التسامح الوطني وقاعدة الأطباق الفضية.. حول مفهوم الانتقام وصوره

تمهيد

في روايته الخالدة “البؤساء”، يستند (فيكتور هوغو) على الجزء البسيط المتعلّق بقيام (جان فالجان) بسرقة الأطباق الفضية من القسّ (شارل ميريل)، ليبني عليه مجمل التفاصيل اللاحقة للرواية.

يتحدث هذا الجزء من الرواية عن اصطحاب القسّ صاحب السوابق (فالجان) إلى منزله بعد أن لمحه مستلقياً على الرصيف، والبرد والجوع ينهشان جسده؛ فيقوم بإطعامه ودعوته إلى النوم داخل المنزل. إلا أن فالجان يغتنم فرصة نوم القسّ ليستغفله ويسرق الأواني الفضية التي قدّم له فيها الطعام والشراب؛ وحال ابتعاده عن المنزل، تقبض عليه شرطة المدينة فتعيده مع الأطباق المسروقة إلى القسّ الذي فاجأ الأخيرين باعتراضه على اعتقالهم لفالجان مدّعياً أن الأطباق كانت هدية منه لضيفه الفقير، بل أضاف إليها شمعدانين، كان فالجان قد نسي سرقتهما من منضدة الطعام.

كان بإمكان القسّ استرجاع المسروقات بكل بساطة، وزجّ بالسارق في السجن ليقضي فيه بقية حياته، لا سيما وأنه استقبله في منزله وأمّنه عليه، على الرغم من علمه المسبق بجرم السرقة الذي أودعه السجن. ولكن، كما أسلفت، هي رغبة الكاتب في بناء الأحداث اللاحقة للرواية على أساس هذا الموقف الأخلاقي، فاختار رسم شخصية ميريل بدقّة، ليبيّن للقارئ انتفاء دافع الانتقام من تركيبتها الأخلاقية، وليسبغ عليها صفات العفو والسخاء والحكمة.

هذا المشهد الروائي، وما بني عليه من أحداث لاحقة، هو ما دفعني إلى إطلاق مسمى “قاعدة الأطباق الفضية” لأشير من خلالها إلى موقف أخلاقي يتمحور حول: ارتكاب طرفٍ ما لفعلٍ سلبي بحق طرف آخر، ليقابله الآخر بردّة فعلٍ إيجابية تنعكس نتائجها الأخلاقية في الطرف الأول والمحيط بصورة أفضل.

جعلت ردُة الفعل في الرواية من فالجان شخصاً آخرَ مختلفاً تماماً عما كان عليه قبل وخلال سنوات الحبس الـ 19 التي قضاها عقوبة لسرقته رغيفاً من الخبز؛ فكرّس حياته كاملة، بعد حادثة الأطباق، لفعل الخير ومساعدة الآخرين اقتداءً بميريل وموقفه النبيل الذي أنقذه من قضاء بقية حياته في السجن، ومنحه فرصة حياةٍ جديدة كلياً.

دارت أحداث الرواية عقب انتهاء الثورة الفرنسية، خلال المرحلة الانتقالية التي عايشها الفرنسيون بين الفوضى والاستقرار؛ فكان تأثيرها واضحاً في المجتمع الخارج مؤخراً من حالة الكراهية والانتقام من رموز النظام السابق للثورة الفرنسية ورواسبه، وكذلك من النظام اللاحق الذي هيمن مرحلياً على مقدرات البلد إلى أن تبلورت أهداف الثورة في نهاية الامر.

خلال الثورة السورية التي انطلقت منذ منتصف آذار/ مارس 2011، لم يكن هناك ما يدلّ على أن الشعب السوري الثائر كان يطالب بالثأر أو الانتقام من النظام السابق ورموزه بقدر ما كان يطالب بالحرية والمساواة ونبذ العنف. وعلى الرغم من ممارسات النظام الوحشية في قمع المحتجين ولجوئه إلى الخيار الانتقامي منذ أيام الثورة الأولى، وحتى اللحظة، في المناطق التي استطاع إخضاعها بمساندة الروس والميليشيات الطائفية، إلا أن الثوار أغلبهم، مدنيين وعسكريين، وعلى اختلاف أطيافهم ومشاربهم، تعاملوا مع المؤيدين لنظام الأسد في المناطق المحررة بشكل مختلف عمّا مارسه النظام، يدفعهم إلى ذلك واجبهم الإنساني والأخلاقي الملازم لمبادئ ثورتهم وأهدافها.

في التجربة العسكرية

كثيرة هي المواقف الأخلاقية النبيلة التي جسّدها أفراد الجيش الحر في الأعوام الأولى من الثورة، وتجلّت تلك المواقف في بداية الأمر باستقبال المنشقين عن جيش النظام وتأمين الحماية لهم وتخييرهم بين الانضمام إلى صفوف الجيش الحر لحماية المدنيين ومواجهة النظام، أو العودة إلى أهليهم، أو تأمين وصولهم إلى المناطق المحررة أو دول الجوار؛ ما دفع بكثير من عساكر النظام إلى الانشقاق من دون قلق أو خوف.

وتجلّت تلك المواقف أيضاً في المقاطع المصوّرة التي دأب الناشطون على تسجيلها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما تلك التي التقطت أثناء حصار الجيش الحر واقتحامه لمواقع تمركز جيش النظام، فيظهر فيها كيف يطلب الثوار من العناصر المحاصَرين تسليم أنفسهم حرصاً على حياتهم وتعهدهم بتوفير الأمان لهم وعدم إيذائهم.

 ولا شك في أن أروع المواقف المسجلة، تلك التي جسّدها العقيد المنشقّ يوسف الجادر (أبو فرات) الذي قاد عملية تحرير كليّة المشاة في ريف حلب الشمالي في نهاية عام 2012؛ تلك الكلّية التي كانت تعدّ من أهم تجمّعات جيش النظام ومنطَلقاً لعملياته العسكرية في تلك المنطقة.

انتشرت مقاطع “أبي فرات” كالنار في الهشيم، على محطات التلفزة ومواقع الشبكة العنكبوتية وصفحات التواصل؛ فأضحت كلماته التي وجهها إلى ضباط جيش النظام وعناصره المأسورين رمزاً أخلاقياً نبيلاً مثّل الخطاب العام للجيش الحر وقتذاك، وتبنّته أدبيات الثورة السورية.

كان “الجادر” يغصّ بين الكلمة والأخرى وهو يصافح ضابطاً مأسوراً فيقول: “أوجّه رسالة إلى النظام أقول له فيها إن هذا الضابط الذي يقف أمامي هو أخونا، وهو من أبناء الطائفة العلوية التي عشت معها مدة تزيد على 20 عاماً. لماذا تزجّ أبناء طائفتك في معركة خاسرة وتجعلهم يكرهونك؟ هل فكّرت يوماً كيف سنعيش مع بعضنا مجدداً؟. نحن رغماً منك سنعيش مع بعضنا، لأني أعرف العلويين جيداً، هم طيبون لكنهم فقراء بسببك، لأنك جعلتهم وقوداً لاستمرار حكمك، وأرجو من أبناء الطائفة أن يعوا أننا لسنا أعداءهم، بل نحن أهلهم وإخوتهم وشركاؤهم في الوطن”.

يتابع أبو فرات في مقطع آخر، يظهر فيه حزيناً مطأطئ الرأس: “والله إني منزعج على كل آلية ندمّرها، لأنها لنا، والجنود الذين فيها هم إخوتنا”.

لم تشفع له تلك الكلمات، فدفع يوسف الجادر حياته ثمناً بعد أقلّ من يومٍ على النطق بها، فتلك المفهومات لم ترق لدعاة الحرب والانتقام، لتصبح قصة استشهاده لغزاً عصيّاً حتى اليوم، ولتغدو صورة “أبي فرات” أيقونة نادرة من أيقونات الثورة، بشقيها المدني والعسكري.  

أمّا “سعد الموسى”، وهو عسكري منشقّ عن جيش النظام منذ بداية عام 2012، التقيته في إسطنبول مصادفة في منتصف عام 2014، قبيل مغادرته المدينة وركوبه البحر متسللاً إلى اليونان ثم ألمانيا؛ فيحدثني كيف غامر بإخفاء عنصرين “علويين” من جيش النظام أثناء تحرير مدينة الرقة، كي لا تطالهما بنادق الثأر والانتقام التي طالت رفاقهما ممّن تحصّنوا في مبنى المحافظة وسط المدينة؛ فقام “الموسى” بتأمينهما في بيته الريفي ثم خلع عنهما ملابس الجيش وأحرق بطاقاتيهما العسكريتين، ثم كساهما من ملابسه وأمّن سفرهما إلى الساحل السوري.

ما زالت كلمات سعد الموسى تنكز ذاكرتي بين الفينة والأخرى حين سألته عن سبب تصرفه ذاك، فأجابني: “بصراحة، أنا نفسي لا أعلم السبب، وبصراحة أكثر، ربما لو كنت مكانهما لقاما بقتلي من دون أدنى تفكير، لكنّي حين لمحتهما يتسللان من دون سلاح من حديقة المبنى خائفين يرتجفان، وجدت نفسي أقف بين خيارين، الأول أن أرديهما قتيلين في لحظة واحدة، والثاني أن أدعهما بغض النظر عن المصير الذي سيلقيانه من غيري؛ لكني اخترت ما هو أجرأ من هذين الخيارين. ركضت باتجاههما وجررتهما إلى الحارة الخلفية متظاهراً بأسرهما حتى توارينا نحن الثلاثة من دون انتباه أفراد فصيلتي، وكأن الله عز وجل قد غطّى على أعينهم، ثم حصل ما حصل”.

وبابتسامة واثقة، أردف سعد: “لديّ شعور بأنهما لن يعودا إلى حمل السلاح، ومتأكّد أيضاً بأني سألتقي بهما يوماً ما حين ننتهي من الأسد”.

منذ عامٍ تقريباً أرسل لي سعد الموسى من ألمانيا رسالة على (الوتس آب) كتب فيها: “لن تصدّق ما سأقوله لك، أنا الآن بصحبة “عمّار”.. أحّد اللذين هرّبتهما يوم تحرير الرقة. أهله أرسلوه سرّاً إلى لبنان ثم جاء إلى هنا”.

في التجربة المدنية

في بداية اندلاع الاحتجاجات والتظاهرات، وانتشارها لتعمّ أرجاء واسعة من سوريا؛ قام النظام بتجنيد عدد من موظفي مؤسسات الدولة الموالين له وأعضاء الفرق الحزبية وفروعها، لقمع التظاهرات بوسائل وأساليب عدّة، لا تخلو معظمها من سلوك “البلطجة”؛ إضافة إلى توسيع صلاحيات “كتبة التقارير” الأمنية وتنشيط أقلامهم، ما أدّى إلى زجّ كثير من الموظفين وأسرهم في معتقلات الأجهزة الأمنية وتعرّضهم للتنكيل والتعذيب.

آنذاك، كان النظام ما يزال يحاول السيطرة على مجريات الأحداث لإعادة بسط نفوذه كالسابق، فاتّبع سياسة الإفراج عن بعض المعتقلين ضمن آلية “الوساطات” و”الوجاهات” القبلية والعشائرية والدينية والسياسية المقرّبة منه؛ فأفرج عن بعضهم في ذلك الوقت، وبقي بعض آخر ليُفرج عنه لاحقاً، وبعض ممّن لم يحالفه الحظ ما يزال داخل المعتقلات حتى الساعة، هذا إذا لم يمت تحت آلة التعذيب.

وبعد تشكيل فصائل الجيش الحر في النصف الثاني من عام 2011، ودخولها مرحلة المواجهة المسلحة مع نظام الأسد، بدأت المدن والبلدات السورية تُنتزع تباعاً لتصبح ضمن المناطق المحررة من سيطرة الأخير. أعقب ذلك التحرير تشكيل مؤسسات مدنية ومجالس محليّة لإدارة تلك المدن والبلدات وضبطها في ظلّ توقّف مؤسسات النظام عن القيام بأعمالها.

أثناء ذلك، اضطر كثيرون، من موظفي النظام ومواليه الذين جنّدهم آنفاً، البقاء ضمن مدنهم الخاضعة لإدارة الثوار، ومعظمهم معروفون بالاسم والصفة من قبل تلك الإدارة؛ ليس ذلك فحسب، بل استمر أولئك الموالون بقبض مرتباتهم من مؤسسات النظام الواقعة في مناطق سيطرته، ومُنحوا حرية التنقّل والسفر إلى تلك المناطق لا سيما أثناء استلام المرتبات.

وعلى الرغم من ذلك لم تتّخذ المجالس المحلية، بما فيها دور القضاء والهيئات الشرعية، أي إجراءات انتقامية بحقّ أولئك الموالين السابقين، إلا من ارتكب مخالفات جزائية وقانونية متّبعة في المناطق المحررة، شأنه شأن المقيمين الآخرين على اختلاف ميولهم.

نَحَتِ المجالس المحلّية في معاملتها لتلك الفئة منحىً يعتمد أسلوب “غض النظر” وتجنّب نظام المحاسبة الرجعية، على الرغم من نفاذ قراراتها على فصائل الجيش الحر واشتراكها معه في إدارة المدن والبلدات، لكنها لم تشأ إلحاق الضرر بالمدنيين، بمعزل عن تاريخهم السابق في ظل النظام؛ وآثرت خلق حالة من التوازن والمسامحة حرصاً على مستقبل الثورة وعدم انحراف المسار الموضوع لأجلها.

يستذكر “مراد. ن” -وكان عضواً في مجلس محافظة دير الزور المحلي الذي شُكِّل في بداية عام 2013 بعد تحرير كامل ريف المحافظة وأجزاء واسعة من المدينة- أحد المواقف التي مرّت به فيقول: “في أحد الأيام، كنت مجتمعاً في مقرّ المجلس المحلي مع بعض الأعضاء، فدخل رجل يطلب ختم إدارة المجلس على أوراق كان يحملها بيده لحاجته إليها؛ وصادف أن رئيس المجلس لم يكن في المقر يومها، ما دعاني إلى التوجّه صوب الرجل لتلبية طلبه. مددت يدي لتناول الأوراق من دون الالتفات ملياً إلى وجهه، ففوجئت بيده ترتجف بشكل ملحوظ ما دفعني إلى النظر ملياً، وكم كانت دهشتي عظيمة لحظتها. لقد كان رئيس نقابة المديرية التي كنت موظفاً فيها قبيل الثورة، وهو نفسه الذي كتب تقريراً لفرع (أمن الدولة)، اعتُقِلت في إثره بجرم الخروج في تظاهرة دير الزور الأولى التي انطلقت من جامع “المفتي” آنذاك، وكان سبباً في اعتقال عدد من زملائي في تلك الأيام. لأول مرة في حياتي أرى وجهاً مصفّراً بذلك الشكل، وشعرت لوهلة أن الرجل قد فقد النطق، فما كان مني سوى تهدئته والابتسام في وجهه وإلقاء السلام عليه، ثم قمت بختم أوراقه وناولته إياها”.

يستطرد مراد: “تلك الأيام التي قضيتها في الاعتقال، والتعذيب الذي تعرضت له، لا يمكنني نسيانهما مطلقاً، لكني، وعلى الرغم من ذلك كله، لم ينتبني أدنى شعور بالكراهية والحقد أو الانتقام من ذلك الرجل في ذلك اليوم على الرغم من امتلاكي وسائل الرد المتاحة كلها، وبالدلائل القطعية، لا أعلم لماذا نسيت كل ما حصل لي فور مقابلتي له، لكنّي أظن أن هذا هو التصرّف الطبيعي، ولا بد من أن تكون النتيجة إيجابية مع مرور الوقت”.

المفارقة الغريبة بين تجربة العسكري سعد الموسى وتجربة مراد تتجلى في نتيجتهما؛ التجربة الأولى جاءت نتيجتها مطابقة لـ “قاعدة الأطباق الفضيّة”، أما التجربة الثانية فقد جاءت معاكسة لها؛ فبحسب متابعة مراد لأخبار الرجل الذي زجّ به في أقبية النظام تبيّن بأنه تطوّر لاحقاً ليغدو أحد أهم الأذرع الأمنية لتنظيم (داعش) في المحافظة، وكانت تقاريره سبباً مباشراً في تصفية كثير من الثوار ومقاتلي الجيش الحر على أيديهم بعد سيطرتهم على المنطقة وإنهائهم لعمل المجلس المحلي وملاحقة أعضائه الذين فروا من بطشه.
مؤخراً، وبعد تسليم داعش المدينة لجيش النظام، عاد الرجل نفسه إلى عمله الأول وكأن شيئاً لم يكن.

أما ما يتعلّق بتجربة “أبي فرات”، فحقيقةً، لا علم لنا بمصير الضباط والعناصر الذين ظهروا في مقاطعه المصورة؛ وأتساءل أحياناً: هل أُطلِق سراحهم، أم جرى تبديلهم بصفقة من صفقات مبادلة الأسرى أو تسليم المدن؟ أم جرت تصفيتهم عقب استشهاد الجادر؟

إن كان الجواب بأنهم أعيدوا، بصورة أو بأخرى إلى النظام، فلا شكّ في أن أغلبهم ما زال مستمراً في بخدمته داخل مؤسسة النظام العسكرية على بقعة من البقاع السورية؛ لكن، كلما حضرت إلى ذاكرتي صورة يوسف الجادر، ألمح شعاعاً من الأمل ما يزال يلوح في الأفق، وتعود بي المخيّلة إلى أيام الثورة الأولى، تلك الأيام التي ستظّل شاهدة على نبل أخلاق من حملوا لواءها، قبل اختراقها من طيور الظلام.

كيف ردّ النظام على قاعدة الأطباق الفضية؟

لم تنفع مع النظام وسائل الحراك “اللاعنفي” كلها ولا محاولات الثوار المتعددة للالتفاف حوله وإقناعه بوجوب وقوفه على مطالب الشعب السوري والابتعاد عن تبنّي الحلول الأمنية القمعية؛ بل كان ردّه يزداد عنفاً وحقداً كلما أقدم الثوار على محاولة التفاف جديدة.

بدأت صور السقوط الأخلاقي للنظام تتضح منذ ردّه على مسيرة أهالي ريف درعا أثناء توجههم إلى المدينة في بداية شهر نيسان/ أبريل 2011 حاملين أغصان الزيتون كرمزٍ للسلام، مطالبين بوقف آلة القتل عن المدنيين المحاصرين داخل المدينة، وكانوا يهتفون “الجيش والشعب يد واحدة”. فقابلهم جيش النظام وعناصر أمنه بالرصاص الحي ليسقط يومها عشرات الشهداء.

الصورة التالية، ويتذكّرها السوريون جميعهم، تجسّدت في ردّ النظام على ابن مدينة داريا “غياث مطر”، الذي كان يشتري كل يوم جمعة مئات الورود الحمراء ليقوم بتوزيعها مع المتظاهرين على عناصر الجيش والأمن في المدينة؛ فما كان من نظام الأسد سوى اعتقاله في شهر أيلول/ سبتمبر 2011، ثم تصفيته في أقبية المخابرات الجوية بعد اعتقاله بأيام قليلة.

تكررت بعدها صور السقوط الأخلاقي الانتقامي لنظام الأسد ومشاهده، لتنتشر بشكل مقصود ومباشر على مواقع التواصل؛ مشاهد لتعذيب وإعدامات ميدانية لرجال ونساء وأطفال، ومجازر جماعية طالت مناطق الحراك السورية معظمها.

ولا ريب في أن النظام كان يتقصّد نشر تلك الصور والمشاهد ليزيد من حالة الاحتقان الشعبي، ومن ثم دفْع المحتجين إلى ممارسة أعمال انتقامية ضدّه ليسوّغ حربه ضدهم؛ ولا شكّ أيضاً في أن هدف خطته تلك قد تسلّل إلى أنفس كثير من الثوّار، ما دفع بعضهم -من ذوي التوجّه الإسلاموي أغلبهم- إلى القيام بأعمال انتقامية غير مسؤولة، ونشر مقاطع حولها، لا سيما ضد العسكريين، ليستغلّها النظام لاحقاً ويصدّرها إلى مؤيديه وللمجتمع الدولي، يوهمهم من خلالها بأنه يشنّ حربه ضد إرهابيين وقتلة.

مؤخراً، وبعد إعادة النظام سيطرته على البلدات والمدن المحررة معظمها، ضمن صفقات المصالحة والتسوية والتهجير الروسية، لم يدّخر جهداً في تطبيق سياسة الانتقام من المدنيين معظمهم الذين قرروا البقاء في تلك المناطق، فراوحت أساليب الانتقام بين التصفية، والاعتقال، وإجبار الشبان على حمل السلاح والقتال إلى جانب قواته ضد من كان يعيش بينهم طوال سنوات الثورة.

ختاماً

لعل أشدّ ما تعانيه الثورة اليوم هو انزلاق أغلب أفرادها ومنظّريها في مطبّ الانقياد العاطفي الثأري، الذي نجح النظام في تأجيجه إلى حدّ ما، وخصوصاً في ظل هيمنة الفصائل الإسلاموية المتشددة في الساحتين العسكرية والسياسية في الداخل السوري، من خلال تبنيها الخطاب القائم على الثأرية والانتقام وإنزال “القصاص” بكلّ من يعارض خطّهم الفقهي والسياسي، وليس بالضرورة أن يكون من مؤيدي النظام أو ممّن تلطخت يداه بالدماء.

السوريون اليوم بأمسّ الحاجة إلى ابتكار خطاب فاعل يرتكز على مجريات تجربة الثوار الأوائل، والمنطلقات الأخلاقية التي تبنوها منذ أيام حراكهم الأولى، المجرّدة من المفهومات العنفية الانتقامية؛ إضافة إلى نقد المرحلة المتأخرة التي شهدت انحرافاً أخلاقياً ملحوظاً في مفهومات التعايش والمواطنة القائمة على أسس التشاركية والمساواة، وسيادة القانون، تمهيداً لبلورة مفهوم “العدالة الانتقالية” في المستقبل السوري، ومحاسبة أي طرف يحاول فرض حساباته الانتقامية الخاصة.

وقبل الانتهاء، أعود ثانية إلى تناول الرواية الذي اقتبست من نصوصها العنوان والمقدمة، لأقتبس منها أيضاً خاتمة الفكرة: تشير الرواية إلى شخصية ثالثة، فاعلة ورئيسة ضمن أحداثها، إلا أن سلوك تلك الشخصية يتناقض مع سلوك القسّ ميريل (واهب الأطباق الفضية)، وسلوك فالجان الذي شكّل انعكاساً ونتاجاً ناجزاً من سلوك ميريل، إذ انتزع من جوفه دوافع الشر والحقد الانتقام التي غطّت طويلاً على جوانب فالجان الإنسانية. تلك الشخصية تتجسّد في مفتّش الشرطة (جافير)، الذي قضى حياته ملاحِقاً فالجان بصفته مجرماً سابقاً أخلّ بشروط إخلاء سبيله؛ وعلى الرغم من التغيّر الإيجابي الذي طرأ على فالجان، والتزامه بمدّ يد المساعدة لسنوات طويلة بدافع حادثة ليلة الأواني الفضية، إلا أن ذلك كله لم يثنِ جافير لحظة واحدة عن ملاحقته بدافع الحقد والانتقام لا أكثر.

وبمشهد تراجيدي مغرق بالتحدّي بين طرفين نقيضين، يتواجه في النهاية كلّ من جافير، الفائض بروح الانتقام، وجان فالجان الذي كان يحاول إنقاذ حياة شاب مجهول مصاب بطلق ناري، فوق أحد جسور المدينة؛ فيدور بينهما حديث يلخّص الفارق بين ذهنية فالجان المتمثلة في وصوله إلى مرحلة الخلاص الروحي الداخلي والتصالح مع الذات والآخر، ولم يكن يهمه لحظتها سوى إنقاذ الشاب الملقى بين يديه؛ وذهنية جافير المتمثلة في سيطرة الكراهية المطلقة على مشاعره تجاه الآخر، لتُحوّلَه مع الوقت إلى كتلة محترقة تنتظر الانطفاء.

بعدها، أكمل فالجان طريقه لإسعاف الشاب بكل ثقة، من دون أن يكترث لتهديد جافير وسلاحه. عندها فقط، فهم الأخير بأن جبروته ودافعه الانتقامي لم يكونا سوى انعكاساً ملازماً لضعفه وخوفه، وهذا ما جعله صغيراً ووضيعاً في نظر فالجان في تلك اللحظة. فرمى نفسه من فوق الجسر منتحراً.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.