مدخل

انشغل المفكرون العرب خلال العقود السابقة بالحديث عن دور ضروري مهمٍّ للإسلام السياسي في مستقبل المنطقة، وأهمية مشاركتهم السياسية في السلطة، ولم تغب حكاية المظلومية للإسلامويين أثناء الترويج للمشهد، حتى إذا دخل الإسلام السياسي باحة الميدان، كان أول ما قام به أنه جعل منها حلبة صراع دموية، فقد أرادها الإسلامويون لعبة سياسية تنقلهم نحو عالم الاستئثار بالسلطة، عبر نخب أكاديمية وسياسية وحزبية تدير مشهد الاستئثار هذا، وتدفع ببلدانها وشعوبها نحو صراعات اجتماعية وسياسية نراه اليوم من خلال النكبات الكبيرة، التي اخترقت الجدار الاجتماعي، والسياسي لشرقنا البائس؛ وأحدثت فيه انقسامات مجتمعية خطيرةً ليس بالإمكان معالجتها في وقت قريب.

لتحميل ملف الدراسة

الشرارة الأولى

غالبية الباحثين يربطون بين أصل فكرة التطرف بما كتبه سيد قطب، خصوصاً في كتابه “معالم في الطريق” وهو الكتاب الذي كتبه أثناء وجوده في السجن الذي صدر عام 1964 وقد مثلت مقدمة الكتاب أخطر ما فيه بحسب تعبير علي بن محمد الرباعي:

“تذهب بك إلى هاوية، فمجموعة أفكار أيديولوجية متأزمة تنجح في تأزيمك مع نفسك، ما يشعرك بأنك في مجتمع غير إسلامي، وكل ما حولك يتسبب في ضياع وقتك ومشروعك، فلابد من الانفصال عن المجتمع الجاهلي”[1]

هذه الرؤية المتطرفة لم تفعلها حركة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها عام 1928 كما لم يفعله زعيم الجماعة ومؤسسها من قبل “فلم يسبق أن وصف البنا مجتمعه بأنه جاهلي معاصر كما لم يسبق أن دعا إلى شيء غير الدعوة اعتقاداً منه أن للفوز بالسلطة ينبغي الفوز بالقلوب أولاً”[2]

فمسألة الجاهلية التي طرحها سيد قطب هي مثيرة بالفعل، خصوصاً وأنها جاءت بهذا الإطار الواسع فهو يقول في تلك المقدمة من كتاب المعالم:

“نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية، تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ومراجع إسلامية وفلسفة إسلامية وتفكيراً إسلامياً هو كذلك من صنع هذه الجاهلية.” [3]

بالتالي من غير الممكن أن تكون هناك قراءة واقعية لهذا النص أو أي من النصوص التي تُحدث جدلاً ما لم يتم العودة إلى السياق التاريخي الذي تمت فيه تلك الكتابة، فكتاب سيد قطب “المعالم”، إنما يأتي في حقبة تاريخية لم تكن سهلة عليه، فهو كان قد دخل السجن عام 1954 وشهدت الأعوام القليلة التالية مداً قومياً واسع النطاق، تجاوز مصر إلى عموم العالم العربي، خصوصاً حقبة 1956 أثناء تأميم القناة ثم الحرب الثلاثية على مصر، التي حققت مصر على إثرها مكاسب سياسية على الصعيد الوطني والقومي العربي والعالمي أيضاً.

وبالتالي فإن نظرة سيد قطب ليست مجرد انقلاب شامل على الفكرة التي انطلق منها حسن البنا، وإنما هي مفارقة مهمة، يمكن ترجمتها: إلى أن سيد قطب وجد أن أكثر من ثلاثين عاماً من حقبة الإخوان المسلمين في مصر ذهبت أدراج الرياح مع حالة النهوض القومي التي لم تكن معروفة قبل مجيء الإخوان المسلمين، ولا حتى بعد ثورة يوليو التي شارك فيها الإخوان وأطاحت بالملكية في مصر.

وبالتالي هل كان سيد قطب يُبطن في ذلك النص حالة اليأس التي استشعرها، حيث بات مشروع الإخوان المسلمين في المكان الضيق من حركة التاريخ.

وعليه فقد جاءت فكرة الجاهلية وليدة اليأس، وجاء التعبير عنها حالة من السخط على المجتمع المصري آنذاك، وإلا فما هو مبرر ذلك الاتهام للمجتمع بالجاهلية سوى رؤية سيد قطب أن هذا المجتمع لا يمكن الإمساك به كما يريد له الإخوان المسلمون. فالذي لم يدركه سيد قطب آنذاك وهو يستمع لأخبار الحشود في الشوارع أثناء حرب السويس، هو أن فكرة القومية كانت متاحة لكل أطياف المجتمع، وكانت قادرة على التعبير من خلالها آنذاك، بينما كانت الفكرة الإخوانية على نقيض ذلك، إذ هي تريد إعادة إنتاج مجتمع من جديد بعد سلخه عن واقعه.

إن قراءتنا لعامل اليأس في رؤية سيد قطب هي نقطة البدء في رؤيتنا لفكرة الانقسام المجتمعي الخطير الذي نعانيه، وهي الفكرة التي وُلدت هناك بين دفتي ذلك الكتاب الذي لم يحظ بعد بقراءات وافية شافية، بل لم تحظ كثير من مؤلفات الإسلامويين بقراءة وافية ودقيقة.

من التربية إلى الصحوة

ولدت فكرة الصحوة كتحالف فكرتين هما الفكر السلفي والفكر الإخواني، ولكن تبقى أول نقطة مفصلية في العوامل التي أنجبت حقبة الصحوة، هي أنها ارتكزت على دور السلطة ودعمها لتنفيذ أجندتها، فالسلفية الوهابية الأولى في عهد محمد بن عبد الوهاب وُلدت مدعومة بقوة السلطة، وكذلك جاءت حقبة الصحوة اللاحقة، فهما حقبتان ما كان لهما أن تحظيا بذلك الحضور لولا سلطة داعمة استغلت كامل عناصرها بما يدفع معطيات تلك الدعوات لأخذ حيِّز ثقافي في المجتمع، ما يذكّرنا بالثورة الثقافية في الصين إبان عهد ماو، والمقولة الشهيرة “السياسة تتولى زمام السيطرة[4]

وبالتالي، عند محاولة صناعة ثقافة جديدة لدى أي شعب فالناتج الأول هو انقسام مجتمعي خطير، والذهاب إلى مرحلة مفتوحة من الصراع، فالاتحاد السوفييتي بجبروته لم ينجح في تغيير شمولي، والصين انقسمت إلى الصين وتايوان وهي الآن بين أزمة هونغ كونغ والإيغور وغيرها من القوميات، وكوريا الشمالية والجنوبية، وليس بعيداً فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية، فالشيوعية في فيتنام الشمالية التي انتصرت على الجنوبية هي الآن جنوبية الهوى، وأما كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ فقد نجوا جميعاً من الثقافة المنحوتة بالمطرقة والمنجل.

وكذلك الدين الإسلامي فهو منذ مجيئه، لم يعرض استبدال ثقافة بثقافة جديدة، منطلقاً من قاعدة التوحيد، ومن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام، غير أن الإخوان المسلمين لم يتخلصوا من عقدة التربية بوصفها وسيلة لفصل الفرد عن محيطه الاجتماعي والأُسري وانخراطه في ثقافة مصنّعة بقالب جديد.

يتساءل الأكاديمي السابق في السعودية عبد الكريم البكار التالي” كيف يمكن تحويل الأفكار والقيم إلى ثقافة وما أهم ما ينبغي التركيز عليه في هذا الشأن؟”[5] ثم يجيب بنفسه على ذلك، ليطرح عدة قضايا يبدؤها بعنوان هو (التربية) التي يجد أنها “هي أهم أداة في عملية التحويل هذه، وذلك لأن القيم والأفكار تنتقل من خلال المعايشة والتأثير بالجو الذي ينشأ فيه المتربي”[6]

فمسألة التربية هي جزء أصيل من مكون الثقافة الإخوانية، فالإسلام من وجهة نظرهم يحتاج إلى تربية خاصة للوصول إليه، لذلك بقي هاجس الإخوان المسلمين الأول هو ميدان التعليم، حيث لعبوا دوراً مهماً في هذا الميدان في السعودية، خصوصاً بعد السياسة التعليمية التي أُقرت في المملكة منذ عام 1970 وتفضي السياسة التعليمية تلك بأنها ” فهم الإسلام فهما صحيحاً متكاملاً بوصفه عقيدة وعبادة وخلقاً وشريعة وحكماً ونظاماً متكاملاً للحياة والغاية على المستوى الفردي هي تكوين الفكر الإسلامي المنهجي لدى الأفراد ليصدروا عن تصور إسلامي موحد في ما يتعلق بالكون والإنسان وهذا التصور الشمولي للإسلام أكثر ارتباطاً بفكر الإخوان المسلمين منه بالمدرسة الوهابية التقليدية”[7]

فالتعليم الديني لدى الإخوان يتجاوز فكرة الإرشاد والتوجيه المعروفة في العالم الإسلامي، نحو ثقافة تقوم على أسس تربوية تنطلق من قاعدة تغيير ثقافة مجتمع، وإحلال ثقافة بديلة أكثر منها ثقافة دينية تقليدية. ولهذا “إن للتربية في برامج الإخوان المسلمين أهمية قصوى لا تدانيها أهمية، ولقد أدرك الإخوان منذ خطواتهم الأولى على درب العمل الإسلامي، أن أمثل الطرق للإصلاح هي طريقة تربية الأفراد وفق منهج الإسلام، ونظامه للوصول بهم إلى الغاية وهي تكوين المجتمع المسلم، فالأمة الإسلامية، فالدولة الإسلامية”[8]

وبالتالي نحن هنا أمام عملية تغيير شاملة غير تقليدية، ومحاولة لإعادة إنتاج مجتمع جديد، عبر تغيير طريقة تفكير أفراده فرداً فرداً، للوصول إلى تكوين مجتمع جديد مختلف عن الموجود أصلاً، كما أن الأمر لن يتوقف عند ذلك، لأن السعي يسير باتجاه إعادة تكوين أمة إسلامية جديدة، وصولاً إلى الدولة الإسلامية المنتظرة والموعودة.

ولكن، ألا يعيدنا هذا الطرح إلى فكرة الجاهلية التي طرحها سيد قطب من قبل، وما تعنيه تلك الرؤية في مضمونها وجوهرها أن ثمة عالميْن مختلفيْن في المجتمع الإسلامي.

أما الأول فهو الذي يمثل الإسلام، وأما بقية المجتمع فهو جاهلي، وبالتالي ما بالنا بالذين لن يدخلوا مدرسة التربية الإخوانية، وأين هم من المجتمع؟ وما هو شكل المجتمع بعد هذا التقسيم الفريد؟ وكيف سيحكم المجتمع الجديد المجتمع القديم الذي لا يقبل الانخراط تحت إمرته؟ وما هي لوحة فسيفساء الشارع وتنوعاته أمام هذه الرؤية الحزبية الجديدة؟ 

اليأس وعقدة الذنب؟

البداية الإخوانية في النشأة كحركة دعوية تحاول إيجاد موطئ قدم لها في عموم المجتمعات التي بدأت تنتشر فيها وسط محيط حزبي متنوع كان يفرض نوعاً من الدبلوماسية والتصالح المجتمعي النسبي ولو لجهة الإطار الشكلي للعلاقات اليومية، والبداية الأولى للحركة الوهابية هي حركة دعوية انقلبت سريعاً إلى مكون ديني هو جزء من مؤسسة الدولة الصغيرة في بيئة صحراوية تعيش هواجس القلق والخوف من المحيط المضطرب.

وأما ما يميز الصحوة أنها ولادة في صميم الدولة التي تعيش حالة الاستقرار والأمن. فالصحوة هنا لم تأت كظاهرة محفزة للنشاط المجتمعي باختلافه، ولم تأت للانقلاب على الواقع بغية تجديده بواقع أفضل، لكن أول خطاها جاءت كحركة إصلاحية وظيفتها إصلاح المجتمع المتصالح مع نفسه، ووضعه أمام مرآة جديدة، سوف يرى نفسه من خلالها أنه يسير خلاف المنهج والعقيدة.

وبالتالي، تأتي البداية لاستهداف الأجيال الشابة الجديدة، التي تحتاج إلى إعادة تربية من جديد وفق الفكرة الإخوانية، وإلى عودة لمنهج السلف وفق منهج الوهابية، وهو ما سيضع جيل الشباب الذي بحسب التكوين الطبيعي يبدأ طريقه حالماً بالأمل، وبدايات جديدة يعمل على تشكيل كينونته فيها أمام خيار مختلف، وبدلاً من أن تجد هذه الأجيال الطريق مفتوحة نحو الحياة، لم يكن أمام هذه الأجيال الفتية سوى (هادم اللذات ومفرق الجماعات) الذي أصبح أمام مرأى العين على الدوام، وبالتالي فإذا أردت أن تهدم آمال الشباب، فالطريق أمامك سهل، فلا داعي لأحلامهم وآمالهم، بل المطلوب هو أن يذهب هؤلاء الشباب لانتظار الموت، لأن الدنيا بلا قيمة! وحول ذلك الأسلوب يقول الشيخ سلمان العودة:

“يكفي أن تعلم أن هناك شريطاً واحداً، وهو شريط: هادم اللذات.. هذا الشريط بيع منه في محل واحد أكثر من ثلاثين ألف نسخة، وفي المملكة كلها ربما بيع من هذا الشريط ما يربو على مائتي ألف نسخة.”[9]

هذه كلمات قالها الداعية سلمان العودة حول شريط هادم اللذات الذي كان نقطة مفصلية في حركة الصحوة، إذ كان الشريط المسجل آنذاك الأكثر تأثيراً في المجتمع، لأنه كان يعمل على سهولة الاستفادة منه، فإن الإنسان يستطيع أن يستمع إلى الشريط وهو قائم أو قاعد أو نائم، وهو يقود سيارته، وبكل وضع، وبكل حال”[10] ويضيف سلمان العودة عن الشريط أنه يغطي الطبقات من المجتمع كافة[11]

هنا الفكرة الجوهرية المطلوبة، أن الشريط المسجل كان المطلوب منه أن يصل إلى شرائح المجتمع كافة، وهذا ما حدث، وهي قصة لم تبق في السعودية آنذاك، بل غادرتها إلى مختلف الدول الإسلامية، حيث كان الشريط الدعوي المسجل موجوداً في الحافلات، وأحياناً في بعض المطاعم الشعبية، والأماكن العامة، وصولاً إلى طلاب المدارس الثانوية الدينية وغير الدينية، وبالتالي من الصعب حصر عدد الأفراد الذين استمعوا للشريط الواحد، فالمسألة أكثر من مئتي ألف شريط داخل المملكة، لأن الشريط الواحد يصل إلى أسرة كاملة، ومنها كان ينتقل من خلال عمليات النسخ التقليدية المتوفرة في المنازل، ولم تكن حكراً على محلات وأماكن المبيعات.

فالشريط المسجل لم يكن فكرة جديدة طرحتها الصحوة، فقد سبقته أشرطة الشيخ عبد الحميد كشك، الذي سجل أكثر من 2000 خطبة.[12]

لكن الفارق، بين انتشار أشرطة عبد الحميد كشك وبين أشرطة الصحوة، هو المكان وطريقة النشر، فأشرطة عبد الحميد كشك كان ينقلها الناس فرادى، على خلاف أشرطة الصحوة التي وجدت من ينقلها إلى الدول العربية أثناء موسمي الحج والعمرة، وبالتالي كانت المحاضرة الدينية في الرياض أو غيرها، وكان مستمعوها في مختلف الدول، عربية وغير عربية، حتى تحول الشريط المسجل إلى ظاهرة عامة، فلم يعد شيخ الجامع وحده الداعية، بل أصبح بإمكان أي فرد القيام بالمهمة، فالترويج لهذه الأشرطة لم يكن عملاً فردياً، بل عملاً منظماً جاء استكمالاً لفكرة المناهج الدينية الجديدة في السعودية.

فالترويج لهذه الأشرطة، كان يخدم فكرة حضور الإخوان المسلمين على المشهد الاجتماعي، لكن المثير حقاً، أننا في حقبة الصحوة كنا أمام تسعة أشرطة فقط تم ترويجها، لكنها، ورغم عددها القليل، كانت الأشد فتكاً وتأثيراً، حيث فاقت عشرات آلاف التسجيلات التي جاءت من مئات المساجد، وحاول أصحابها الاستفادة من انتشار فكرة الشريط المسجل، لكنهم لم يحصدوا تلك الشهرة.

وأما شريط هادم اللذات فهو “في أصله كان محاضرة للواعظ عبد الله بن حماد الرسي، تناول فيها الموت وسكراته، والقبر وأحوال الناس فيه، وأهوال يوم القيامة، وانتشر هذا الشريط على نطاق واسع أواخر الثمانينيات داخل المملكة وخارجها[13]

فمسألة محتوى الشريط هي مجرد أفكار طالما تحدّث بها الدعاة والمشايخ، غير أن تأثيرها لم يكن يغادر بوابة المسجد، بل يبقى بداخله، وكان يمكن أن تكون محاضرة حماد الرسي مجرد محاضرة عادية، كما أي خطبة تحصل في أي مسجد، لكن تلك الخطبة انتشرت لسبب واحد، وهو أن هناك من قام بالترويج المبرمج لها.

أما الشريط الثاني فهو ما سمي بـــ “التوبة الصادقة” وأصل هذا الشريط خطبة للداعية سعد البريك، وهو عبارة عن “قصة مثالية لتائب معاصر زعم أن اسمه أحمد، قادته التوبة من علاقة غير شرعية إلى عذاب في الضمير، دفعه إلى عقد العزم على تسليم نفسه إلى السلطات ليحاكم، وأيضاً إلى أداء فريضة الحج، إلا أنه ظل في حالة ألم مضنى، حتى وافته المنية في أحد المساجد صائماً يتلو القرآن.[14]

كانت اللغة في الشريط الثاني تنطلق من بث عقدة الذنب، ووصول ذلك الإنسان إلى حالة عجيبة من جلد الذات غير المعروفة أصلاً في الثقافة الإسلامية، ففي ذلك الشريط، تلاحظ شاباً في غاية النقاء الروحي، يمضي حياته يتلوّى على ذنب اقترفه، ما يجعلنا نعود لفكرة اليأس من جديد، وفكرة تضخيم عقدة الذنب في العقول، فالمعروف أن “من خصائص الفرد الذي يعاني عقدة الذنب يعمد إلى عقاب نفسه من أجل تخفيف شدة قلقه”[15]

وهو بالضبط فحوى شريط (التوبة الصادقة) ناهيك بأسلوب الخطابة المؤثر، فهو لا يخاطب العقل، ولكنه يخاطب الوجدان الداخلي، ويعمل على السيطرة عليه، وعندما تتم السيطرة على الوجدان الداخلي، يقع الإنسان ضحية هذه اللغة التي تبدو مشفقة عليه، لكنها تقوده إلى الهاوية، ومعروف أن عقدة الذنب هي وليدة المشاعر “عقدة الذنب هي تركيب من مشاعر شاذة تدميريه مضطربة تدور حول الذات واتهامها بكل ما يستحق اللوم والعقاب“.[16]

فحركة الصحوة، ومن خلال عقدة الذنب ذهبت بعيداً نحو استخدام مفهوم الجلد الجماعي بدلاً من استخدامها لفكرة المعالجة الفردية، ما يذكرك بالعقل الصوفي الذي يجعل من الجميع مذنبين عصاة، وما أقسى منهج التعبير عن الذنب عندهم، عندما ينسبون لأوليائهم ومشايخ الطريقة حجم الاستغفار والتذلل لأمر بسيط.

وهنا يأتي السؤال، كيف لهذه المدرسة السلفية المتشددة، أن تنسى سجلها القديم والجديد في فهمها للتوبة؟ وتعمل على تصدير شريط يخلق هذه الحالة من المثالية والنقاء الصوفي؟ وهذا هو شاهدنا، فمن غير إثارة عناصر الخوف والحزن، وكراهية الدنيا، فمن أين يمكن استمالة هذا الجيل الشاب؟ في وقت كان العالم قد بدأ للتو رحلة الانفتاح عبر التكنولوجيا الحديثة التي باتت تدخل المنازل، ولكي تتم عملية الهيمنة على العقول، لا تهم الوسيلة، طالما هناك غاية في آخر المطاف، وهو ما يذكّرنا بالفكرة الإخوانية التي أطلقها مؤسس الإخوان حسن البنا، عندما أراد استمالة عاطفة المصريين أمام الانتشار الصوفي هناك، راح يصف حركة الإخوان بأنها تضم كل المعاني الإسلامية بقوله “وحقيقة صوفية، لأنهم لا يعلمون أن أصل الخير طهارة النفس ونقاء القلب”[17]

فهي حركة سلفية وإذا لزم الأمر قد تحمل معاني صوفية، ما دامت الصوفية تحمل فكرة الاعتزال والالتزام بحضرة الشيخ الممسك بمفاتيح الآخرة، وما دامت الصحوة تتطلب ذلك، فالأمر سيّان.

الصحوة الإسلامية في كل بيت؟

إن أخطر ما أفرزته الصحوة هو ما نشاهده هنا من محاولة أسلمة جيل مسلم أصلاً، وانتزاعه من وسط المجتمع، ودفع هذا الجيل نحو رؤية تقسم المجتمع إلى مسلم ملتزم، وآخر غير ملتزم، ويأتي ذلك وفق رؤية جديدة، لم تكن أصلاً موجودة على الأقل في الألف الهجرية الأولى، فبعد إيصال الشباب والشابات إلى اليأس من الدنيا، وإلى رؤية الآخرة وفق منظورهم فقط، يسهل جذبهم نحو أي عمل متطرف إرهابي! ويتوجب على هؤلاء الشباب الذين لا يملكون المقوِّمات الأساسية لفهم أصول الدعوة الإسلامية، أن يكونوا دعاة يمارسون عملهم الميداني في الدعوة، وهذا السلوك الدعوي نشاهده في التوصيف التالي للمفكر فؤاد زكريا:

كلنا نرى من حولنا أولئك الشبان أو الشابات الذين يركزون “كفاحهم” الديني على ميدان الملابس، وأداء الفروض، ومنع أشكال الاختلاط بين الجنسين كافة. وهم يحاربون في هذا الميدان بلا هوادة، ويعتقدون أنهم أرضوا ضمائرهم وأرضوا ربهم، إن نجحوا مثلاً في قطع اجتماع من أجل إقامة صلاة المغرب، أو في فصل الطلاب عن الطالبات في قاعة المحاضرات، أو في الدعوة إلى ملابس تخفي كامل معالم جسم المرأة باستثناء العينين في قيظ الصيف أو في إثارة ضجة إعلامية هائلة تدافع عن تربية اللحى لدى الرجال.[18]

لا يحتاج النص السابق إلى تأويل، لكنه يعكس حجم البؤس الذي تشغله فكرة الصحوة، ففي صدر الفكرة هناك توجيه واضح للشبان والشابات لأداء فعل مباشر، يتعلق بالملابس وفصل الطالبات عن الطلبة، وهذا لم يحدث أصلاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هناك خطوة لإخفاء كامل معالم الوجه باستثناء العينين في قيظ الصيف، وهذا نص مردود، بدليل (حديث الخثعمية في حجة الوداع) وهذا أيضاً خارج سياق البحث، لكن جوهر المسألة أن هناك مجتمعاً جديداً ينشأ، ولديه نزعة للتغيير بمنطق الكفاح بحسب الوصف.

فالدعوة في حركة الصحوة خرجت كفكرة وموعظة تدعو إلى اليأس من الدنيا والبحث عن الآخرة، ثم تحولت إلى فعل مباشر يقوم به الشباب والشابات معاً، وفق نوع جديد من الأسلمة، لكن الأهم من ذلك كله، يجب أن نرى حقيقة التركيز على فكرة اللباس، فالمظاهر الشكلية تلك ليست أمراً عبثياً، ولا هي دعوة خالصة بقصد الالتزام الديني، فهل هناك ما هو وراء الأكمه؟ وهل هي محاولة خلق تمايز في المجتمع من خلال الملابس وإطلاق اللحى؟ فالمسألة تبدو أشبه باستعراض طابور عسكري صباحي، بلباس معين، وقالب خاص، وبالتالي ورغم نفي دعاة الصحوة سابقاً مسألة الانقسام المجتمعي التي أحدثتها الصحوة، غير أن “عائض القرني” أحد أبرز أقطاب الصحوة حسم الأمر مقراً بذلك قائلاً:

إن الصحوة قسمت المجتمع وانتزعت البسمة وروح الفرح من المجتمع وحولت المناسبات وحفلات الزواج إلى حسينيات فيها بكاء وعويل واستبدلوا الأناشيد والعرضة بأحاديث عن عذاب القبر ومواعظ عن نار جهنم.[19]

العدائية للعالم القديم والحديث

في كتابه “جاهلية القرن العشرين” يقول محمد قطب الذي حصل في وقت سابق على جائزة ملكية[20] “وكانت الجاهلية اليونانية تتميز بعبادة العقل وعبادة الجسم والجاهلية الرومانية بحلبات المبارزة الوحشية والجاهلية الهندية بنظام المنبوذين، وبتخصيص بغايا لخدمة المعابد يبذلنها ببذل أعراضهن المدنسة ويكون ذلك جزءاً من الدين والجاهلية المصرية القديمة بعبادة الفرعون.. وجاهلية القرون الوسطى بطغيان الكنيسة”[21]

ثم ينتقل للحديث عن أوروبا المعاصرة ليجد أنها “هي خلاصة الجاهليات الأوروبية القديمة كلها”[22]

هنا تجد أن النقطة الأولى التي ترد في العقل أن محمد قطب هو شقيق سيد قطب صاحب فكرة الجاهلية الأول، الذي قام بتوسيع فكرة الجاهلية لتشمل حضارات اندثرت، فالحضارة اليونانية قبل ميلاد المسيح عليه السلام بأكثر من مئتي عام، وأما الرومان فقد عاصروا الإسلام، الذي أطلق عليهم مسمى أهل الكتاب، في دلالة تاريخية ثابتة، من خلال رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، فكيف يمكن نزع هذه التسمية القرآنية عنهم وإطلاق تسمية الجاهلية، وكذلك الأمر ذاته ينطبق على أوروبا المسيحية التي هي بالمسمى الإسلامي أهل الكتاب، فهل من المعقول أن ينصب محكمة للعالميْن القديم والجديد وإطلاق الأحكام عليهم بهذا الشكل؟

المسألة الثانية، ما كل هذه العدائية للعالم، وكيف توزَّع هذه المسميات المرعبة بهذا الشكل، وهل ساهم هذا الوصف بولادة الجيل المتطرف من القاعدة إلى الزرقاوي إلى حقبة تنظيم الدولة المتطرف، ثم يأتي السؤال التقليدي، حول النظرة السلبية لدى العديد من شعوب العالم للمسلمين. فكم ساهمت هذه النصوص في تضييق الحياة على المسلمين الذين يعيشون وينتمون إلى بلدان غير إسلامية؟ التي يمكن أن نرى واقعهم الصعب في أكثر من دولة دون الحاجة في تفصيل ذلك، ثم كيف يحصل من يفكر وفق هذا المنهج العدائي على جائزة ملكية؟

الخصومة مع التنوير؟

للوقوف عند خطاب الصحوة، سوف نجد في كتبهم حالة من العدائية المطلقة للغرب الاستعماري الغازي القادم لهدم الإسلام وسلب الأمة دينها واستعبادها! وربما هناك من يقول في تنصيرها! وهو خطاب يصعب حصره، وهو متاح ومتوفر كيفما نظرت إلى إصدارات حقبة الصحوة في المكتبات الإسلامية، وغالباً ما تجد الأدلة التي يطرحها هؤلاء، إنما تأتي من خلال استحضار حوادث القرون الوسطى، أو بعض أفكار المستشرقين، وأحيانا بعض الخطب الشعبوية التي تصدر عن سياسي هنا أو هناك، فالعلاقات التي تربط الدول اليوم لا تحددها آراء المستشرقين وإنما هناك مصالح مشتركة، تربط بين أصغر الدول وأكبرها، وبين أصغر تكتل اقتصادي وآخر أكبر منه، وهي الصورة الواقعية، التي يراها الناس ويتعاملون معها.

بالتالي قد يحدث انهيار آخر في بعض البلدان العربية وقد يكون هناك دور أكثر خطورة للإسلامويين سواء في أماكن وجودهم أو في جغرافيا جديدة قد تفرضها المتغيرات السياسية، فالأفكار المعروضة والأكثر انتشاراً عن التنوير هو أنه يستهدف الدين والأخلاق، فهو عند محمد قطب ” أما تنويريونا فقد كانت جهودهم في تحرير الفكر شراً كلها بغير خير”[23]

وهو عند سفر الحوالي “ومن أخطر أعداء الدعوة في زماننا من يسمون أنفسهم الإسلامويين الجدد أو المعاصرين، أو التنويريين”.[24]

وهذا بالتأكيد ليس كل شيء، بالتالي كانت مقصلة تنظيم الدولة “داعش”، ومن قبلها القاعدة لا تزال تجز الرؤوس التي تفكر فقط بالحديث عن التنوير أو ما شابه.

يقول الكاتب الهندي أبو الحسن الندوي عن بلاد الشرق ” إنها مهددة -لا محالة – بالفوضى الخلقية والسياسية، معرضة للثورات العسكرية أو الشعبية، واقفة على فوهة بركان، متهيء للانفجار في أي وقت كان” [25]

الطريف في هذا النص الوارد في كتاب “الندوي” أنه نشر في عام 1965 وقد استعرضه الكاتب بعد استعراضه لقصيدة للشاعر التركي محمد عاكف، ووصف فيها حالة الشرق البائس، والجدير بالذكر أن الشاعر التركي محمد عاكف توفي عام 1936 ما يعني أن الندوي أراد استحضار نص الشاعر المتوفي في ثلاثينيات القرن الماضي لإسقاطه على الحالة في الشرق بعد ثلاثين سنة من وفاة الشاعر محمد عاكف،  لكن تعليق السابق إذا كان يحمل رسالة في ذلك الوقت المبكر أي عام 1965 فذلك لاعتقاده أن ثمة حراك إسلامي قادم سيكون هو بمثابة هذا البركان، خصوصاً وأن الندوي يقول في كتابه: “ولعل العالم الإسلامي أكثر استعداداً وتهيؤا لهذه الثورات لوجود الوعي الديني الذي يبعث على القلق والإنكار في هذه البلاد أكثر من أي عالم آخر أو مجتمع آخر”[26]

وكان الندوي قد استعرض في كتابه ذاك حالة المشرق العربي في سورية والعراق واليمن ومصر والجزيرة العربية وبلدان المغرب العربي.

أما وقد حدث الانفجار ووصل الوضع العربي إلى ما هو عليه، فإن حالة الانقسام قد بدت واضحة لا لبس فيها، والضحية الأولى اليوم تحت مقصلة الإسلامويين هم نخبة التنويريين العرب، إذ من المؤسف أن مساحة الإعلام المتاحة والمتوفرة للإسلامويين غير متوفرة لدعاة التنوير، في الوقت الذي ليس هناك جهد دولي حقيقي لرعاية المؤسسات التنويرية العربية والتعامل معها كشريك لا كمؤسسات تحتاج إلى إعانات مالية فحسب، فالمسألة ليست إيجاد وظائف شكلية للنخب التنويرية بقدر ما هي حاجة إلى شراكة في درء أخطار الحالة الراهنة.

ففي الوقت الذي تربطنا بالغرب مصائر مشتركة، فإن فتح الآفاق للتنويريين العرب يخفف من صدمات المستقبل كما أنه يساهم في ترميم الفجوات الحالية، ويعزل نسبياً هيمنة الإسلامويين ويعريهم أمام جمهورهم وهذا يحتاج منابر إعلامية ناطقة بالعربية يديرها عرب يفهمون مجتمعاتهم وشعوبهم ويستطيعون محاكاتها.

مثال ذلك إذاعة لندن في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ثم “مونت كارلو” في الثمانينيات إذ حصلت على جمهور عربي واسع استفاد منها كثيراً، لكن اليوم، هناك طرق شتى متوفرة، من خلال دعم مراكز الدراسات والأبحاث، التي باتت تتواصل بشكل مباشر مع عموم المجتمع من خلال الشبكة العنكبوتية، ولم تعد هذه المراكز حكراً على الأكاديميين فقط.

المراجع

[1] صحيفة عكاظ، الطريقُ تكذّب المعالم، علي بن محمد الرباعي، 11 أغسطس 2018.

[2] كتاب زمن الصحوة، الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية، ستيفان لاكروا، صفحة: 57 الترجمة بإشراف عبد الحق الزموري، الشبكة العربية للأبحاث والنشر_بيروت_ لبنان.

[3] معالم في الطريق، سيد قطب، صفحة: 17 دار الشروق، بيروت-القاهرة، الطبعة السادسة 1979.

[4] الثورة الثقافية الصينية، ريتشارد كيرت كراوس، ترجمة: شيماء طه الريدي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر، القاهرة، 2014.

[5] كتاب الصحوة الإسلامية صحوة من أجل الصحوة، عبد الكريم بكار، ص: 142 دار السلام للطباعة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2011،

[6] المصدر السابق صفحة: 143.

[7] كتاب زمن الصحوة، الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية، ستيفان لاكروا، صفحة: 67 الترجمة بإشراف عبد الحق الزموري، الشبكة العربية للأبحاث والنشر_بيروت_ لبنان.

[8] وسائل التربية عند الاخوان المسلمين، صفحة: 8 د. علي عبد الحليم محمود، دار الوفاء للطباعة والنشر مصر.

[9] موسوعة الدكتور سلمان العودة، محاضرات الشريط الإسلامي ما له وما عليه، أيار مايو 2016. (https://salmanalodah.com/main/17094-3-1-%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B7.html)

[10] المصدر السابق.

[11] المصدر السابق.

[12] المصري اليوم -وفاة الشيخ عبد الحميد كشك، تقرير ماهر حسن، 6-ديسمبر كانون أول2020.

[13] اندبندت عربية، أشهر 9 أشرطة افرزتها الصحوة في السعودية، مصطفى الانصاري، السبت 26 يناير 2019.

[14] المصدر السابق.

[15] موقع قناة الراي الكويتية، أرق عقدة الذنب، أمل العبيد، 26آب   أغسطس 2012.

[16] المصدر السابق

[17] كتاب مجموعة رسائل الإمام البنا، صفحة 262، دار البصائر للبحوث والدراسات، ط2،

[18] الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، د. فؤاد زكريا، صفحة (18-19) دار الفكر المعاصر، القاهرة، الطبعة الثانية 1987.

[19] صحيفة المدينة السعودية، 7 أيار مايو 2019، القرني يعتذر للمجتمع السعودي عن أخطاء الصحوة.

[20] مجلة الملك فيصل، الفائزون بجائزة الملك فيصل العالمية، العدد 133، 12 يناير كانون ثاني 1988.

[21]  كتاب جاهلية القرن العشرين، صفحة:51، محمد قطب، دار الشروق، الطبعة 12، 1992.

[22]  المصدر السابق صفحة 55.

[23] قضية التنوير في العالم الإسلامي، ص: 91، دار الشروق، ط: 2002.

[24] كتاب المسلمون والحضارة الغربية، سفر الحوالي، ص: 500، دار الشروق، الطبعة 12، عام 1992.

[25]كتاب الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، أبو الحسن علي الحسني الندوي، ص: 35-36، طبعة دار القلم، الكويت، الطبعة الرابعة 1983.

[26] المصدر السابق ص: 34.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المركز.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.