل مع نهاية 2019 إلى 18.9 مليار جنيه إسترليني، حيث تعتبر بريطانيا ثاني أكبر سوق لصادرات تركيا، وثالث أكبر شريك استثماري لها.

لتوضح أن توقيع اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين من شأنه أن يضمن استمرارية العلاقات القائمة وتسهيل التجارة الثنائية.. متابعة: “نواصل تشجيع التجارة والاستثمار بين البلدين.. وعلى استعداد لمعالجة العوائق الحالية التي تواجهها شركاتنا للوصول إلى الأسواق، والتعاون في المشاريع التي سيتم تنفيذها في بلدان ثالثة”.

وأشارت “سلاتر” إلى أن بريطانيا دولة جاذبة للغاية للاستثمار الأجنبي، وستظل كذلك.. حيث أفادت بأن بلادها تلقت أكثر من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تلقتها كل من ألمانيا وفرنسا، العام الماضي.

كما نوهت إلى قيام شركات تركية كبيرة بالاستثمار داخل بريطانيا، مثل شراء شركة يلديز التركية القابضة للشركة المتحدة للبسكويت.

لتوضح أن الاستثمارات التركية تتركز في القطاع المالي، ويوجد اهتمام شديد من الشركات التركية الرائدة والحديثة للاستثمار في قطاع التكنولوجيا بصفة خاصة.

وتابعت: “نرى مستقبل المجال التكنولوجي إيجابيا للغاية. لكن بالطبع لا نقول، يكفي هذا.. فبريطانيا لن تقف في مكانها، بل ستواصل بذل كل ما في وسعها للحفاظ على جاذبيتها للمستثمرين”.

واختتمت حديثها بالقول: “التكنولوجيا صناعة رئيسية وجوهرية… والجدير بالذكر أن وجهة نظر رئيس الوزراء بوريس جونسون، أيضا في هذا الاتجاه” وهو الأمر الذي يؤكد احتمالية انتقال التعاون بين الجانبين لمستويات قد تتجاوز المجالات الاقتصادية.

في العمق

مع ما يحققه الاتفاق التجاري مع لندن من ميزات لتركيا، لكنها لن تستطيع إدخال أي بضائع عبر البوابة البريطانية، وفق اتفاق الـ 24 من ديسمبر كانون الجاري، ستكون السوق الأوروبية مفتوحة أمام السلع القادمة من المملكة المتحدة دون رسوم جمركية، حيث ينص الاتفاق الأخير على ضرورة تقيد لندن بحزمة من الالتزامات يؤدي الإخلال بها إلى فرض عقوبات تجارية.

ونظرًا لضخامة نص الاتفاقية المبرمة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي “أكثر من 1500 صفحة” وبسبب عدم نشرها حتى الآن يصعب تحليل تفاصيلها.

إلا أن “آلان جيلمول” أكد في مقال نشرته صحيفة “لاكروا” (La Croix) الفرنسية، أن لندن تستطيع بموجب هذه الاتفاقية تصدير منتجاتها دون ضرائب أو حصص إلى السوق الأوروبية، والعكس صحيح.

حيث ستخضع السلع المصدرة لتصريحات وفحوص الصحة النباتية، مما سيؤدي إلى إضافة بعض الإجراءات الروتينية على الحدود، ومن ثم تضخيم التكلفة بالنسبة للشركات.

كما ينص ملخص الاتفاقية التي نشرتها المفوضية الأوروبية على ضرورة توافق السلع المصدرة المعفاة من الرسوم الجمركية مع قواعد المنشأ.. ونتيجة لذلك، لن تتمكن بريطانيا من إعادة تصدير المنتجات البحرية إلى الاتحاد الأوروبي من بلدان غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي (تركيا مثلًا).

وتتعدد آثار خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي، خصوصًا في قضية العلاقات المزدوجة التركية الأوروبية.. والتي يأتي على رأسها أن الدخول إلى أوروبا يمكن إلغاؤه والخروج من عضوية الإتحاد بحسب مراقبين..

كما يوجد أثر مباشر لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على العلاقات بين تركيا والمملكة المتحدة، يتمثل في قدرة بريطانيا على إبرام صفقات متبادلة المنفعة مع تركيا دون الالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي.

وقد تصبح العلاقات بين المملكة المتحدة والإتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مثالًا للعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي في المستقبل، رغم التباين بين الحالتين.

ومع خروج لندن، ستصبح تركيا وبريطانيا دولتين من خارج الاتحاد الأوروبي لديهما اتحاد جمركي مع التكتل.. ويوجد في الاتحاد الجمركي التركي مع الاتحاد الأوروبي عيب هام – بحسب تقرير لجريدة أحوال تركيا المعارضة – حيث يتسبب في تحويل التجارة بين الدول التي لا تمتلك تركيا معها اتفاقية منطقة تجارة حرة، ولكن لديها اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، ويرى التقرير أن بريطانيا إذا كانت قادرة على التفاوض لحل لهذه القضية، فقد تستخدم تركيا هذا المثال لتصحيح شروط مفاوضاتها وما تعتبره ظلمًا وقع عليها.

يذكر هنا أن سفير بريطانيا في أنقرة، اجتمع بوسائل الإعلام التركية للتعليق على حقبة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. حيث أشار إلى معايير الهجرة الجديدة لبريطانيا؛ مؤكدًا أن شركاء بريطانيا السابقين في الاتحاد الأوروبي سيوضعون في نفس سلة الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمعايير الأهلية للهجرة، وعليه سيتنافس الأتراك على قدم المساواة مع مواطني الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©