“التصفية” و”وكلاء إيران”.. شبح التأجيل يخيم على الانتخابات العراقية

بات سيناريو تأجيل الانتخابات العراقية المبكرة مطروحا بجدية، بعد انسحاب عدد من القوى السياسية والحزبية ومخاوف من عزوف المواطنين، رغم إعلان الكتل السياسية في وقت سابق معارضة التأجيل والتمسك بتاريخ العاشر من أكتوبر القادم موعدا للاستحقاق الانتخابي.

المفوضية العليا المستقلة الانتخابات، أكدت أمس الاحد، أن “مجلس المفوضين يجدد التزامه الوطني بإجراء الحدث الانتخابي المرتقب بكلّ نزاهة وشفافية وحيادية وعدالة في موعده المقرّر في العاشر من شهر تشرين الأوّل المقبل”، لافتة إلى أن “جميع الاستعدادات الفنّية والقانونية والإدارية اكتملت بدعم ومشورة فريق الأمم المتحدة للمساعدة الانتخابية والتي تمكّنها من إجراء العملية الانتخابية المقبلة، وبناء على ذلك صدّق مجلس المفوضين على الأنظمة والتعليمات كافّة التي تنظّم سير العملية الانتخابية وفقًا لتوقيتات الجدول العملياتي”.

شبح التأجيل..

وكانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق قد أعلنت أغسطس/آب الجاري، أن يوم العاشر من شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل سيكون موعد حتمي لإجراء الانتخابات، وأن توزيع بطاقات الناخبين البيومترية سيكون خلال أيام.

النائب “منار عبد المطلب” أكد أن “هناك حراك سياسي غير معلن في الكواليس، يدفع لتأجيل الانتخابات تحت عدد من المبررات وجرت اجتماعات بين القوى السياسية للوصول إلى توافقات” لافتاً إلى أن “تأجيل الانتخابات النيابية المبكرة سيقود العراق إلى اشكاليات معقدة”.

وذكرت مصادر إعلام محلّية عراقية أنّ” تاريخ الحادي والعشرين من أبريل 2022 تمّ اقتراحه كموعد بديل لإجراء الانتخابات، خلال اجتماع عقد في بغداد وضمّ ممثلين عن قوى سياسية وصفت بالوازنة والمؤثرة”، موضحة أنّ “السبب الرئيسي الذي طرحته أحزاب شيعية كمبرّر لتغيير موقفها من قضيّة التأجيل هو مقاطعة التيار الصدري بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر للانتخابات”.

كما لفت المصدر إلى إنه “طرح خلال الاجتماع إلى جانب مقترح تأجيل الانتخابات إلى الموعد المذكور مقترح حل البرلمان الحالي في الثاني والعشرين من شهر فبراير القادم”.

وكان من المفترض انتهاء الدورة البرلمانية الحالية سنة 2022، إلاّ أن الأحزاب السياسية قررت إجراء انتخابات مبكرة بعدما أطاحت احتجاجات شعبية واسعة بالحكومة السابقة برئاسة عادل عبدالمهدي أواخر 2019.

بدوره، أكد النائب المستقل “باسم خشان” أن أكثر من ٧٠٪ من الكتل السياسية داعمة لتأجيل الانتخابات الا أنها لا تبادر إلى الإعلان عن موقفها حتى لا يحسب بأنه ضعف في احتمال خسارة الانتخابات”، موضحاً أن “الحوارات واللقاءات بين القوى السياسية يجري بشكل غير معلن وبعيداً عن وسائل الاعلام وربما تشهد الأيام القادمة تغيراً في الموقف السياسي بشأن ملف الانتخابات”.

يشار إلى أنه بعد انسحاب التيار الصدري والحزب الشيوعي، أعلنت كل من جبهة الحوار الوطني التي يتزعمها “صالح المطلك”، والمنبر العراقي الذي يقوده رئيس الجبهة الوطنية المدنية “إياد علاوي”، انسحابهما من السباق الانتخابي، اذ سجل 19 حزباً وتحالفاً سياسياً عدم مشاركتهم بالانتخابات رسمياً، بدعوى انعدام آفاق أي تغيير أو اجتياز الوضع الصعب الذي يعيشه العراق في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

القوى الشيعية والميليشيات..

بعد أن توالت انسحابات الكتل والتيارات السياسية المؤثرة، من الانتخابات العراقية العامة، يخشى المراقبون ترك الساحة الانتخابية فارغة أمام القوى والتيارات الدينية والطائفية، على حساب القوى المدنية والعلمانية، التي يبدو أن الانسحاب بات خيارها الوحيد، وسط هيمنة سلاح الميليشيات المدعوم من جهات إقليمية.

ولفت أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد، والسفير السابق بالخارجية العراقية “قيس النوري”، إلى أن “ما يسمونه انتخابات نيابية ما هي إلا تكتيكات ساذجة لإضفاء مظهر مفضوح مشوه من الديمقراطية، وحكومة المنطقة الخضراء أمام مأزق حقيقي، في ظل تغول الميليشيات الطائفية التي ترسخ غياب الأمن، بهيمنتها على الشارع العراقي المفعم بالخوف والريبة، مما يعني غياب البيئة الآمنة لإجراء الانتخابات”.

وأوضح “النوري” أن، “عدم إجراء الانتخابات يعني بقاء وجوه وعناصر الفساد في مفاصل الدولة، وهو وضع يريح الميليشيات والأحزاب الطائفية المستفيدة والصانعة للفوضى السائدة في العراق، لذا نقول أن إجراء الانتخابات في ظل الأوضاع الشاذة السائدة من عدمها، النتيجة واحدة ولن تغير شيء مما هو سائد الآن”.

المطالبة بتأجيل الانتخابات بسبب عدم مشاركة التيار الصدري فيها ذريعة للقوى السياسية المتخوفة من تصويت عقابي، على اعتبار أن عدم مشاركة التيار الصدري سيعني استثناء كتلة بشرية كبيرة ووازنة وذات تأثير في الشارع بالنظر إلى ما يحظى به الصدر من شعبية داخل الأوساط الشيعية.

ويرى مراقبون أنّ “الدفع بمقاطعة التيار الصدري للانتخابات كمبرّر للمطالبة بالتأجيل جاء كمجرّد غطاء لرغبة أصلية لدى القوى والأحزاب الشيعية الأكبر في عدم إجراء الانتخابات في فترة ما تزال فيها نقمة الشارع على تلك القوى والأحزاب قائمة ما يعني خطر تعرّضها لتصويت عقابي من قبل الناخبين”.

كما أكد المراقبون أنه “رغم مختلف المبرّرات التي ساقتها الأحزاب والكتل السياسية، فإن الموقف من الاستحقاق الانتخابي يظل انعكاسا لحسابات الربح والخسارة من قبل تلك القوى ولا سيما بالنسبة للكتل التي لا تعوّل على تحقيق مكاسب من وراء الانتخابات التي تقرّرت في ظروف استثنائية تميّزت بحالة من الغضب الشعبي العارم من أداء القوى المشاركة في العملية السياسية وخصوصا تلك التي تبوّأت مكانة قيادية في تجربة الحكم الفاشلة والفساد الشديد”.

وتشترك في التوجّس من نتيجة الانتخابات قوى وأحزاب من مختلف المشارب والتوجهات لاسيما الأحزاب الشيعية الأكبر التي احتجّ المتظاهرون عليها بشدّة في معاقلها الرئيسية بوسط وجنوب العراق، وكذلك القوى السياسية السنية التي تشهد تراجعا شديدا لشعبيتها في مناطق السنة بغرب وشمال البلاد حيث يعاني السكّان من ضعف الخدمات وتوقّف التنمية في تلك المناطق.

وكلاء إيران..

وأظهرت استطلاعات للرأي في العراق خيبة الأمل الشعبية من الوضع المتفاقم الذي تظهر من خلال سطوة الميليشيات وتحكمها في كل صغيرة وكبيرة، اذ كشف استطلاع أجراه مركز “تمكين السلام” في العراق عن أن ثلث المؤيدين لحراك تشرين والمطالبين بإصلاحيات هيكلية في البلاد أكدوا أنهم لا ينون التصويت في الانتخابات المرتقبة،

كما شدد المشاركون في الاستطلاع على أنه “لا تزال الثقة في شرعية الانتخابات كمسار للتمثيل السياسي منخفضة، الامر الذي يساهم في هذا الشك الانتهاكات الخطيرة التي عصفت بالانتخابات السابقة”، وأبدى “أكثر من 60٪ ، عن اعتقادها بأن انتخابات 2018 لم تعكس إرادة الشعب، ونتائج الانتخابات سوف تمهد الطريق لسيطرة وكلاء إيران على مجلس النواب الجديد”.

ومن العوامل التي دفعت بالمشاركين في الاستطلاع التعبير عن نيتهم التخلي عن الانتخاب “فقدان ثقة الناخبين في قدرة الحكومة على خلق بيئة آمنة يمكن من خلالها إجراء انتخابات حرة ونزيه، والمرشحون المستقلون الذين يبدو أنهم يكتسبون زخمًا في الانتخابات معرضين للخطر بشكل خاص، إذا يواجهون الترهيب من قبل الميليشيات”.

المشاركون في الاستطلاع، الذي نظم في يونيو الماضي وشمل عينة تمثيلية من 1068 ناخبًا عراقيًا مؤهلاً للتصويت من المحافظات العراقية الثماني عشرة، أبدوا استعدادهم للتصويت للمرشحين الإصلاحيين الذين لا ينتمون إلى أي من الأحزاب التقليدية.

ويقول واحد من كل أربعة عراقيين مشمولين في الاستطلاع إنه سيصوت للمرشحين الذين يمثلون المتظاهرين وحراك تشرين بشكل عام، اذ يعكس هذا الأمر تفوقا على مرشحي أحزاب السلطة الذين حصلوا على دعم 4.2 في المئة من المستطلعين، وأيضا على المرشحين المدعومين من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذين بلغت نسبة دعمهم 2.5 في المئة، لكن 30.7 في المئة من المستطلَعين أفادوا أنهم لم يحسموا أمرهم بشأن اختيار مرشحيهم، فيما صرّح 34.1 في المئة أنهم لا ينوون التصويت.

أما بالنسبة إلى النتيجة المتوقعة لانتخابات أكتوبر المقبل، أجاب 32.9 في المئة من المستطلعين أنهم يتوقعون حصول المرشحين عن أحزاب السلطة والميليشيات التابعة لها على العدد الأكبر من الأصوات وبالتالي الفوز بأكثرية المقاعد في البرلمان الجديد، وهذا الأمر مرده عدم الثقة في شرعية الانتخابات منذ البداية.

وعند طرح نفس السؤال بخصوص النتيجة في محافظات المشاركين ارتفعت هذه النسبة إلى 38.3 في المئة، في المقابل قال 13.3 في المئة إنهم يعتقدون أن المرشحين عن حراك تشرين سيفوزون بالعدد الأكبر من المقاعد على مستوى البلاد ككل.

إلى جانب ذلك، توقع المشاركون أن يحقق مرشحو الحراك أكثر من 38 في المئة من الأصوات الفعلية المدلى بها، وهذا يعني الفوز بما يصل إلى 120 مقعدا من المقاعد البالغة 329 في مجلس النواب العراقي.

ويصادف شهر أكتوبر هذا العام الذكرى السنوية الثانية لـ”حراك تشرين” الاحتجاجي الذي هز أركان السلطة السياسية في البلاد، وأسقط حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي، وأجبر الحكومة على تحديد موعد لانتخابات نيابية مبكرة، اذ يطالب الحراك الشبابي بالقيام بإصلاحات كاملة لكافة أجهزة الدولة العراقية من أجل مكافحة الفساد، ومعالجة تفاقم معدلات البطالة المتزايدة خصوصا بين فئة الشباب.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.