التسرب المدرسي؛ خطر يهدد جيلاً من السوريين؟!

عزالدين زكور: صحفي

لا تعتبر ظاهرة التّسرب المدرسي وليدة السنوات القليلة الماضية، إنّما أحد أبرز مشكلات التعليم حول العالم منذ سنوات طويلة، تبذل المؤسسات التعليمية الرسميّة جل جهدها في سبيل الحدّ منها أو القضاء عليها في البلدان المتقدّمة، إذ وصل عدد المنقطعين عن الدراسة أو غير الملتحقين بالمدرسة نهائياً إلى 63 مليون مراهق حول العالم، إضافة إلى 58 مليوناً في عمر الدراسة، بحسب تقارير أمميّة، ما جعلها تأخذ بعداً عالميّاً، وتختلف أبعادها ومتغيراتها من بلد إلى آخر، وبحسب سياسة البلد التعليميّة.

التّسرب المدرسي في بلدان الصراع في المنطقة العربيّة

اجتاحت ظاهرة التسرب من التعليم بلداناً عربيّة بصورة كبيرة ومتزايدة مع بدء عام 2011 وتفاقمت بشكل ملحوظ مع نشوب نيران الحروب في المنطقة العربيّة، وبخاصة في بلدان الربيع العربي منها سوريا وليبيا واليمن، إضافة إلى العراق بمختلف أنواع هذه الظاهرة بين التسرب من الالتحاق بالمدرسة والتسرب المرحليّ وما قبل نهاية المرحليّ، وفقاً لما حددها باحثون في هذا الشأن، اختلفت أوضاعها من بلد إلى آخر وبحسب أوضاع الحرب التي تحتّمت على الطفل، بين لجوء وتهجير قسريّ وحصار وانتقال داخليّ بفعل القصف والحرب.

إحصاءات وأرقام

في تقرير صادر عن الأمم المتحدة في أيلول عام 2015، ورد أنّ الصراعات الداخليّة في منطقة الشرق الأوسط منعت أكثر من 13,4 مليون طفل من تلقي التعليم في المدارس، في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا، أي بنسبة 40 في المئة من إجمالي عدد الأطفال في سن الدراسة، بنسب متفاوتة بين البلدان، إذ أشار التقرير الذي حمل عنوان (تعليم تحت النار) بالأرقام التفصيلية للأطفال المتسربين عن التعليم، إلى أنّ 3,1 ملايين طفل في السودان و3 ملايين طفل في العراق و2,9 مليون في اليمن، ومع استمرار الحروب في البلدان العربيّة فإنّ الأعداد قابلة للتضاعف وبخاصة في سوريّا واليمن، وأكد تقرير يعود إلى (اليونسيف) أنّ أكثر من 8 آلاف مدرسة ومنشأة تعليمية دمرت في البلدان العربية التي شهدت حروباً.

التسرب المدرسي في سوريّا خلال الحرب

مع طول أمد الحرب في سوريّا التي تجاوزت سبع سنوات، وتصعيد الآلة العسكرية التابعة للنظام السوريّ والروس وتدخلهم في الحرب السوريّة، وتدمير المنشآت والبنى التحتيّة بمختلف أنواعها ومنها التعليمية، طوّرت أزمة التعليم في سوريّا بين مختلف المناطق سواء الواقعة تحت سيطرة المعارضة أم النظام أو جهات أخرى، وباتت ظاهرة التسرب المدرسي كارثة تهدد جيلاً كاملاً من السوريين بمختلف فئاتهم العمريّة، الأمر الذي أكده تقرير منظمة (اليونسيف) العالمية عام 2016، إذ أكّد أنّ أكثر من 1,7 مليون طفل سوري خارج المدرسة، وأكثر من 1,3 مليون طفل مهددين بالتسرب نتيجة أوضاع الحرب التي تواجههم.

الدوافع والأسباب خلف ظاهرة التسرب

تختلف أسباب التسرب من المدرسة ودوافعه لدى الطالب، بين أوضاع جديدة فرضتها الحرب من قتل وتهجير وتجنيد إجباريّ إلى عمالة الطفل والفقر، كما يشرح (عبد الباسط حبلص) في حديث لـ (مينا) وهو مدير مدرسة في ريف إدلب، وله تجربة عمل في الحقل التعليمي تزيد على 15 سنة، وهي ربما أسباب حاضرة في مجتمعنا حتى قبل اندلاع الثورة السوريّة ونشوب الحرب، ثم إنّ ظاهرة النزوح المتكرر وعدم استقرار الطفل في نقطة معيّنة خلال العام الدراسي ساهمت في تفشي هذه الظاهرة، ونوّه (حبلص) أنّ عدم اهتمام الأهل عموماً بالناحية التعليمية في كثير من المجتمعات وجهلهم بكثير من المخاطر الناتجة من حرمان الطفل من التعليم وانتشار ظاهرة الأميّة في القرن الحادي والعشرين، إذ إنّ الخطر لا يكمن في حرمان الطفل من التعليم، إنّما فقدانه للتربية الاجتماعية ليصبح مشروعاً يتاجر به في الحرب في سنّ مبكّرة.

عمالة الأطفال؛ الأكثر انتشاراً

بعد أن أنهى (عبد اللطيف) من ريف إدلب، دراسته في المرحلة الابتدائية اضطر إلى العمل في فرن الخبز في بلدته التي يقطن فيها، لمساعدة والده في مصاريف المنزل، التي باتت شاقة ومنهكة لرب الأسرة، بدأ بحسب ما قال لـ(مينا) في أشهر الصيف خلال العطلة المدرسيّة، ليستمر في الشتاء أثناء الدوام المدرسي، ما اضطره لاحقاً إلى ترك مقاعد الدراسة لصعوبة التوفيق بين العمل والدراسة وصعوبة عمله الجديد.

وتتصدر ظاهرة عمالة الأطفال قائمة العوامل المساهمة في تفشي ظاهرة التسرب المدرسي، باعتبار أنّ عزوف الطالب عن المدرسة سيفضي بشكل أو بآخر في النهاية لشروعه في العمل، وهو ما يزيد من صعوبة الاستجابة لهذه الحالات ويفاقم من الكارثة التعليميّة.

والد الطفل (عبد اللطيف) وجد أنّ تدهور الحال التعليمي في المناطق المحررة، إلى جانب تكرار عمليات القصف على المدارس، هي أسباب مقنعة وواقعيّة لترك الأطفال للمدرسة، واستثمارهم في سوق العمل بدلاً من المدارس غير المعترف بها، على حدّ وصفه، أمام المشقة المعيشية التي يعانيها الأهل وارتفاع الأسعار لمختلف المواد.

تجنيد الأطفال

ساهم في تفشي هذه الظاهرة، ظهور الجماعات الإسلاميّة في مناطق مختلفة في سوريا، واستقطابها لأطفال في سنّ مبكّرة للتدريب في المعسكرات الشرعية والعسكريّة، يأتي ذلك وفقاً لقناعات فكريّة لديهم بأهميّة التركيز على مرحلة مبكرة لدى الأطفال، ما أدى إلى تغيير قناعات كثير من الأهالي والأطفال ومغادرتهم مقاعد الدراسة والتحاقهم بالمعسكرات التدريبية ليجري تجنيدهم في ما بعد في صفوف تلك الجماعات، وهو ما أشار إليه (عبد الرحمن) من سكّان ريف إدلب في حديث لـ(مينا) إذ أوضح أن الفصائل عمدت من خلال (ملتقيات دعويّة) في الأرياف إلى سحب عدد كبير من الأطفال من خلال الترغيب في متعة هذه المعسكرات وإغرائهم بالجوائز الماديّة، مضيفاً أنّ جهل الأهالي والضغوطات الممارسة عليهم من الأقارب المنتسبين إلى تلك الجماعات سهّلت أمامهم سحب أطفالهم وشبابهم من منازلهم.

كان (يوسف) أحد الحالات التي رصدها (مينا) الملتحق عام 2016 بإحدى المعسكرات التدريبية التابعة لـ (حركة أحرار الشام الإسلاميّة) ترك في إثرها المدرسة وانضمّ إلى الفصيل في ما بعد وصار مقاتلاً مبايعاً له، ليجبره والده على ترك الفصيل بعد المعارك مع (هيئة تحرير الشام) وسقوط عشرات القتلى من الفصيلين.

العادات والتقاليد

يوضّح (محمد فاتح علولو) مدير مدرسة في بلدة كللي في ريف إدلب، ومدرس لغة عربية منذ أكثر من 12 سنة، أنّ أحد الأسباب الأساسيّة والمساهمة في التسرب المدرسي، هو الوعي المجتمعي المبني عموماً على عادات وتقاليد، كانت الفتاة الحلقة الأضعف ضمنها والضحيّة دائماً، إذ عمد كثير من الأهالي وبخاصة في مجتمع الريف المحكوم بتلك التقاليد، إلى حرمان بناتهنّ من متابعة الدراسة لمخاوف أمنية وقلة استقرار في ظل الأوضاع الراهنة، أو من أجل الزواج، مشيراً خلال حديثه لـ (مينا) إلى أن الزواج دون سنّ الـ 15 عاماً بات منتشراً بشكل واسع في مجتمع الريف، مبيناً أنّ عقلية الآباء ما زالت محكومة بقناعة بالية منها أنّ الدراسة لن تنفع أهل البنت في شيء.

أسباب أُخرى

حدد عدد من المنظمات الأممية على رأسها (اليونسيف) ومؤسسات بحثية أخرى، أسباباً إضافيّة ساهمت في انتشار التسرب المدرسي، ومنها تصاعد العنف والقصف وتسببه في مقتل آلاف الأطفال، وخروج عدد كبير من المدارس من الخدمة، إذ أشار تقرير (اليونسيف) إلى أنّ كل واحدة من بين ثلاث مدارس خارجة من الخدمة في سوريا، وكذلك نقص في الكتب المدرسيّة والقرطاسيّة، وقلة الكوادر التعليميّة، وأكّد تقرير أعدته وحدة تنسيق الدعم (منظمة سوريّة غير حكوميّة) أنّ 40 في المئة من المدارس يحصل فيها الطلاب على شهادات غير معترف بها دولياً، إضافة إلى موجات النزوح الكبيرة والتهجير القسري التي شهدتها مناطق الغوطة الشرقيّة وجنوب دمشق، والقلمون الشرقي وريف حمص الشمالي ومنطقة شرق السكة في ريف إدلب، وقدّرت تقارير للأمم المتحدة أنّ نصف الطلاب النازحين لدول الجوار لا يتلقون تعليمهم.

التعلّم الذاتي هو الحل؛ مشروعات تعليمية للحدّ من التسرب المدرسي

أطلق عدد من المنظمات الإنسانيّة والمؤسسات التعليميّة، في ريفي إدلب وحلب وكذلك المخيمات الحدوديّة مشروعات جديدة من نوعها في مستوى الساحة التعليميّة في تلك المناطق، وفقاً لما رصد (مينا) كونها تقدم برامج ذاتيّة التعلّم تحاكي مختلف الفئات العمريّة، تساعدها على التعلم بنفسها في المنزل أو أيّ مكان من دون الارتباط بأي مركز تعليمي أو مدرسة، ويتحمل الطالب من خلاله مسؤوليّة تعلمه بنفسه أيضاً وكذلك بمتابعة الأهل والعائلة، وبذلك يجري القضاء تدريجيّاً على ظاهرة التسرب المدرسي، لتكون تلك المشروعات بديلاً للأطفال من التعلم الأكاديمي الذي يصعب تحصيله خلال أوضاع الحرب.

بدءاً من مشروع (التعليم الذاتي) الذي أطلقته منظمة (أطفال عالم واحد) وهي منظمة تعليمية محليّة تعنى بحماية الطفل وتأهيله، في ريف إدلب الشمالي من خلال افتتاح مراكز تعليمية وروضات أطفال في مناطق عدّة، تهدف إلى تعزيز المعارف الأساسيّة من القراءة والكتابة والحساب ليجري تجهيزهم بعد مدّة محدودة للالتحاق بصفوف المدرسة، وفقاً لما يحدّثنا (علي محمد) أحد مسيري المشروع، أوضح خلال حديثه لـ(مينا) أنّ المشروع ساهم في افتتاح 8 مراكز موزعة في مدينة إدلب ومعرة مصرين، وبلدتي كللي وحزانو، حيث يستهدف الطلاب الذين تراوح أعمارهم بين 6 و15 سنة، من الأطفال النّازحين والمتسربين والمنقطعين عن التعليم وكذلك الأيتام، بحيث يستوعب كل مركز 100 طفل بين طالب وطالبة، ويعتمد المشروع على المنهاج السوريّ، الخاضع لعملية تنقيح واختصار من منظمة (اليونسيف) بحسب (محمد).

عن ماهيّة (التعلم الذاتي) الذي يتبنّاه المشروع، قال (محمد) لـ(مينا): (إنّ التعلم الذاتي من أهم الأساليب التي تتيح للفرد توظيف مهارات التعلم بفاعليّة عالية برغبته الخاصة وبنفسه، وفي أي وقت، وتساعده في تنمية استعداداته وإمكاناته وقدراته، بما يتلاءم مع اهتماماته وميوله بعيداً عن فرض أسلوب تعليمي لا يرغب فيه، وهي من الأساليب الناجحة خلال متغيرات الحرب)، وعن مميزاته أضاف: (يراعي هذا النوع من التعليم مختلف الفروق الفرديّة، من حيث إنّ المركز يستوعب فئات عمرية مختلفة وقدرات متباينة ومنها قادر على التطور بسرعة ومنها متأخر، من خلال إعطاء معلومات سلسلة ومرنة وأساسيّة لا تستهلك جهداً كبيراً لدى الطالب المنقطع).

وأشار (محمد) خلال حديثه لـ(مينا) إلى أنّ المراكز تقدم برامج ترفيهية تطور قدرات الطالب، غير برنامجها التعليمي وهو نهج تقوم عليه منظمات المجتمع المدني التعليمية، وهو في مضمونه يشابه نشاط أي مدرسة عاديّة، واستطرد قائلاً: (سبق افتتاح المراكز في المدن والبلدات، جلسات توعوية استهدفت الأهالي ومديري المدارس والكوادر التعليمية ومختلف جهات المجتمع المحلي في كل بلدة، بهدف توعيتهم خطورة انقطاع أطفالهم عن التعليم والكارثة المترتبة مستقبلاً على ذلك).

خلاصة

رأى الناشط التربوي والتعليمي (علي العتك) أنّ الحل الجذري لهذه الظاهرة يكون في عودة الاستقرار الكامل إلى البلاد، وإن لم يتوفر هذا الحل فيجب العمل عليه بشكل جزئي وإسعافي، من خلال تأمين الاستقرار للعائلات المهجّرة ضمن المعقول، مادّياً ونفسياً واجتماعيّاً، وتفعيل الجانب التوعوي بتنظيم ندوات في المراكز الثقافيّة للأهالي لتعريفهم بخطر هذه الظاهرة وأهميّة اكتساب أولادهم المعارف، وأشار (العتك) إلى أهمية التعاون بين المؤسسات التعليمية والمنظمات وفاعليات المجتمع المدنيّ وتفعيل الهيئات التعليمية في المدارس لمراقبة الانقطاع ومتابعته فور حصوله وإجراء اتصالات مباشرة مع الأهل وضبط التجاوزات، لمعالجة الأسباب التي دعت إلى الانقطاع، وكذلك لفت إلى ضرورة العمل على تأمين الكوادر التدريسية اللازمة والكافية للعملية التربوية وتفعيل دور الإعلام في توعية الأهالي لمخاطر الجهل على المجتمع.


هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.